ملتقى صائد الرؤى
.. نرحب بتعبير رؤاكم القديمة والحديثة ..

.. ونسعد بنقاشاتكم حول الفتن والرؤى ..

(حياكم الله جميعا ووفقنا واياكم لخير الدنيا والآخره)
ملتقى صائد الرؤى
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في السبت فبراير 28, 2015 2:22 am

.

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي


الحلقة الأولى
بعد طول إنتظار لأكثر من عشرة أيام على قارعة الطريق مع عشرات العائلات وقفتُ على أعتاب آخر محطة قبل الوصول إلى أول نقطة في أرض قيلَ فيها الكثير، ونسجت عنها الروايات، وحيكت حولها الأساطير، حتى فاقت غرابة حكاياتها قصص الألف ليلة وليلة..!
بضعة مئات من الأمتار، هي كل ما تفصلني الآن عن أرض الأمل، كما يحلو للبعض أن يسميها، مئات من الأمتار قطعتها سيراً على الأقدام، وعلى ظهري حقيبة جمعت فيها بعض ملابسي، وحذاء خاص بالسير لمسافات بعيدة، وأدوات أخرى، فضلاً عن كاميرا فيديو، ومثلها فوتوغرافية أحملها بيدي مع جهاز كمبيوتر محمول (لابتوب)!

قبل آخر نقطة تفتيش مررت بها سألني أحدهم، ممن كان يروم دخول أرض الخلافة هو الآخر، عن هويتي، فأبلغته إنني أحمل جواز سفر أجنبي، فأرتعدت فرائصه، وقال لي:
هل أنت مجنون، كيف تدخل أرض (داعش) وأنت تحمل جواز سفر أجنبي، لقد سمعت من الإعلام عنهم الكثير الكثير.. ربما سيقطّعونك إرباً ويرمون لحمك للكلاب، كما يقول الإعلام عنهم، أو ربما يقايضونك بفدية كبيرة مع دولتك التي جئت منها، ناصحاً إياي بإخفاء جواز سفري في مكان لا يستطيعوا الوصول إليه، أو التخلص منه كأسلم إجراء إن كنت مضطراً للدخول.. ثم أضاف:
أنا لم أدخل هذه الأرض منذ عدة أشهر، فلقد (سقطت الموصل) وأنا خارج المدينة، والآن قررت العودة لأرى ما حل بمدينتي، حيث اضطررت للعودة بعدما نفذت أموالي خارج البلاد!
حينها عرفت أن هذا الشخص كان يقطن الموصل، وأنه يريد دخولها اليوم لأول مرة بعد التحرير، لكنه يحمل في رأسه أفكاراً عدة حول ما يجري هناك، وكل ما يحمله قد ترسّخ في ذهنه عن طريق الإعلام اللا منصف المعادي للدولة الإسلامية!
وأنا أقطع المسافة، التي تفصل بين العدوين اللدودين، سيراً على الأقدام، اختلجت وامتزجت بداخلي مشاعر عدة، فهناك، وأنا اُغادر آخر نقطة في عالم معروف للجميع، عالمٌ (شيعي – كردي) يغطيه إعلام تسابق على خدمته في السّراء والضّراء، على الحق وعلى الباطل، رغم ضآلة الحق عندهم وندرته، وتعاظم باطلهم وقوته، عالم يراه البعض محكوماً بقانون، في الوقت الذي تحكمه، في حقيقة الأمر، شريعة الغاب، وفساد يغطيهم من رأسهم إلى أخمص أقدامهم.. وقفت هناك وسط تناقضات المشاعر، رغم معرفتي بإن تلك الأرض التي بُتُّ عند مدخل أولى بواباتها لا يمكن أن تغدر، فلقد عايشتها بقلمي، وكتبت عن جنودها، وعن جهادها، وعن مشروعها منذ سنين خلت، ولكن الكتابة شيء، ودخول أرضها اليوم ومعتركها شيء آخر..!

ورغم المخاوف التي كان يحاول الإعلام على إختلاف مشاربه وتوجهاته المشبوهة، وجهلة الناس زرعها في نفوس المشتاقين إلى تحكيم شرع الله من أمثالي، إلا إنني هناك قد شعرت، ولأول مرة، بنسمة هواء تأتيني من ذلك الإتجاه، حيث أرض الوغى والجهاد المقدس، كنت أتنفس بعمق، وكإني لم أتنفس هواءاً من قبل، كنت ابتسم في داخلي، واشعر برغبة في الجري لاُسابق بعض الناس الذين تقدموني في سيرهم نحو حدود دولة الخلافة، لكني كنت اُفضّل أن أكون وسط الناس حتى لا اجلب الأنظار، فالأمتار الأخيرة التي بدأت أشعر إنها الأطول مسافة على وجه هذه الأرض، أريد إنهاؤها على خير، فقد كنت أراها الأخطر في كل رحلتي، رغم كل الصعاب التي واجهتها، والمخاطر التي جابهتها، والاعتقالات التي تعرضت لها في رحلتي الطويلة هذه!
وما هي سوى بضع عشرات من الدقائق التي تفصل بين الحدّين، كنت أراها دهوراً وأعوام، حتى وصلت لأرض الأحلام، تلك الأرض التي عشت فيها يوماً، وتجولت في ربوعها، ومارست عملي فيها كصحفي وكإعلامي، بل وتعاملت مع مجاهديها، رغم أنف المحتل الأميركي، ورغم أنف كلابهم المرتدين والصفويين الخاضعين لسلطة الغزاة، لكنني قد تركت هذه الأرض منذ سنين طوال، تجاوزت الثمان، كارهاً غير راغب، والجيل الأول والثاني الذي تعاملت معه قد التحق معظمهم بقطار الشهداء ممن بُنيت على جماجمهم وأشلائهم أركان دولة الخلافة التي اُقيمت اليوم، بفضل الله تعالى، وجاءت بعد تلك الثلة المباركة أجيالاً جهادية أخرى، فمن كان صبياً في مقتبل العمر أول الاحتلال، امسى اليوم رجلاً صلباً، صلداً، لا تهزه الشدائد، ومن كان طفلاً ما يزال لبن أمه الطاهر في فمه، قد غدى اليوم فتىً يافعاً، وجندياً لا تفتنه النوائب، مجاهداً في جيش الحق، جيش الخلافة ينازل الباطل في هذه الحرب العقائدية التي يخوضها المسلمون ضد جموع الكفر والإلحاد والشرك والردة التي تكالبت على أُمة الإسلام من كل حدب وصوب!

كانت عيون الجنود المدججين بالسلاح وبالدروع الواقية والمنتشرين على جانبي الطريق ولمسافة مئات الأمتار ترمقني وكإني وحش كاسر، أو هكذا كنت أشعر وأنا أرقُب نظراتهم نحوي، كان الشرر يتطاير من تلك العيون الغائرة، بل كنت ألحظ وأقرأ الخوف والرعب بداخل تلك العيون، حتى شعرت أن مجرد الإنتهاء من هذه المسافة الفاصلة بين معسكري الحق والباطل إنما هو عيد، بل ولادة لي من جديد!
وصلت إلى أرض الخلافة وقبل أن اُقبّل ترابها ألتفت خلفي، وكان يجول في خاطري أن ابصق على كل ما هو خلفي، لولا بعض الناس الذين لا يزالون يسيرون ورائي ممن كانوا يقصدون وجهتي، لكني وضعت حقيبتي من على ظهري، وألقيت بكاميرتي والـ(لابتوب) بجانب الحقيبة، وأخذت اُقبّل الأرض، وأعفر وجهي بتراب أرض الخلافة..!
نهضت بعد طول إحتضان لتلك الأرض التي طال عودتي إليها، وأخذت الموبايل لأتصل على زوجتي، التي تركتها مع طفلاي خلفي، إذ لم استطع إصطحابهم معي إلى أرض الخلافة لصعوبة الإجراءات، وتعقيدات ما قبل الوصول، فأبلغتها أني دخلت الآن لأخطر أرض، كما يصفونها، ولن يكون بالإمكان التواصل، فلا إتصالات هناك ولا إنترنت، ولا أية وسيلة أخرى، لهذا عليكِ، كما أخبرتها، أن تربي لي اُسوداً جائعة، لا أغنام مدجّنة، قاصداً بذلك طفلاي اللذين تركتهما خلفي..!
حينما اتصلت على زوجتي كانت تلك الكلمات هي آخر ما سمعتها مني، واردفتها بـ( إن كتب الله لي العيش، فسأعود يوماً، وإن لم أعد فأصبري واحتسبي، فما خرجت بطراً، ولا بحثاً عن مجدٍ زائل، إنما هي حقيقة وواقع مغيب يجب أن أقف عليه بنفسي واستكشف خفاياه، حتى لا أكون كمن يهذي بما لا يدري، ويكتب عما يسمعه من أفواه الآخرين، فلابد أن أقف على مكامن وبواطن الأمور، بعيداً عن التعصب والتحزب الأعمى، والكذب المفضوح، والنقل اللا أمين، وفبركة القنوات ودجلها!
بجواري، وعلى بعد أمتار من آخر نقاط التفتيش لآخر موقع تابع لسلطة (الشيعة والأكراد)، كانت هناك مجموعة سيارات أجرة، بعض سائقيها ينادي: (حويجة.. حويجة)، وبعضهم الآخر يعلو صوته بـ (گيارة.. گيارة)، وبعضها ينادي باسم مدن آخرى، فيما شدني صوت سائق ينادي (موصل.. موصل)!
يا لوقع هذا الاسم.. لم يكن في بالي أن اتجه إلى هذه المدينة، فلم أكن قد حددت وجهة لي بعد، فكل ما كان يهمني حينذاك كيفية الوصول إلى أرض الخلافة.. لكن وقعُ إسم الموصل سحرني، كيف لا، وهي التي إنهارت فيها جموع الضلال في سويعات، فتحررت على أيدي المجاهدين بلمح البصر..!!
لبرهة عادت بي الذاكرة لأيام وساعات تحرير هذه المدينة الإسطورية لحظة بلحظة، حينها كنت على تواصل مع القنوات الفضائية، وأزوّدهم بأخبار المعارك أولاً بأول، فكنت على تواصل مع كثير من أبناء هذه المدينة، ممن كانوا يزودوني بالأحداث العاجلة حال وقوعها وقوعها، حتى بدى لكثير من وسائل الإعلام التي كانت تعتمد أخباري إنني كنت في أرض المعركة، وهكذا كنت أحسب نفسي!
سرت بعد ذاك نحو مصدر ذلك الصوت وهو ينادي: (موصل موصل).. وقفت أمام السائق بحقائبي، خاطبته بحماس:
أين سيارتك؟!
أجابني:

هناك، في تلك السيارة، مشيراً إلى سيارة نوع (كيا)، تتسع لأحد عشر راكباً، اتجهت إليها، وكانت على بُعد قرابة العشرين متراً، قطعتها بخطوتين، أو هكذا خُيّل إليِّ!
كانت تلك اشبه ما تكون بالأرض الحرام في المعارك، كانت أرضيتها غارقة بالنفايات، فلا أحد من الطرفين المتحاربين يدخلها، باستثناء المدنيين المتنقلين بين الدولتين بحدودهما الجديدة المؤقتة، لهذا كانت أرضها أشبه ما تكون ببرميل نفايات، إذ ينتظر الناس على أديمها أياماً وأسابيع قبل أن يُسمح لهم بالمرور من قبل مناوئي الدولة الإسلامية، فهؤلاء المناوئون ينظرون إلى من يدخل أراضي الدولة الإسلامية على إنه إرهابي، أياً كان عمله، أو مهنته، أو حجته، أو إنتمائه القومي، ما دام مسلماً سنياً، أو عربياً موحداً، والحال ذاته ينطبق على كل من يخرج من أرض الخلافة حيث يُعامل هو الآخر على إنه إرهابي، لا تزال يداه تقطر من دماء جنود الشيعة والكرد ومليشياتهم والمتعاونين معهم أياً كان عمره أو جنسه!

وضعت الكاميرا والـ(لابتوب) بجانبي، حيث المقاعد التي تقع خلف مقعد السائق، ثم وضعت حقيبتي في صندوق السيارة الصغير، الذي بالكاد اتسع لبضعة حقائب، من على شاكلة حقيبتي، فيما تم وضع بقية الحقائب فوق قمرة السيارة بعدما رُبطت بالحِبال، ثم جلستُ منتظراً إنطلاق السيارة نحو المدينة الأكثر رعباً في نظر العالم، الموصل!
اكتمل العدد، إلا واحداً، وما هي لحظات حتى جاءت سيدة تكاد تبلغ الخمسين، أو أقل من ذلك، أو ربما تزيد بعام أو عامين، لتصبح السيارة على أهبة الإنطلاق بعد تمام العدد..
جلست تلك السيدة في المقعد الذي يليني، ويجاورها شابين في العشرينات من العمر، وخلفهما عائلة مكونة من رجل وسيدتين، أما أنا فكان بجواري شابين، كنت أنا الأقرب إلى باب السيارة منهما، فيما جلس رجلان في المقعد الأمامي بجوار السائق، أحدهما كان اُستاذاً جامعياً، كما تبين لاحقاً، والآخر رجلٌ في الثلاثينات من العمر..!
انطلق السائق، بعدما طلب خمس وعشرين ألف دينار عن كل شخص كإجرة، فوافق الجميع بلا تردد، فهي تسعيرة معقولة، بل ومخفضة، للذهاب إلى مدينة اسمها كحد السيف!

على بعد مئات الأمتار، وتقريباً على مسافة كيلو متر واحد أو يزيد بقليل، وصلنا أولى نقاط التفتيش التابعة إلى دولة الخلافة الإسلامية.. كانت الراية السوداء المنقوش عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تعلو جسراً هو بمثابة الحد الفاصل عملياً بين حدود الدولة الإسلامية وحدود أعدائها.. تأملت تلك الراية التي كانت ترفرف بزهو وشموخ في أرض الإسلام، بعدما كان مجرد رفعها في مكان ما يمثل قمة الإرهاب، لا بل ويتعرض رافعها إلى الإعتقال والتعذيب، بل والتقتيل، من شدة الرعب مما تمثله من إسلام حقيقي تحاول الأمم التي تكالبت على اُمة محمد، صلى الله عليه وسلم، محاربته، وطمس هويته، وقتل أتباع نبيه!
استغربت بداية الأمر لقرب المسافة التي تفصل الدولة الإسلامية عن عدوها.. كان الجسر يربط عدة تقاطعات على الطريق، والذي تعرض إلى القصف، لا يزال منتصباً رغم عنف الهجوم، حيث تبين أن الطيران الأميركي والفرنسي والبريطاني والسعودي والأردني والإماراتي والمغربي والإيراني قد قصفه بستة صواريخ، لم تحدث أضراراً إلا في أجزاءٍ منه، لكنه على العموم لا يمكن السير من فوقه نتيجة الفتحات والثقوب التي خلفها القصف، والتي ابصرتها من تحت الجسر أثناء مرورنا من تحته، والذي كان يتوقف تحته أول مقاتل من جيش دولة الخلافة الإسلامية تقع عليه عيناي بعد آلاف الكليومترات التي قطعتها نحو أرض الخلافة الإسلامية!
كان شكل التقاطع مانعاً صناعياً، ومصداً، وساتراً لأي إستهداف قد تتعرض إليه أولى نقاط التفتيش التابعة للدولة الإسلامية، ما خلا السماء المفتوحة، التي تبقى أنظار جنود الدولة الإسلامية مشدودة إليها لتفادي أي هجوم بالطيران (الغربي – العربي – الإيراني)..!
توقفت السيارة التي نستقلها خلف سيارة كان جنود الدولة الإسلامية يتحدثون مع سائقها ومع ركابها، فسارعت بحكم قربي من الباب إلى الترجل والإقتراب من السيارة الأولى التي كان عناصر الدولة الإسلامية يقومون بتفتيشها بحكم فضولي الصحفي ورغبتي في مراقبة طريقتهم في تفتيش ومعاملة الناس، فوقفت بجانب ركاب تلك السيارة دون أن يمنعني عناصر التفتيش من الوقوف معهم!

سأل رجال الدولة الإسلامية ركاب تلك السيارة إن كان هناك من يحمل معه أو في جيبه أو في حقيبته سجائر، فنفى الجميع، بضمنهم سيدة، يكاد عمرها يصل لمنتصف العقد الخامس من عمرها، إلا إن طفلاً كان برفقة تلك السيدة راح يستفسر من والدته قائلاً:
أمي، أوليس معك سكائر، لماذا لا تقولين عندي سجائر!!؟
حينها ضحك رجال الدولة الإسلامية من براءة الطفل، وأعادوا السؤال ثانية دون أن يحددوا لمن السؤال موجه، فما كان من السيدة إلا أن قالت:
نعم أبنائي، أنا معي سجائر!
فطلبوا منها على إستحياء أن تُخرجها، فأبلغتهم إنها تضعها في حزام تربطه حول خصرها، فطلبوا منها أن تستتر خلف موضع أقاموه من الجدران الكونكريتية المسلحة يلجئوا إليه في حال تعرضهم إلى هجوم الطيران المعادي، فأتجهت هذه السيدة إلى هذا المكان لتستخرج علب السجائر من حزامها الذي تخفيه تحت عباءتها، فيما انشغل جنود الدولة مع بقية الركاب في حديث لم اسمع منه الكثير، حيث كانوا يتحدثون معهم بهدوء، وما هي سوى لحظات حتى عادت السيدة ومعها ثلاثة (كلوصات) سجائر، والـ(كلوص) هي التسمية التي يطلقها العراقيون على كل عشرة علب صغيرة من السجائر توضع في علبة كبيرة.. كانت السيدة تحمل قرابة الثلاثين علبة صغيرة من السجائر في حزامها العريض التي كانت تلفه حول خصرها، فتسلمها منها أحد جنود الدولة الإسلامية مخاطباً إياها بـ (أمي) دون ان ينظر إليها قائلاً:
يا أم، والله إني لأخجل من محاسبة الشباب على حملهم السجائر، فكيف بك أنتِ.. ثم أضاف:
اسأل الله أن يغفر لنا ولكِ، تفضلي عودي إلى مكانك في السيارة يرحمك الله!
كان ذلك المشهد، الذي لم يغادر خيالي، أول موقف أراه وأشهده بنفسي يتعلق بطريقة تعامل جنود الدولة الإسلامية مع المواطنين ممن يسكنون في المناطق السُنّية التي تم تحريرها من سيطرة الشيعة والأكراد، والحق أقول إنني كنت اترقب طريقة تعاملهم مع هذه السيدة والحكم الذي يمكن أن يصدروه بحق من يثبت حمله للممنوعات، ومنها السجائر، كما هو في قانون الدولة الإسلامية الذي يستند إلى دستور وشريعة الله، سبحانه وتعالى، فلم استغرب طريقة تعاملهم الخجولة والتسامحية مع تلك السيدة، فمن يستمع ويشاهد الإعلام العراقي والعربي والكردي والعالمي يكاد يجزم أن جنود الدولة الإسلامية كانوا سيفصلون رأسها عن جسدها ثم يحرّقونها في إخدود يتم حفره لها بجوار نقطة التفتيش كما اعتدنا على سماع ذلك من الإعلام على إختلاف نِحَلِهِ!!
طلب أحد جنود الدولة الإسلامية من سائق السيارة التي تقلنا التقدم إلى الإمام إستعداداً للتفتيش فعدت وجلست في مكاني لتتحرك السيارة بضعة أمتار ليس إلا!
كان الشاب الذي يجلس بجانبي قد اُصيب بنوع من الإرتباك، مثلما لاحظت عليه، فسرعان ما سألني:
ما الذي أفعله.. ما الذي سيحصل لي، وكلمات أخرى كان يتمتم بها!
سالته عن مشكلته، فقال لي إنه يحمل علبة سجائر في جيبه، وإنه يخشى أن يعتقلوه بسببها، فسألني رأيي إن كان بإمكانه أن يرميها من السيارة، أو يخفيها أسفل المقعد، فطلبت منه التروي وإلتزام الهدوء، وإنه ليس هناك ما يستحق القلق.. قلت له ذلك بعدما شاهدت طريقة تعاملهم مع تلك السيدة في السيارة التي سبقتنا، لكن القلق لم يغادره، وبقي يرتجف من شدة الخوف!
توقف أمام الباب الجانبي للسيارة أحد رجال الدولة الإسلامية، وكان شاباً في العشرينيات من العمر..
كان هادئاً بشكل غريب، والإبتسامة لا تفارق محياه.. بدأنا بالسلام، دون أن يطلب منا النزول من السيارة، كما فعل مع السيارة التي سبقتنا، ثم سألنا إن كان هناك من يحمل السجائر، حتى قبل أن يسألنا عن هوياتنا التعريفية، أو عن وجهتنا.. إزداد توتر الشاب الذي يجلس بجانبي، وكان يكتفي بالنظر إليّ، ولا يعرف بماذا يجيبهم، فهم لا يفتشون أحداً، مكتفين بالسؤال، لكن الخوف كان قد اطبق على الشاب، فبادرت بالإجابة نيابة عنه:
وهل من عقوبة لمن يحمل!؟
فرد عليّ مبتسماً:
لا عقوبة على ذلك، إن سلّمها طوعاً!
فأجبته:
نعم عندنا سجائر، لكن علبة واحدة.. بهذه الصيغة أجبته، فرد عليّ والإبتسامة لا تغادر محياه، بعدما ظن أنني من يحملها:
اعطني إياها غفر الله لك!
فطلبت من الشاب الذي كان يجلس بجانبي إخراج علبة السجائر، فسلمها لي ويده ترتجف من الخوف، فنظر إليّ رجل الدولة الإسلامية الشاب مستغرباً أن غيري من كان يحملها، في حين إنني كنت المتحدث بالنيابة..!
أمسك رجل الخلافة علبة السجائر بيده، ثم ضغط عليها بيديه بقوة، قبل أن يتجه إلى برميل صغير كانت تشتعل فيه النار على مقربة من الطريق، فرمى فيه علبة السجائر، لكنه عاد ليسأل الشاب إن كان يحمل المزيد في حقيبته فنفى الشاب إمتلاكه غير تلك العلبة، ومصداقاً لقوله طلب من رجل الدولة الإسلامية تفتيش حقيبته، لكن الأخير أجابه أنه ما من داعٍ لتفتيشه لأنه يثق بصدقه، لكنه طلب منه الترجل للحديث معه قليلاً!
ترجل الشاب من السيارة، بعدما تغيّر لونه من شدة الرعب، فأمسكه جندي الدولة الإسلامية من يده، وأخذه لمسافة بضعة أمتار عن السيارة، فتبعتهما بدوري، فطلب مني رجل الخلافة العودة ليحدثه لوحده، فذكّرته بالعهد وبالأمان الذي منحه له قبل إخراج علبة السجائر، فتبسّم ثانية وقال لي:
أنا على عهدي، لكن يا أخي، موجهاً الخطاب لي، كيف لشاب مسلم أن يحفَّ حاجبيه كالنساء هكذا، فراح يُذكّره بحديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، المتعلق بالنامصة والمتنمّصة، ولعن الله لهما، وبقيت استمع، مع الشاب، لحديث ذلك الجندي الذي كان يذكره بعاقبة ذلك، وإنه لن يعاقبه على ذلك، لكنه يُذكّره بلعن الله لمن يفعل، ثم أخذ يربت على كتفه قائلاً له:
لا تكررها، فأنت شاب ورجل، وهذا الفعل لا يليق حتى بالنساء، فكيف بالرجال من أمثالك..!
وعده الشاب أنها ستكون المرّة الأخيرة التي يَحفُّ فيها حاجبيه، مبيناً له عدم معرفته بالجوانب الشرعية في هذا الموضوع، فأجابه، بأن عليه أن يَعِدَ الله، سبحانه وتعالى، لا أن يَعِدَ عباده، فأكد الشاب إنه سيلتزم بهذا الوعد ما دام ذلك الفعل يخالف شرع الله، سبحانه وتعالى، ثم سلّم رجل الدولة الإسلامية على ذلك الشاب سائلاً الله له الثبات على وعده، ثم طلب منه العودة إلى مكانه، فعاد الشاب وأساريره وقسمات وجهه تتهلل من شدة الفرح!
عدنا إلى قرب السيارة، وكان في بالي كلام ذلك الرجل الذي كان ينصحني بعدم إظهار جواز سفري الأجنبي أمام سيطرات ونقاط تفتيش الدولة الإسلامية، وإلا فإنهم سيقطّعونني إرباً إرباً، كما كان يقول لي، لكنني قررت خوض أولى المغامرات المُهلِكة، كما يراها البعض، فاتجهت إلى نفس الرجل، الذي كان يتحدث مع ذلك الشاب، ووضعت يدي على كتفه الذي كان يعلق عليه بندقيته، ثم سحبته لبضعة أمتار عن السيارة التي كنا نقف بجوارها، والتي كان بقية عناصر نقطة التفتيش يتحدثون مع بعض ركابها، فقلت له:
هل هناك نقاط تفتيش أو سيطرات للشيعة أو البككا أو البيشمركة أو النصيرية سنمر بها في طريقنا إلى الموصل، فأجابني وإبتسامته متواصلة لم تفارق قسمات وجهه:
إطمئن، لو سرت بعد نقطة التفتيش هذه آلاف الكليومترات من هنا فلن تجد لهم أثراً، بحمد الله تعالى ومنّه وفضله، فلا وجود إلا للدولة الإسلامية ولرجالها ومسلميها!
ثم تطرقت إلى أخطر تساؤلاتي:
يا حاج، انا جئت من الخارج، وانوي الدخول إلى أرض الخلافة، فما المطلوب مني من أوراق أو إثباتات ليكون دخولي شرعياً إلى أرض الدولة الإسلامية؟!
فأندهش أول الأمر لسؤالي، ثم سألني رؤية جواز سفري، فناولته إياه، ثم ألقى عليه نظرة، قبل أن يرفع عينه عليّ مخاطباً إياي بالقول:
أولستَ مسلماً؟!
اجبته:
بلى!
قال:
اتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟!
اجبته:
نعم، بفضل الله!
فردّ علي:
إذن لن تحتاج لجواز سفرك هذا، ضعه في جيبك، فجواز سفرك إلى دولة الخلافة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهي كل ما تحتاجه للدخول إلى أرض الخلافة!
اغرورقت عيوني بالدموع، وأنا أرى جواز سفري، الذي يحلم به الكثير من الناس، لا يساوي عندهم شيئاً، أمام جواز المرور الإلهي المحمدي الذي سنّته دولة الخلافة لرعاياها من المسلمين، فشعرت بالعزة، بل شعرت إنني في حلم لا أريد الإستيقاظ منه، حلمٌ لم يوقظني منه إلا ذراعي رجل الدولة الإسلامية التي شبكها حولي، وهو يعانقني، قائلاً لي:
مرحباً بك في أرض الخلافة!

والمقال مرفق بصور على هذا الرابط
http://justpaste.it/jlj9

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  ابو فارس في السبت فبراير 28, 2015 3:54 am

يعلم الجميع ان الاعلام اليوم اصبح موجه وكل صحفي واعلامي يحاول ان يروج للأفكار التي يتبناها

وهذا الشخص الصحفي والاعلامي حسين المعاضيدي لا يختلف عنهم

كما اثبتي انتي في موضوعك المثبت هذا

https://t3beer.ahlamontada.com/t9750-topic

لقد قمتي بالرد على نفسك بنفسك

_________________
<br>

ابو فارس
موقوووووووف

عدد المساهمات : 532
تاريخ التسجيل : 19/09/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  قادمون ياأقصى في السبت فبراير 28, 2015 4:20 am


ليعلم المسلمون بأن الدولة الإسلامية أصبحت دولة مستقلّة بكل ما تحمل كلمة الإستقلال من معنى ، فعندها جيش قوي على درجة عالية من العزيمة والإصرار ، وعندها دخل كبير تستطيع به إدارة شؤون المسلمين فيها ، وعندها كوادر بشرية هائلة وعلى درجة عالية من الحرفية في جميع التخصصات ، وهي تستقطب المزيد كل يوم ، ويبلغ تعداد سكان الدولة الإسلامية قرابة الستة عشر مليون نسمة ، ومدينة الموصل وحدها فيها مليوني إنسان ، أي أكثر من مواطني قطر والكويت و"مملكة البحرين" !! والدولة عندها قادة على مستوى عالٍ من الكفاءة والإخلاص ، وعندها مبادئ لا تساوم عليها ، ويحاربها أهل الأرض قاطبة لأنها أعلنت خلافة إسلامية حدودها الجغرافية حيث تطأ أقدام جنودها ، وهي تتقوى بتمددها على حساب أعدائها ، وهذا يرجع بالأعداء إلى ذكريات مرعبة تحكي الفتوحات الإسلامية الأولى في عهد الخلفاء الراشدين الذين فتحوا جزيرة العرب دمّروا امبراطوريتي فارس والروم ، ووصل المسلمون بعدها إلى جنوب باريس غرباً والصين شرقاً في وقت قياسي ، وتحكي قصة الفتوحات العثمانية في أوروبا الشرقية وشواطئ المتوسّط ، وإذا كان المسلمون قد نسوا تاريخهم فإن الغرب والشرق – وخاصة الفرس والروم والإفرنج – لم ينسوا تحطّم ممالكهم على أيدي الفاتحين ، فهذه الحرب : بين الإسلام الذي رجع بقوة العقيدة الصافية المستعلية ، وبين الكفر والردة والنفاق في الأرض ، فجموع الكفر اجتمعت حول العراق والشام ، وصفوة الأمة أعلنوا النفير العام ليقضي الله أمراً من عنده ..
أسأل الله تعالى أن يمكّن للمجاهدين في سائر الأرض ، وأن يوحّد كلمتهم ، ويجمع صفوفهم ، ويُظهرهم على عدوّهم ، وأن يدحر الكفار ، ويوهن كيدهم ، ويُبطل مكرهم ، ويجعل الدائرة عليهم وعلى مواليهم من أهل الردة والنفاق ..

قادمون ياأقصى
قادمون ياأقصى
نعوذ بالله من الفتن

عدد المساهمات : 4006
تاريخ التسجيل : 03/03/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  قادمون ياأقصى في السبت فبراير 28, 2015 4:21 am

بارك الله بالاخت الفاضله عاشقة السماء
قادمون ياأقصى
قادمون ياأقصى
نعوذ بالله من الفتن

عدد المساهمات : 4006
تاريخ التسجيل : 03/03/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في السبت فبراير 28, 2015 4:36 am

وفيكم بارك الله أخي قادمون يا أقصى

وكفا الله المسلمين شر المضللين، وناشري الكذب، الساعين لطمس الحقائق وإظهار الباطل، أشغلهم الله بأنفسهم، وحبسهم في ضيق الدنيا قبل الآخرة.

وكما يقال الشمس لا تغطى بغربال، ولا يشفق على الجبل، بل يشفق على من يلهثون وراء فتات الأخبار، والافتراءات، ويقذفون بها هنا وهناك، ظانين أنهم يمكن أن يدفنوا الحقيقة، أو يوقفوا زحف المجاهدين، والحمد لله الذي يدافع عن الذين آمنوا، بأن يقيض مثل هذا الصحفي المتجرد لنقل الحقيقة، وقد تكفل الناصر العظيم بنصرة من ينصه، فالثبات أقوى أسلحة المجاهد، ثبت الله الدولة الاسلامية والمحاهدين الصادقين على طريق ذات الشوكة.

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  ابو فارس في السبت فبراير 28, 2015 5:55 am

دولة الظلم والاستعباد

و فعلا الشمس لا تغطى بغربال

سوى من اقفل عينه وقلبه عن رؤية الحق واتبع كل فرقه ضالة خرجت




_________________
<br>

ابو فارس
موقوووووووف

عدد المساهمات : 532
تاريخ التسجيل : 19/09/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في السبت فبراير 28, 2015 6:08 am

الحمد لله الذي جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من ينصرون الحق، ويقدمون فلدات أكبادهم في سبيله
شاهد يا مسلم:
كيف علّق رجل عراقي -ختم الله له بالشهادة- على استشهاد اثنين من أبنائه في صفوف الدولة الإسلامية

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  قادمون ياأقصى في السبت فبراير 28, 2015 6:16 am

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcTPCQqpMzBL2TY4faZS6swCSCVTkPJvRKGjyD41GwNAcC0byNXs

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcRO3DO0-SkmXzTR0mp72lmBjfxBGOfr3J13dmCH1NvP1PoSlq-QQQ

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcR1WWnTaL_QtYtigPvdDk7AG8G6n59kzySzH0Lz4sS-DkHeUJ9t

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcQY5ZDSQiVeOYfhAzmM3US6i-cyDYovBljvet0SFiup-VMRW_uQeg

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcQd8wm_N7C9-1o7o6hXvuPWaDWRMglpr8DT1DPJ7l1ILgHdSP4C

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcRDIVVndmnH30ck7pl87VkFIPOjKY7e2V2RrnS-Ebxzo6XJpC5V

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcSeWYNyI5dAFtw33YMMMs6Ut6ssfW1cs7cpVE0OimYuw3hkaGqR

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcS5tylBuErYjJ3tSKpkAW4E7rS9o-_vz3VdpREBVPzRKEjYolVL

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي M3izud22

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcRDLc67gkJp3Cv6PittpPRaV5YM1Z1-12rl_41T4NSPhQyRbbLn

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcQD9HPxGCJc1F3Sp3k23FG25gYNdEBi-RjmICb71LnAxthAVtOB

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي >q=tbn:ANd9GcTzWDZxHWSKJ_59xlwD48rjCoG_nvXvKVbmmezpuD7dYxRrn2oNGw

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcSMg_HUL2QMms9ipJIFxL-YJPF-Ty27yUrQJUPzTAjWvPSs5MNlmw

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcSGEiF6GcjPwlTjdjLSeXCY_j9CrHP61BqhlwNwy6EzYA5Xg_IF














هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Images?q=tbn:ANd9GcSr0oDvvP5wVDPiy_PtE0FP6n502IECG9CFLdpJJPUvKJe53VCv


قادمون ياأقصى
قادمون ياأقصى
نعوذ بالله من الفتن

عدد المساهمات : 4006
تاريخ التسجيل : 03/03/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  فرغلي في السبت فبراير 28, 2015 1:38 pm

من هو حسين المعاضيدي فالشاهد يحتاج إلى تزكية
فرغلي
فرغلي
وقل رب اغفر وارحم وانت خير الراحمين

عدد المساهمات : 1302
تاريخ التسجيل : 01/02/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في السبت فبراير 28, 2015 3:16 pm

حسين المعاضيدي معروف بكونه ناصر للمجاهدين، متحري للحقيقة، وليس تابعاً لجهة ما، وباحثاً عنها بالتنقيب من أرضها
وبعد بدئه بنشر شهادته عن دولة الخلافة، كان حسابه على توتر من جملة آلاف الحسابات التي حذفتها إدارة تويتر

ومن يريد التعرف عليه فاليدخل على حساباته:
فيس بوك

تويتر:
https://twitter.com/h_almaadidi

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  ابو فارس في السبت فبراير 28, 2015 4:06 pm

الاخ فرغلي

زكته لك عاشقة السماء

انتهى :)

-------------------

يابنت الحلال الله يهديك

هذا مثله مثل مراسل الجزيرة او العربيه او cnn او مثل صحفي في اي صحيفه ورقية كل مراسل او صحفي له اهداف وتوجهات منهم من يدعم المجاهدين ومنهم من يشوه صورتهم

_________________
<br>

ابو فارس
موقوووووووف

عدد المساهمات : 532
تاريخ التسجيل : 19/09/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في السبت فبراير 28, 2015 4:49 pm

ارجو أن تكف عن التشغيب...
متحري الحقيقة لا بد أنه يعرف عنوان البحث والتحري عنها، ولا يحتاج لأن نزكي له حيّ، فنحن هنا نطلب من القارئ أن يكون الباحث لا المتلقي.
وليس لمثلك وهو لا يتحرى أدنى معايير الإنصاف أن يتحدث عن التزكية وخلافه..... ليس لدينا وقت لمجارات مهاتراتكم، تهمنا دماء المسلمين التي تسيل أنهاراً، وعجباً ليس لأمثالكم وقتاً سوى للطعن في من يقتص لها، ويذود عنها، رادعاً مجرمي الأمة وأعدائها.
أشغلكم الله بأنفسكم

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  فرغلي في الأحد مارس 01, 2015 1:12 am

إنه نقاش للفائدة أخت عاشقة السماء
فيما يخص التزكية أعتقد أن أبو فارس يقولها مازحا وقال بعد ذلك الله يهديك
كلنا باحثون عن الحقيقة إن شاءالله ولكن هناك قواعد للبحث عن الحقيقة، والتزكية للشاهد هي مسألة شرعية لازمة، فدائماً نرى مقالات لمجاهيل يتم طرحها ويرغب ناشرها بأن نكون متلقين فقط وهذا ما يناقض طرحك وهو البحث وليس التلقي أختي الكريمة . خففي من التشنج لفكرتك فهي كما الآخرين قابلة للخطأ والصواب والحوار هو الفيصل بدون دعاء على الآخر وإنما الدعاء للجميع بالهداية للحق .
فرغلي
فرغلي
وقل رب اغفر وارحم وانت خير الراحمين

عدد المساهمات : 1302
تاريخ التسجيل : 01/02/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأحد مارس 01, 2015 2:20 am

أخينا الفرغلي،
هناك فرق بين ما تسميه التشنج -وهو برأيي الغضب للحق- وبين التدليس وتشويه الحقائق، ورمي الناس بالباطل والبناء على شبهات.ومنتهجو هذا الأسلوب، بلا ريب موجودين بيننا وأسلوبهم كما يقال مفضوح وأهدافهم مشبوهة.
يمكننا أن نحاور ناشد الحق إلى مالانهاية، ولكن من يأتي هنا للافتراء ونقل الكذب والتدليس، ويغلق أذنيه وعينيه عن سماع ورؤية الحقيقة، ولا يحمل عقدة ذنب إن بين له عكس ما جاء به، ويرد على التوضيح بتدليس آخر، فليس له حوار معنا، ولا نرد عليه باسمه، في إشارة إلى أن ردنا يكون للقارئ، ولتوضيح حقيقة وقفنا عليها، وعليها شواهد، وليس من باب الانتصار للرأي دون دليل وبرهان، ومواضيعنا شاهدة، وليس مطلوب منك أو من غيرك أن تأخذ بها كمسلمات بل نافذة اذهب وابحث وتأكد من المعطيات التي أظهرتها.

أما عن الصحفي حسين المعاضيدي، فهو مشهور ومعروف لمتابعي أخبار المجاهدين، والرجل معروف بالمصداقية والمهنية -ولا نزكيه لأننا لا يمكن أن نزكي حي لا تؤمن عليه الفتنة-، وإن كان في حذف حسابه على تويتر بعيد نشر هذا المقال، فيه إشارة لمحاولات طمس حقيقة يظهرها المقال، وأن هناك من لا يروق له رواجها.
ومن لديه استيضاح وتهمه الحقيقة يمكنه محاورة الصحفي والتعرف عليه.

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  فرغلي في الأحد مارس 01, 2015 2:42 am

ليس الآن اخت عاشقة السماء النقاش عن داعش ربما لاحقا لكن ثقي أن هناك من العلماء المعروفين ومعروف علمهم وعدم تابعيتهم لأحد ولا يخافون في الله لومة لائم بينوا الحكم الشرعي حيال داعش لست بصدد مناقشتها لأسباب شرعية وهم ليسوا مجاهيل لا يعلم من هم وما علمهم وصدقهم، ولكن مع ذلك لا زلنا نبحث عن الحقيقة لتطمئن قلوبنا فقط. لست مع الأخ أبو فارس في طرح عيوب ذلك التنظيم لأن السكوت أرى أن فيه مصلحة أفضّل السكوت في المرحلة الحالية عن مناقشة الأخطاء فنحن في مرحلة توجب علينا الاصطفاف ولكن ليس لدى الإنسان قدرة على منع الآخرين من طرح ما يرونه ورأيي لا ألزم به الآخرين ربما أكون مصيبا وربما العكس والآخرين كذلك ولكن لن أدعو على اخواني فالواجب الدعاء لنا ولهم بالهداية وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه . احترامي سيدتي
فرغلي
فرغلي
وقل رب اغفر وارحم وانت خير الراحمين

عدد المساهمات : 1302
تاريخ التسجيل : 01/02/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  ابو بكر العطار في الأحد مارس 01, 2015 2:45 am

عاشقة السماء كتب:ارجو أن تكف عن التشغيب...
متحري الحقيقة لا بد أنه يعرف عنوان البحث والتحري عنها، ولا يحتاج لأن نزكي له حيّ، فنحن هنا نطلب من القارئ أن يكون الباحث لا المتلقي.
وليس لمثلك وهو لا يتحرى أدنى معايير الإنصاف أن يتحدث عن التزكية وخلافه..... ليس لدينا وقت لمجارات مهاتراتكم، تهمنا دماء المسلمين التي تسيل أنهاراً، وعجباً ليس لأمثالكم وقتاً سوى للطعن في من يقتص لها، ويذود عنها، رادعاً مجرمي الأمة وأعدائها.
أشغلكم الله بأنفسكم

اللهم آمين

_________________
نور كل شيء ... الله أحد ...
ابو بكر العطار
ابو بكر العطار
ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين

عدد المساهمات : 1594
تاريخ التسجيل : 27/06/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  المستنصر بالله في الأحد مارس 01, 2015 10:38 am

تحيه لكل صحفي عربي شريف يبحث عن الحقيقه دون قيود الحكومات العميله وفق الله الكاتب الصحفي حسين المعاضيدي

المستنصر بالله
وما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا

عدد المساهمات : 543
تاريخ التسجيل : 14/09/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأربعاء مارس 04, 2015 5:27 am

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي
الحلقة الثانية


هممنا بالإنطلاق نحو مدينة الأنبياء، الموصل الحدباء، بعد الإنتهاء من المرور في أول بوابة لدولة الخلافة الإسلامية، حيث تنفس الجميع الصّعداء، فمن كان الشك يساور خلده انفرجت أساريره، ومن كان بعض الخوف لايزال في فؤاده زال رانه، لكن ووسط تلك المشاعر، التي فوجئ بها ركاب سيارتنا الـ(كيا) من طريقة تعامل رجال الدولة الإسلامية مع الداخلين إلى مضارب خلافتهم، عاد السائق ليتوقف ثانية أمام شخص ذو لحية خفيفة سوداء، شابها بعض البياض، لا يرتدي لباس الدولة الإسلامية المسمى بـ (البزة القندهارية)، وكذلك لم يكن يحمل سلاحاً، بل كل ما كان معه ورقة وقلماً فقط، ظن ركاب السيارة، وأنا أولهم، أنه يتبع لنقطة التفتيش الخاصة بالدولة الإسلامية، بحكم قربه من نقطة التفتيش، لولا هيأته التي لا توحي بإنه منهم، قبل أن يتبين لاحقاً لنا إنه موظف في الدولة الإسلامية يتبع لمؤسسة جباية الضرائب الخاصة بمواقف وكراجات النقل الخاص..!سألنا قبل أن يتحدث إلى السائق:كم الإجرة، خرس الجميع، بينهم أنا، فقد اعتدنا أن نصمت في مثل هذه المواقف قبل زمن تحرير أراضينا من الشيعة والأكراد، حرصاً على السائق من العواقب، في حال طلب أجرة فوق التسعيرة المعتادة، تحت البند العاطفي (صاحب عيال)، وكإننا، ومن جهلنا، نظن أن من له عيالاً من حقه أن يستغل الآخرين، حتى ممن لديهم عيال، فاتحين بذلك لسائقي السيارات الأبواب على مصراعيها لإستغلالنا ببشاعة..!أجاب السائق بنفسه على تساؤلات المسؤول عن كراج النقل:تقاضيت منهم خمس وعشرون الف دينار..فرد عليه موظف النقل في الدولة الإسلامية:أخي، السؤال موجه إلى الإخوة الركاب، حفظك الله، وأريد ان أسمع التأكيد منهم، لا منك!أجابه الجميع، وبصوت واحد، شاركنا به بذلك حتى النساء:خمس وعشرون!إجتمعنا بذلك على أمر الكلام دفعة واحدة، مثلما إجتمعنا على الصمت جميعنا بلا استثناء، وهي من الحالات النادرة التي يجتمع فيها أبناء السُنّة والجماعة على أمر واحد، في ظل تشرذمنا المقيت، وتفرقنا الذي يدمي القلوب!كان السائق يحمل بيده خمسة آلاف دينار ليعطيها لموظف النقل الخاص، لكن الأخير أكد له أن قيمة الجباية هي عشرة آلاف دينار لخط الموصل، فراح السائق يحلف له بأغلظ الأيمان أنه اشترى السيارة حديثاً، وأن عليه تسديد فواتيرها شهرياً، وأن العشرة آلاف دينار هي مبلغ كبير وو..رد عليه الموظف لدى الدولة الإسلامية أن التسعيرة موحدة وعامة، وبحسب الخطوط، وأنه لا يستطيع تخفيض السعر لأن تلك أموال المسلمين..!إزداد السائق في تشكيه، فيما أصرّ الموظف على موقفه بإنها أموال مسلمين ويجب جبايتها، كاملة غير منقوصة، وإلا فإنه سيدفع نقصها من جيبه..!أمام هذا الجدال أيقن الكل، أولهم أنا، أن موظف الدولة الإسلامية هو من سيمشي كلامه في نهاية المطاف، قبل أن نُصبح جميعنا في موقف لا نُحسد عليه، حينما تنازل الموظف عن موقفه، ولكن ليس بالتنازل عن أموال المسلمين، بل بالتأكيد له، مستخرجاً محفظته من جيبه، إنه سيدفع من جيبه بقية المبلغ، فأخرج الخمسة آلاف من محفظته ووضعها مع مبلغ الخمسة آلاف التي تقاضاها من السائق كجباية لضريبة النقل وقال له:الله معك أخي.. ثم ابتعد عن الباب، إشارة منه للسائق بالإنطلاق!وهنا توقف السائق عن الكلام لبرهة، وسط صمتنا جميعنا، وكلنا كان يراقب موقف السائق نفسه، وردة فعله، فما كان من السائق إلا أن قال له:والله لن أرضاها لك، وهذه الخمسة آلاف الأخرى، وادعو لنا بسلامة الوصول..!فتناول المبلغ موظف الدولة الإسلامية بعدما تبادلا إبتسامة الرضا على موقف كل منهما إتجاه الآخر!ومع قول موظف الجباية التابع للدولة الإسلامية ودعائه لنا (انطلقوا برعاية الله وحفظه) انطلق بنا السائق في طريق لا أكاد اُبصر نهاية له من شدة إستقامته..كانت خيوط الشمس حينذاك تغزل سمفونية المغيب الذي طالما افتقدته منذ سنين في بلاد لا تأتي فيها الشمس إلا في بعض أيام الصيف، حينما تغزوها كزائر خفيف الظل سرعان ما يغادر قبل أن يسعدنا صحبة بالجلوس..!يا لمنظر الغروب الرائع الجميل الذي أشهده لأول مرة من أرض الخلافة الإسلامية.. لا أعرف أيهما أضاف للثاني سر ذلك الجمال، الخلافة وأرضها، أم الغروب ومنظره، ذلك التمازج المكاني الزماني جعلني استحضر تلك الأيام التي كنت أحرص فيها في صباي على زيارة ذلك المرتفع المطل على نهر الفرات، في مدينتي الفائقة الروعة والجمال (بروانة) لأشهد، وبشكل يومي، منظر مغيب الشمس من الجهة الأخرى، حيث يضيف نهر الفرات الذي يفصل بيننا لذلك المشهد السرمدي حلاوة وعذوبة وجمال أخاذ، لكن تلك الحلاوة والعذوبة والجمال وجدتها تذوب في ذلك المنظر الذي كانت ترقبه عيناي لعدة كيلومترات، وأنا أسير في أول طريق اسلكه بأرض الخلافة، فقضى ذلك المشهد على ما تبقى من ذكريات الصبا، بعدما خطفها وأنساني إياها بلا رحمة!كانت فرحتي عارمة، ومن شدتها وددت لو إنني أنشد ما كنا نردده في زمن الطفولة في زفات الأعراس وفي السفرات المدرسية (يا سائقنة دوس دوس الله ينطيك العروس) في خطابٍ طفولي حينها لسائق السيارة بالإسراع أكثر لمسابقة بقية السيارات كي تكون سيارتنا في المقدمة لننال شرف التباهي بإننا نستقل السيارة الأفضل، ونمتلك السائق الأمهر، داعين له الله أن يرزقه العروس، حتى لو كان متزوجاً، إهزوجة سرعان ما تأتي اُكلها سريعاً، وسط حماسة وفرحة وإبتسامة السائق التي كنا نلحظها من مرآته الأمامية العاكسة، وهو يجتاز السيارات المتنافسة على السير خلف سيارة العريسين كسير الأفعى في الفلا..!كان الشوق يحدوني للوصول إلى أرض الخلافة، فالوصول إلى الموصل كان بمثابة أمنية يخاطب صاحبها رب العزّة بالقول:اللهم حقق لي أمنيتي، وبعدها أقبضني بسلام، وتلك كانت أمنيتي، الوصول إلى أرض الخلافة و(موصلها)، وبعدها ليقبض الله روحي بسلام!سارت بنا السيارة، وأول ما وقعت عليه عيناي في طريقنا مناظر لبقايا آليات متفحمة للجيش الشيعي وللبيشمركة الكردية، متناثرة على جانبي الطرق، تروي قصص وبطولات خاضها رجال الخلافة وهم يفتكون بجيشٍ ومليشياتٍ، هي الأكثر دموية على وجه هذه الأرض، بعد الجيش الأميركي الذي فتك بأراضينا الإسلامية، وبلدان أخرى خارج منظومتنا الإسلامية، جيش شيعي ومليشيات كردية هي الأكثر إستهلاكاً للسلاح في العالم اليوم، سلاح لا يصوب إلا بإتجاه أبناء الإسلام من أهل السُنّة والجماعة، وصوب السماء حينما يلعب المنتخب العراقي، أو تلعب فرق الدوري الكردية مبارياتهم الكروية، أو حين سماعهم نبأ نجاح صفقات تبادل الأسرى مع الدولة الإسلامية، أو حين مواسم ختان الأطفال، أو في زفات الأعراس الشيعية والكردية، بعدما تناسى أهل السُنّة والجماعة في بلاد الرافدين مواسم أفراحهم بعدما غرقوا في بحور من الدم على أيدي قاتليهم من جنوب العراق المجذوب، وشماله المجنون، تماماً مثلما يحدث لأهلنا في الشام على أيدي نصيرية النظام العلوي، وما يتعرض له أهلنا في (اليمن الحزين) على أيدي حوثة العصر!نصف ساعة من السير ليس إلا حتى حل الظلام، واضعاً الليل أستاره على تلك المساحات الشاسعة المفتوحة، لكن نقاط الضياء منتشرة في كل صوب وإتجاه..!!كيف يقال إذن، أن الكهرباء تم إعدامها في أراضي الدولة الإسلامية، وأن الظلام هو صديق ابنائها اليوم، بعدما استحوذت الحكومة الشيعية والكردية على كل ناتج الكهرباء المحلي والمستورد، كان هذا التساؤل هو إستفهامي الأول من السائق الذي كان يحاول التخلص من عثرات الشارع وتكسراته عبر قيادة السيارة على طريقة الـ(جاكي)، والذي أجابني بأن البدائل موجودة، وأن المولدات الكهربائية قد تأقلم عليها الناس في ظل إنقطاع تام للتيار الكهربائي منذ أشهر خلت، كعقاب من الحكومة الشيعية والكردية على تحرير أراضي المسلمين من قبضتهم وخروجها من تحت سيطرتهم وسطوتهم..!كانت السيارات تسير، وكإن هناك حياة في ليل الدولة الإسلامية، التي لا يعرف ليلها طعم الهدوء كما هو متعارف عليه، بل وكما هو مستقر في ذهني، أنا الأقرب إلى متابعة دقائق أمور الدولة الإسلامية وكبيرها، بحكم عملي الصحفي والإعلامي، فكيف يستقيم الهدوء مع صخب المعارك وأزيز الرصاص، وكيف يحل الظلام وسط نيران القصف ووهج القنابل وعصف المكان!!لكن الهدوء فرض نفسه على جنبات الطرقات وحيث مدّ البصر، ولا يقطع اُنسته، أو يكسر هيبته، إلا صوت (هورن) السيارات ومنباهاتها حينما تمر بجانبنا، والتي يطلقها سائقيها، كتعبير عن إداء تحية السلام، وللرد عليها بذات طريقة الإداء من قبل بقية السائقين!الأنوار تتراقص في الليل، متقاربة تارة، ومتباعدة تارة أخرى، حتى وصلنا إلى أولى المدن التي مررنا بها في طريقنا إلى الموصل الحدباء.. إنها الحويجة.. وما أدراك ما الحويجة.. الحويجة التي إن ذُكرت، ذُكرت الملاحم والبطولات والأمجاد.. إن ذُكرت الحويجة استحضرَ العدّو الأميركي مرارته فيها، الحويجة التي كانت طرقاتها تسقي الغازي موتاً في إثر موت، وهلاكاً يعقبه هلاك..!إذن نحن الآن في حضرة الحويجة، التي سطّرت اسمها ونقشته بقوة في ذاكرة التاريخ والأيام، كيف لا، وهي التي أورثتنا قصص بطولات، وأرث رجال، تروي تفاصيل حكاياتها الجدات للأحفاد..!كان ليل الحويجة صاخباً، لا تزال الحركة تشهد معظم انحائه، إن لم يكن كل جزء فيه، فالسوق يغص بالمتبضّعين، والمحال التجارية ما تزال فاتحة ذراعيها، والأرصفة هي الأخرى تغص بالبضائع، والناس يقفون على جوانب الطريق ملوحين للسيارات بحثاً عمن يُقلهم إلى بيوتاتهم، بعد إنتهاء يوم عمل طويل، أو إنتهاء فترة تبضعهم..!الكباب الذي تنبعث رائحته من المطاعم، كعطر فوّاح، ترك أثره على معدتي، التي راحت عصافيرها تزقزق، كما يقول أهلنا في مصر.. يا الله، كم اشتقت إلى كباب أهلي، وددت لو أن السائق توقف أمام إحدى هذه المطاعم لأتناول اربعة، بل اربعون، بل اربعمائة (شيش) كباب، ولا أظنني اشبع، فكيف تعوض مثل هذه الكمية البسيطة سنين غربة اُجبرت عليها، غربة انهكتني وكسرت ظهري، غربة حرمتني أجمل أيام عمري على أرضي وبين أهلي..!لعنت حينها أميركا، ولعنت الشيعة، ومعهم صهاينة الكرد، ولعنت كل دول الإستعمار والإستكبار العالمي، لعنت إيران عدوتنا منذ الأزل، والتي تمنى سيدنا عمر ابن الخطاب، رضوان الله تعالى عنه، رغم أنف من يَسبّه ويشتّمه ويلعنه، تمنى لو أن بيننا وبين هذه المجوسية جبلاً من نار، ولم ولن انسى لعن خونة أهل السُنّة والجماعة ،من الصحوات الخسيسة المحسوبة عليهم، ومن عارات السياسة ممن يدّعون تمثيلنا، وكيف لي أن أنسى كذلك لعنات تتلوها لعنات، هي نصيب حكام الدياثة، الذين سلّمونا لقمة سائغة للشيعة والكرد والنصيرية والحوثة، ومن قبلهم لأميركا، لعنها الله، وكسر صنمها!كانت المحال التجارية تزينها أنواع المنتجات الغذائية والخضروات وأنواع من الفاكهة المعلقة التي تمنيت لو أني تناولت شيئاً منها، خصوصاً إنني كنت صائماً، كون يومي كان خميساً، ولم أجد ما اُفطر عليه، نتيجة تسابق الأحداث التي شدتني في أراضي الدولة الإسلامية، فأنستني حتى جوع الصيام وعطشه، بل كنت أرفض حتى الطلب من السائق التوقف لشراء الطعام من الطريق كي لا اتأخر عن الوصول إلى سيدة المدن، ولؤلؤة تاج وقار بلاد الرافدين، أم الربيعين، الموصل الأبية..!كان المرور في أول مدن الدولة الإسلامية المحررة هو بمثابة إعلان حرب على كل تلك الأكاذيب التي كان الإعلام الفاجر يحاول التكتم عليها، ويزيّف حقيقتها، ويسوّقها حول طبيعة الأوضاع في مدن أرض الخلافة، وهو بذات الوقت كان عتب شديد اللهجة على إعلام دولة الخلافة الإسلامية الذي إنشغل بالمعارك والوقائع الحربية، عابراً من فوق أهمية كشف حقيقة الأوضاع المعيشية والأمنية التي يعيشها أبناء الإسلام في المناطق المحررة من سيطرة الشيعة والكرد والصحوات، إلا ما ندر من التقارير، كي تعرف الشعوب الأخرى، بل وكي يعرف أهالي بقية المدن التي تنتظر نصيبها من التحرير، أي خير عميم، وأمن كبير، وعيش رغيد ينتظرهم بعد التحرير، وضع يحاول العدو استغلال عدم تسليط الضوء عليه بكثافة من قبل دولة الخلافة الإسلامية ليسوق الأكاذيب، ويروج الدّعايات المغرضة الكاذبة، لتشويه واقع الحال الذي تعيشه مدن الدولة الإسلامية المحررة، وضع يستغله أعداء الإسلام ليوهموا الرأي العام أولاً، ولخداع أبناء الإسلام الذين لا يزالون يقبعون تحت سيطرة وحكم الطغاة في العراق وفي بقية الأمصار ثانياً، في أن الوضع الإنساني صعب للغاية، وأن الناس تعيش في ضائقة كبرى، وأن الجميع فرّ من تلك المدن التي هي تحت حكم الخلافة إلى حيث المناطق التي تخضع لسيطرتهم، هرباً من الجوع، والقحط، وانعدام الأمن، وهو ما جانبته تماماً الوقائع، ونفته الحقائق التي لمستها في مروري بأول المدن المحررة التي كانت في طريقي، وهي مدينة الحويجة، التي كشفت لي عن أمور زادت من مسؤوليتي في كشفها للعالم، حتى لا يظن بعض المخدوعين أن كلام الإعلام حقيقة، فما وجدته في هذه المدينة جعلني أتمنى العيش في جنة الحويجة التي يصورها الإعلام المحلي والعربي والعالمي على إنها الجحيم، فيا لجمال ذلك الجحيم الحويجي، إن كان جحيماً كما يدّعي الشيعة والكرد والأعراب، وأسيادهم!خرجنا من الحويجة، إذ تأخرنا فيها قليلاً من شدة الزحام، بعدما امتلئت طرقاتها بأنواع السيارات التي اجهل موديلات وأنواع بعضها، بعدما تركتُ يوماً سيارة (الأوبل) ومشتقاتها هي سيدة الشارع، إذ تربعت على عرشه لسنين طوال، حتى نالت تسمية (همر المجاهدين) في معارك وصولات وجولات اُسود الجهاد في مدن أرض الفراتين، وبالكاد تمكّنا من سلك الطريق العام الذي من المفترض أن ياخذنا إلى مدينة (الگيارة)، ومنها هناك إلى حيث أرض المُنى!عند آخر تقاطع يخرج من مدينة الحويجة، وحيث يلتقي هناك ثلاثة شوارع، استوقفتنا نقطة تفتيش كان افرادها يرتدون الزي الإسلامي، أو ما يسمى بـ(القندهاري)، اللباس الرسمي لجند الدولة الإسلامية، وكانوا يستوقفون السيارات التي تخرج من مدينة الحويجة فقط، ولم ألحظ وجود أحد منهم على طريق الدخول إلى المدينة، ربما لإن تركيزاً أكثر يجري على هوية المتوجهين إلى بقية مدن الخلافة مروراً بالحويجة، أكثر من الخارجين من أراضي الدولة الإسلامية بإتجاه الحويجة، على إعتبار أن الحويجة هي مدينة حدودية بالنسبة لدولة الخلافة الإسلامية وولاياتها، والداخل إليها ليس كالمغادر منها!إقترب من الباب أحد الرجال، كان متوسط الطول، يضع عوينات طبية، ملتحٍ، لم أرَ على وجهه إبتسامة كذاك الذي رأيته في أول بوابات دولة الخلافة، بخلاف الهدوء الغريب الذي كان عليه..!سألني قبل غيري، بحكم جلوسي على مقربة من الباب الجانبي الذي يُفتح بطريقة الـ(سلايد):إلى أن الوجهة، بإذن الله؟!إلى الموصل، إن شاء الله.. تلك كانت إجابتي!فرد عليّ:حياكم الله!ثم نظر إلى الشابين الجالسين بجانبي فطلب منهما إبراز هويتيهما، فأخرجا له هوية الأحوال المدنية، أو ما تسمى في العراق بـ(الجنسية)، فتفحصهن، قبل أن يعيد تسليمهن إليهما..!ظننت حينها إنه استثناني من المطالبة بهويتي، لكنه وجه إليّ كلامه بعد ذاك، مخاطباً إياي بالقول:وأنت يا حاج!؟حينها سلمت له جواز سفري، والذي كنت قد اخرجته من جيبي ووضعته في يدي حتى قبل أن يفتح رجل الدولة الإسلامية باب السيارة حينما استوقفنا، ولا أعرف صراحةً ما سبب إستعجالي إخراج هويتي وجواز سفري بهذه السرعة، وقبل أن يسألني حتى، ربما من ترسبات الماضي البغيض الذي يوجب علينا الركوع والسجود للشيعي والكردي، وربهما الأميركي، في نقاط تفتيشهم الوحشية، التي اعتدنا شرب الذل والهوان فيها، نحن أبناء السُنّة والجماعة، قبل أن تتحرر أراضينا اليوم..!سألني بعدما أمسك جواز سفري وفتحه بين يديه:هل أنت عراقي؟اجبته بـ نعم!ثم أضاف بعدما رفع النظارة عن عينيه قليلاً ليتمعن في الجواز أكثر، مستعيناً هذه المرة بمصباح يدوي كان يحمله بيده، وليس على ضوء السيارة الداخلي، كما فعل قبل ذاك حينما أراد التأكد من هويات من سبقوني.. ثم كرر سؤالي:أين وجهتك؟!ولأن وجهتي لم تكن محددة بمدينة بعينها، أو بولاية دون غيرها، كانت إجابتي على تساؤله بقولي: وجهتي أرض الخلافة!ففهم من إجابتي إنني إنما جئت إليها مهاجراً، أو هكذا ظننت، خصوصاً بعدما رد عليّ بالقول:قد وصلت!ثم اعقب ذلك بسؤال، في وقت كان لا يزال يستمر في تفحص جواز سفري:ماذا تعمل؟!أجبته على الفور، ودون تردد:صحفي وإعلامي!وهنا رفع عينيه بإتجاهي.. ثم تراجع بضع خطوات إلى الوراء، وجواز سفري في يده، ليمسك جهاز الراديو بيده ويبدأ يتحدث مع شخص آخر قائلاً له:صلني بالشيخ.. بعدها بلحظات تحدث مع شخص آخر بشأني قائلاً له:هناك صحفي جاء من الخارج ينوي التوجه إلى الموصل.. مع إنني ذكرت له أن وجهتي أرض الخلافة، لكنه اعتمد على وجهة جميع ركاب السيارة إلى الموصل على ما أظن، ليحدد هو بدوره وجهتي نحوها، ولم يخطئ.. ثم أضاف:كيف نتصرف، وما هو الموقف من الصحفيين؟!جاءت الإجابة من ذلك الشخص الذي ناداه بـ(الشيخ) بوجوب إنتظار مجيئه شخصياً إلى نقطة التفتيش، وهو ما دعا رجل الخلافة الذي استوقفنا أن يطلب من سائق السيارة بالتوقف إلى جانب الطريق، ريثما يصل المسؤول الأمني عن نقطة التفتيش!ركن السائق السيارة على بُعد أمتار عدة من جانب الطريق، وأوقف السيارة، ثم أطفئ محركها!كان صوت رجل الدولة الإسلامية وحديث (الشيخ) على مسمع مني، ومن جميع ركاب السيارة، فأخذ بعض الركاب يتهامسون، في حين علا صوت تلك السيدة، التي كانت تجلس خلفي، قائلة لي بصوت مرتجف:ولدي، لماذا اخبرتهم بإنك صحفي، سيأخذونك الآن!! قالتها بلهجة بغدادية صرف ( يمة ليش كتلهم أتة صحفي، هسة ياخذونك)!كانت تلك السيدة ترتعد من شدة الخوف، وكانت تردد (يمة يحرسك الرحمن) و( سور سليمان) وغيرها من الأدعية التي تتردد على لسان كبيرات السن، بغض النظر عن شرعيتها من عدمه، ثم أخذت تهمهم بقراءة آيات من القرآن الكريم من شدة خوفها عليّ، خصوصاً أن الأم العراقية ليست كسائر الأمهات، فأغلب أمهات بلاد الرافدين عُرفن بفرط عاطفتهن حتى على أبناء غيرهن.. وهنا ما كان مني إلا أن اُطمّئنها، وأنا اترجل من مكاني إلى خارج السيارة، بأن لا شيء يدعو للخوف، وبأنهم سيتأكدون من الاسم، ثم نواصل طريقنا، بمشيئة الله.. لكن السيدة أبقت على لومها لي، وبذات الوقت على ادعيتها التي لم تنقطع، فيما واصلت المسير بدوري نحو رجل الدولة الإسلامية الذي قطع الطريق بإتجاه غرفة صغيرة تسمى عند أهل العراق بالـ (كابينة) وضعت عند نهاية الجزرة الوسطية عند حافة التقاطع، فيما بقي رجل آخر يستوقف السيارات الخارجة من المدينة، والتي لا يعرف هوية أو وجوه أصحابها، في وقت كان يكتفي برد السلام على بعض أصحاب السيارات، ممن كان يعرفهم، إذ يرد عليهم منادياً إياهم باسمائهم، ما ترك إنطباعاً لديّ أنه من أبناء المدينة نفسها..!كان يجلس عند باب تلك الغرفة، (الكابينة) الصغيرة، التابعة لنقطة التفتيش ثلاثة رجال، ركنوا أسلحتهم بجانبهم وهم يتناولون طعام العشاء في ظلمة لا تخفف من شدة وطئتها الحالكة إلا أنوار السيارات القادمة من كلا الإتجاهات الثلاث، ما منعني من معرفة ماكانوا يتناولونه، لكني ميّزت الوعاء الذي كان يحوي الطعام، إذ كان (منسف) صغير، ما جعلني اُرجح الرز كطعام لهم، خصوصاً إننا في العراق من عادتنا تناول الطعام في مناسف عندما نكون في مجاميع، صغيرة كانت أو كبيرة!قال لي أحدهم:تفضل معنا!شكرته، ثم توقفت بجانب الرجل الذي كان يمسك بجواز سفري، حيث كان يقف على مقربة من بقية زملائه، والذي خاطبته بالقول:أنا الإعلامي والكاتب الصحفي (حسين المعاضيدي) يا حاج، فهل من مشكلة في الأمر!؟فرد عليّ بغياب إبتسامته وبهدوئه الذي لم يفارقه:سيأتي الشيخ الآن أخي، وهو من سيتحدث إليك..!اكتفيت بكلامه هذا، ولم أواصل الحديث معه، لأني شعرت أن الأمر لم يعد بيده، بل بيد من سيأتي لمقابلتي، فهو من سيبُتُ في أمر الصحفيين من أمثالي..!حينذاك داهمني شعور أن هذه الليلة ستطول على غير العادة معي، وأخذت أفكر في كيفية مواصلة مسيري نحو الموصل، في حال تأخر وصول ذلك (الشيخ) واضطر سائق السيارة لمواصلة رحلته نحو الموصل مع ركابه دوني، فمن غير المنطقي أو المقبول مني أن اجعلهم يتأخرون لساعات في حال تأخر وصول الشيخ فترة طويلة..!كنت أهم بالتوجه إلى سائق السيارة لأطلب منه إنزال حقيبتي وإكمال رحلتهم، وهو ما أخبرت به رجل الدولة الإسلامية الذي كان لا يزال ممسكاً بجواز سفري بيده، لكنه طلب مني التأني لأن الشيخ لن يطول وصوله، وقبل أن يختمَ عبارته توقفت سيارة بيكب، أو ما تسمى عند أهل العراق بـ(دبل قمارة)، في الجانب الآخر من الشارع، على مقربة من سيارة الأجرة الـ(كيا) التي كنا نستقلها، وكان يقود تلك السيارة رجل ملتحٍ، يقترب من العقد الرابع من العمر، نحيف الوجه قليلاً.. توجه إليه رجل نقطة التفتيش وسلّمه جواز سفري، ثم نادى عليّ (الشيخ)، وهو يجلس في السيارة:تعال إلى هنا من فضلك يا حاج!سرت إليه بخطوات سريعة، بعدما شعرت بإرتياح من طريقة مناداته لي، شعور قتل ذلك الخوف من التأخر عن رفاق رحلتي إلى الموصل.. سلّمت عليه، ومدّ لي يده للسلام، فزادني إطمئناناً..!سألني أولاً، وهو يقرأ في جواز سفري:في أي قناة تعمل!؟أجبته، إجابة الواثق من نفسه، فمثل هذه المواقف تعلمت منها، بحكم عملي وطبيعته، أن من يخاف فيها يهلك:أنا كاتب المجاهدين ومناصرهم حسين المعاضيدي!استقر نظره على وجهي بعدما كان يتنقل ببصره، أول الأمر، ما بين جواز سفري ووجهي، ثم قال:والله والنعم!ثم واصلت:تستطيع التأكد من شخصي عن طريق الإنترنت، فستجد فيه مقالاتي وكتاباتي مقرونة بصوري، فضلاً عن لقاءاتي المتلفزة!فأجابني:ما من داعٍ!قالها بحماسة، رافقتها هزّة خفيفة برأسه، دون أن يخبرني إن كان قد عرفني أم لا.. ثم أردفها بالقول:وإن شاء الله وين ناوي تروح.. ذكرها باللهجة العراقية، كتعبير عن الأستفسار عن وجهتي..!؟قلت له:الموصل، بإذن الله!فقال: محروس بالله، توكل على الله..!ثم خاطب مسؤول نقطة التفتيش الذي كان يقف بجانبي ويستمع لحديثنا:دّعه يمر يا حاج، قبل أن يختم معي بالقول، وهو يسلّمني جواز سفري:إن شئت البقاء معنا فمرحباً بك بين أهلك.. فتبسم قلبي قبل وجهي فأجبته، وباللهجة العراقية:والله وعشرة نعم منك ومن وجهك الطيب.. لكني عزمت التوجه إلى الموصل.. فرد عليّ مُنهياً اللقاء بالقول:إرشد (أبو علي) توصل بالسلامة.. و(أبو علي) هي الكُنية لمن يحمل اسم (حسين) في العراق، فكل (حسين) هو (أبو علي)، والعكس صحيح!عدت إلى السيارة بعد أن صافحته، يتبعني رجل الدولة الإسلامية، ذو العوينات الطبية نفسه، وما أن وصلت إلى السيارة حتى أخذ الجميع يهنئني على السلامة، وعلى رأسهم السيدة التي كانت خلفي، والتي وجدتها لا تزال مستمرة في الدعاء.. فخاطبتهم بالقول:كان الأمر بسيطاً، تأكدوا من الاسم ليس إلا، فيما بقيت السيدة تلومني على إبلاغهم بحقيقة مهنتي..!توقف جندي الدولة الإسلامية عند الباب، وقبل أن يغلقه أمسك بحافة الباب، ثم أخذ ينظر إليّ قبل أن يسألني:يا أمي: لماذا لا ترتدي الحجاب الشرعي!؟استغربت لسؤاله، فوضعت نظارتي الطبية على عيناي لأتأكد من أن نظره موجه نحوي، فتأكدت، فظننت لوهلة أن خطباً ما أصاب نظارته، أو أن مشكلة ألمت ببصره، بعدما تأكدت من سلامة بصري ونظارتي..!أجبته مستغرباً: عفواً، أتتحدث معي!؟فرد عليّ، وهو لا يزال غارقاً في بحر هدوئه الغريب، مع إبتسامة خفيفة ظهرت على قسمات وجهه لأول مرة، فهمت منها إنها إبتسامة إعتذار، فقال:أتحدث مع الأخت التي تجلس خلفك!قالت السيدة: أتقصدني أنا يا ولدي!؟أجابها:نعم أنتِ، حفظك الله! ثم كرر السؤال عليها، دون أن يشيح بعينيه عني!فردت عليه، مؤكدة له في ذات الوقت:أنا محجبة يا ابني!!فقال لها: أتحدث عن الحجاب الشرعي الذي يغطي الوجه، (الخمار) يا أمي!فردت عليه بصيغة اللوم:أنا إمرأة كبيرة في السن، وأنت مثل حفيدي يا ابني!فرد عليها بأدبٍ جّم:إنه شرع الله يا أمي..!ثم أضاف: هل هذا الذي بجانبك أبنك.. قالها وهو مستمر في التحديق نحوي!؟فردت عليه، بعدما خفّضت من نبرة صوتها قليلاً:لا والله يا ولدي، فأنا لوحدي، لكن معي هؤلاء الذين في السيارة، وجميعهم بمثابة إخوتي!؟صمت لبرهة، وكأنه يستوعب صدمة الجواب، قبل أن يعود ليسألها مجدداً عن وجهتها والمدينة التي جاءت منها:فأكدت له أنها (موصلّية)، وإنها تنقلت بالطائرة لأكثر من مكان، وأنها استقلت سيارتين قبل سيارة الأجرة تلك، والتي كنا نجلس فيها في طريقنا إلى الموصل، وإنها في الطريق منذ ثلاثة أيام!فأنّبها هنا بشدة على خروجها بلا محرم، ثم سألها إن كان زوجها حياً أم لا، فأكدت له إنه على قيد الحياة، فقال لها:وكيف يسمح لك زوجك بالخروج لوحدك والتنقل هكذا في ظل هذه الظروف التي يخشى فيها الرجل على نفسه، كيف له أن يفعل، ألا يتقِ الله فيك؟! قالها بغضب هكذا، وبحرقة!أجابته أن زوجها مريض ولا يقوى على السفر، وأنها اضطرت إلى السفر نتيجة مرضها هي الأخرى، وحاجتها لرؤية الأطباء!سألها كذلك إن كان بيتها في الموصل أم في مدينة أخرى، فأشارت له أن سكناها حالياً هو في العاصمة بغداد، حيث تركت زوجها هناك!ثم واصل حديثه معها، حديث يحمل بين طياته ألم، أكثر مما هو إستغراب، ألم على واقع حال أُمة باتت تسير فيه المرأة المسلمة ليل نهار، وتقطع مئات، بل آلاف الأميال، دون أن يكون برفقتها محرم، أو تعير لهذا الجانب أي اعتبار!قال لها بعدما خاطبها هذه المرة بـ(يا أخيتي):إن كان زوجك لا يخاف عليك، فنحن نخاف عليك، وإن كان زوجك لا يهتم لأمرك، وتركك تخرجين لوحدك بلا محرم، فنحن يهمّنا أمرك، ولا يحق لنا تركك تسيرين بلا محرم، لكن ما عسانا نقول إلا (لا حول ولا قوة إلا بالله).. ثم واصل:والله لن ينصلح حال الأمة إلا بصلاحنا نحن.. والإثم جلّه في رقبة زوجك، الذي سمح لك بالخروج بلا محرم، وفي هذا الظرف العصيب جداً الذي نعيشه، غفر الله لك، ولزوجك!!سألها في نهاية الأمر عن سبب توجهها إلى نينوى دون غيرها.. فأكدت له إنها في زيارة لأبنتها التي تسكن الموصل.. فقال لها، وعيناه صوب عيناي أنا طوال الوقت:قلتِ إنكِ خرجتِ للعلاج، والأن تؤكدين أن زيارة ابنتك من أخرجتك، قالها بصيغة (ما ينبغي لنا أن نكذب ونحن أهل إسلام).. ودون ان ينتظر سماع الجواب، أغلق الباب بعدما قال للسائق، ولنا، بصيغة الدعاء:توصلون بالسلامة!وقبل أن تتحرك عجلات السيارة في رحلتنا صوب مدينة الأنبياء، أدركت إنني في الزمان والمكان الصحيحين، زمان ترقبنا حلوله طويلاً، زمان نجد فيه من يحرص على أنفسنا وعلى أعراضنا، أكثر من حرصنا نحن على أنفسنا وعلى أعراضنا، ومكان بحثنا عنه كثيراً كثيراً في زوايا وخفايا الوجود، يحكمنا على اديمه رجال أشداء على الكفار، رحماء بينهم، رجال يخافون الله، ويقيمون شرعه فينا!


_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الجمعة أبريل 03, 2015 5:53 am

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي
الحلقة الثالثة


سارت بنا السيارة، بعدما غادرنا مدينة الحويجة الشماء بإتجاه الحصن المنيع لدولة الإسلام، الموصل العصية، وكأن السائق، وهو يقود سيارته، يحفظ الطريق ومطباته عن ظهر قلب، طريق امتد تحت جنح ظلام لا يخفف من وطئة سواده سوى تلك الأنوار المتقطعة لمصابيح أنارت بيوتات على جانبي الطريق، والتي تزداد غزارتها كلما اقتربنا من المدن ذات الكثافة السكانية..!
كان الشاب الذي برفقتنا، والذي تعرض إلى المسائلة في أول سيطرات ونقاط تفتيش دولة الخلافة الإسلامية، يمتلك خطاً هاتفياً، يطلق عليه (شبكة أثير) الشيعية، والتي كانت تعمل بتقطع، بعدما توقفت بشكل تام شبكة (آسيا سيل)، التي تعود ملكيتها إلى الأكراد، في ظل غياب أي شبكة للأتصالات تعود ملكيتها للسُنّة العرب، وكانت السيدة التي برفقتنا تستأذن الشاب بين الفينة والإخرى لإجراء مكالمات بعد توقف هاتفها عن العمل، وأحياناً تحاول إرسال رسائل إلى عائلتها في بغداد تبلغها بإنها بخير، وإنها في الطريق إلى الموصل، وأن كل الأمور تسير على خير ما يرام، فيما راح الشاب يخاطبنا بإن هاتفه في خدمة الجميع!
مررنا بنقطة تفتيش جديدة، توقف السائق خلف سيارة كانت تسبقنا ببضع مئات من الأمتار قبل توقفها في نقطة التفتيش التابعة لرجال الدولة الإسلامية، حيث لم يعد يفصلنا عنها سوى ثلاثة إلى اربعة أمتار، وحينما تجاوزت نقطة التفتيش، بعد أقل من دقيقة من توقفها، جاءنا دور المرور..
توقف السائق أمام رجل الخلافة، الذي كان كاشف الوجه، مُلتحٍ، في نهاية العشرينات من العمر، اطلق علينا السلام أولاً، ثم تبسّم مع السائق، وراح يمازحه قليلاً..!
كانت لكنته من تلك المناطق (شمال صلاح الدين، أو جنوب الموصل)، إنها لهجة مميزة، وجميلة في نفس الوقت، هي أقرب للبدو منها للحضر، ما اجمل لغة البدو التي كان أبي يتحدث بها، كيف لا، وأبي بدوي حد النخاع، رعى الأبل حتى بلغ اشده، ثم احترف الزراعة، قبل أن تجبرتنا ظروف الحياة، وذهاب أراضينا التي أغرقتها مياه سد حديثة (سد القادسية) إلى السكن والإقامة في المدن، والتي صعب على أبي التأقلم عليها، فبقي يتحدث بلسانه البدوي، هذا الذي اعشقه وأحاول التحدث به مع أبنائي رغم صغر سنهم.. بل إنني أتذكر كيف أن زملائي في مهنة الصحافة ببغداد كانوا يلقبوني بـ (البدوي) وذلك لطبيعة وتركيبة شخصيتي، التي نأت بنفسها عن عالم التحضر والتمدن الزائف، رغم عملي في بلاط صاحبة الجلالة حيث سلطة الإعلام الرابعة، والتي ما عادت ذات جلالة، تماماً مثلما ما عادت سلطة رابعة، بل مسخرة أولى وثانية وثالثة فرابعة، في ظل حكم الشيعة، ونفاق الكرد، وعهر حكام الخليج وبقية بيادق أميركا وإسرائيل وإيران!
كان رجل نقطة التفتيش يتحدث إلى السائق، فيما كنت أنا غارقاً في تأمل جمال مخارج حروفه وكلماته ولفظه.. قال للسائق:
ما هوية زبائنك من الركاب؟!
فرد عليه السائق، الذي ينتمي لذات المناطق كما تبين من لهجته في الحديث:
إنهم يتوزعون بين موظفين وطلبة، دون أن يتم التطرق إلى وجود نساء بيننا..
فرد رجل نقطة التفتيش:
وهل بينهم (جنود مرتدين)!؟
فأجابه السائق بإنه يستطيع التأكد بنفسه، لكنه أكد له إننا مررنا بأكثر من نقطة تفتيش، وقد تم التأكد من هويات الركاب جميعاً!
فأجاب رجل الدولة الإسلامية ممازحاً الرجل الكبير في السن الجالس بجوار السائق:
لكني أظنكم جميعاً جنود، وهذا العم في (الصدر) هو قائد المجموعة، و(الصدر) عندنا في العراق هو من يجلس بجانب السائق، متصدراً الركاب..
فضحك الرجل الخمسيني أو الستيني الجالس بجوار السائق، ورد عليه:
أعوذ بالله، لست إلا اُستاذاً جامعياً..! قالها ثم اطلق ضحكة طويلة، ضحك لها الجميع، فيما لا زلت أنا اتأمل طريقة حديث رجل الدولة الإسلامية، والحق أقول لا أعرف إن كانت لهجته من سحرتني، أم عذوبة تعامله مع الناس هي من أبهرتني!!
أنتهى الوقوف أمام نقطة التفتيش بضحكات وأبتسامات من الجميع، وربما هناك من كانت ضحكاته لا تخرج من كل قلبه، حيث شعرت أن هناك البعض لا تزال مخاوفه من نقاط تفتيش وسيطرات الدولة الإسلامية حاضرة، وخصوصاً السيدة البغدادية الموصلّية الأصل، والتي تذمرت من كثرة نقاط التفتيش على الطريق، مع إنها لا تمثل شيئاً أمام عددها أيام ما قبل التحرير المبارك.. شعرت بدوري بالإستفزاز من كلام السيدة، فتدخلت هذه المرة وبشكل عصبي..!
كانت السيدة تجلس خلفي، فأخذت اتحدث بصوت عالٍ، وأقول ساخراً، نعم، من حقنا التذمر هكذا، فقد كان الشيعة يستقبلوننا بالورود في سيطراتهم ونقاط تفتيشهم، وكانوا لا يبصقون في وجوهنا، ولا يهينوننا، ولا يدوسون على رؤوسنا بأحذيتهم، بعدما تمكنوا منا، ولم يغتصبوا نسائنا، ولم يقتلوا أولادنا، ولم ييتموا أطفالنا..!
نعم من حقنا التذمر من عدد السيطرات ونقاط التفتيش، التي ما وجدت إلا لحمايتنا، فنحن لا نرضى بمن يحمينا ويخاف على أعراضنا أكثر منا، ويدافع عنا بشراسة، نعم نحن لا نستسيغ أن نرى من يسهر الليل كي نعيش بأمن وأمان، نعم لإننا لا نرضى إلا بالذل، وبالمهانة، وبالعيش في كنف زنادقة الشيعة وملحدي الكُرد في ذل وإهانة.. لنتقِ الله جميعاً، فهؤلاء ما خرجوا إلا حينما اُنتهكت أعراضنا، وسُبيت نسائنا، وأبيدت مدننا، وتسلط المجوس، ومن حالفهم، على رقابنا، فأستعبدوا حتى الأجنة في بطون الأمهات!
دبّ الصمت بعد كلماتي هذه في السيارة، وخشي الجميع الرد، ربما لأنهم ظنوا إنني، وبطريقة حديثي تلك، أحد رجال الدولة الإسلامية، شعرت بهذا من طريقة صمتهم، فللصمت حديث لا يفقه لغته أياً كان..!
واصلت الحديث دون توقف، فلقد وجدتها فرصة لأخبرهم ببعض ما كان يجري لأهل السُنّة والجماعة في معتقلات الشيعة والكرد وأسيادهم الأميركان.. وكثير منهم يعلمون ويدركون..
قلت:
يا من تتذمرون، هل سمعتم بما حدث لرجالنا ولنسائنا في المعتقلات، سأحكي لكم موقفاً واحداً، رأيته بنفسي، لتعرفوا لماذا نبصق على المجوس، ولماذا هم يحاربوننا ولماذا يريدون إعادة احتلال أراضينا المحررة، لقد كانوا في المعتقلات يحضرون المرأة ذات الأربعين عاماً، مع طفلتها ذات الأحد عشر ربيعاً، ثم يخيّرون السيدة (السُنّية) بين إغتصابها، أو إغتصاب طفلتها، وكانت المسكينة، وبعد بكاء مرّ، تفضل أن يتم إغتصابها على حساب إغتصاب طفلتها..!
كنت أتحدث، وكان صوتي يرتفع شيئاً فشيئاً، وكنت أومئ بيداي شمالاً ويميناً، رغم أن أحداً لم يكن يراني، بسبب الظلام الذي كنا نجلس في عتمته، اللهم إلا من كان يجلس بجانبي حيث كانت يداي تمسهم دون دراية مني..
كنت اُردد:
هل تعلمون، يا من لا تقبلون إلا بحكم مليشيات وجيش الشيعة وبيشمركة الكرد، أن المرأة السُنّية هذه حينما اختارت أن يتم إغتصابها مقابل عدم إغتصاب طفلتها ماذا فعلوا معها؟!! لقد أقدموا على إغتصاب الطفلة أولاً، ثم تلا ذلك إغتصاب الأم نفسها، أربعة كلاب اميركية متوحشة تناوبوا على إغتصاب الأم وطفلتها، وهل تعلمون من كان يمسك بالأم وطفلتها حين الإغتصاب!! مجموعة من شرطة وجيش الشيعة ممن كانوا يعينون الأميركان ويساعدونهم على إذلال وتركيع أهل السُنّة والجماعة..
كل هذا يفعلوه أمامنا وأمام أعيننا ليقولوا لنا بعد ذلك: من لا يعترف بالتهم المنسوبة إليه سنعتقل عائلته ونحضرها هنا ونفعل بها ما فعلنا بهذه (العاهرة) كما يسمونها، وحاشاها..!
كان بدني يقشعر وأنا أتذكر ذلك الموقف الذي لا يغادر مخيلتي أبداً، وكيف له أن يُغادرني وهو ينام ويعشعش ويتنفس ويأكل ويشرب معي، ينام في فراشي، ويعشعش في عقلي، يتنفسني قيحاً، ويُؤكلني زقوماً، ويُشربني سماً..!
إنه الحقد الفارسي المجوسي الأعمى على أمة الإسلام، اُمة السُنّة والجماعة، لهذا يسعون إلى إستعبادنا، أو إبادتنا بأحسن الأحوال، بمساعدة ومشاركة القريب والبعيد، ولأجل ذلك لن يتخلوا عن نواياهم تلك حتى يحققوها، أو يبادوا!!
صمت الجميع، وخرست الألسن، ومنها لساني الذي انعقد بعد ذلك، بعدما اطلقت لدموعي العنان وسط ظلام المكان وضجيج محرك السيارة، الذي كان متأثراً بنوعية البنزين المصنع محلياً في المصافي البدائية التي بدأت تكتظ بها مدن الدولة الإسلامية، بعدما اتلف الشيعة والأكراد وطيران الغرب والخليج جميع المصافي التي تخضع لسيطرة دولة الخلافة عن طريق طيرانهم الذي لا يغادر سماء تلك المدن، ولكن فوق غيوم تقترب من القمر كما نراها نهاراً، وبإرتفاعات مجهولة ليلاً!
استمر الصمت هكذا حتى قطعه إشارة شاب، لم يبلغ العشرين من العمر، أومأ إلينا ونحن نقترب من جسر يرتفع بالطريق حتى يربطه بطريق آخر، توقف السائق وخاطبه الشاب، الذي كان يحمل بندقية ويضع لثاماً على وجهه، بالقول ( رحم الله والديك أخي، حينما تصل إلى نقاط التفتيش أنر مصابيح السيارة من الداخل قبل الوصول بقليل)، فاعتذر منه السائق وأخبره أنه يعرف بهذه الملاحظة، إلا أن النسيان هو السبب، مع إنني حَمّلتُ نفسي مسؤولية ذلك، بعدما فتحت جروحاً ربما تناسى بعضنا بعض مواجعها بحديثي عما كان يجري لأهل السُنّة والجماعة في معتقلات الأميركان والشيعة والبيشمركة..!
كنا نمر بجسور وأودية وتعرجات وتموجات أرى بعضها من مصابيح السيارة التي كانت تكشف لنا مساحة من الطريق في ذلك الظلام الدامس، في حين إنني كنت استكشف بعضها الآخر من صوت مرورنا فوقها أو بجانبها، أو من تمايل السيارة بنا يميناً وشمالاً..!
إقتربت الساعة من الثامنة في آخر ليلة من العام 2014م، ولا زلنا نسير في طريق لم اسلكه منذ سنين خلت، حينما كنت أتجول في ربوع تلك المناطق لأنقل حقيقة الخسائر الأميركية في صلاح الدين والموصل، وهو ذات الشيء الذي كنت افعله في الأنبار، يوم كنت أتعامل مع العديد من القنوات التلفزيونية المحلية والعربية والأجنبية، فبعض تلك التقارير كانت تذهب إلى قناة الرافدين، وبعضها الآخر أذهب به إلى قناة الشرقية والزوراء، ولاحقاً الرأي، وبعضها الآخر إلى قناة الجزيرة، وبعضها إلى شبكة الأنبي سي نيوز، ووكالة الأسوشيتدبرس والعديد من الجهات الإعلامية الأخرى، يوم كانت تحرص على نشر ما تتعرض له قوات الاحتلال من خسائر موجعة، أو تقوم ببث معاناة المناطق التي تخضع لسلطة المنطقة الخضراء وقادتها، سواء من البنتاغون أو من فيلق القدس الإيراني، ببركة السياسيين، الذي استبسلوا في تثبيت دعائم الاحتلال (الأميركي - الإيراني) لأرض الرافدين، قبل أن تتبدل مواقف بعض تلك الجهات الإعلامية والقنوات لتصبح مواقفها تباع وتشترى، وسياستها الإعلامية تخضع لمن يدفع أكثر!
كنت احفظ هذه المناطق وهذه المدن عن ظهر قلب، لكني الآن لا أعرفها، فلقد تركت سنوات الاحتلال الأميركي القاسية آثارها عليها، وليكمل مسيرة إنهاكها الاحتلال الشيعي الإيراني لها.. لم تكن آثار الاحتلال بادية لي نتيجة الظلام، لكني كنت اُحسها، فهي عندي بمثابة جسد وروح، تتألم أكثر من ألمنا، وتتوجع أكثر شدة من توجعنا، فهي تعاني كما نعاني، كيف لا، وهي قد اُغتصبت من قبل خنازير اميركا وكلاب إيران، تماماً مثلما تم إغتصاب أعراضنا على أيديهم، وهي جائعة حد الشبع، ومريضة بداء أنهكها مثلما أنهك المرض والجوع فلذات أكبادنا وأمهاتنا وأبائنا، هذه الأرض المعطاء انتخت اليوم وهي تنادي (واوجعاه)، فهب لتحريرها رجال، قال عنهم العالم كله إنهم وحوش بهيئة آدمية، وها أنا اليوم آتيهم، من آخر الدنيا، لأنقل للعالم حقيقتهم، وسأكون منصفاً، حتى لو وجدت عندهم من السوء، فأقسم بمن نصرنا في بدر يوم كنا أذلة، إنني سأتحدث به، وانطق واجهر به، ولن اخشاهم، أو اخشى غيرهم، ما دمت أفعل ذلك لله، ونصرة للحق، وكشفاً للواقع، وتبياناً للصدق الذي غيبه الإعلام وتجاهله، بل وشوهه!
واصلنا المسير، حتى بتنا على مشارف (الگيارة)، التي وصلناها اللحظة، نعم هذا مفرق طرقها، وهذا جسرها الذي يتفرع منه عدة جسور وطرق إلى مناطق أخرى، وهذا الجسر الذي قال عنه هذا الصباح مراسل قناة العربية (الإيرانية المجوسية) إنه بيد البيشمركة الكردية الآن، وأنه تم تحريره وإستعادته في معركة ضارية مع (د ا ع ش)، على حد وصف هذه القناة التابعة إلى (معس)، والمسمومة بِسُمّ إيراني، من ذاك الذي نُقّع به الخنجر الذي غُرس في ظهر سيدنا علي، رضي الله عنه وأرضاه، وهو ذات السم الذي غُمس به الخنجر الذي استقر في جنب سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب، محطم اُسطورة الجيش الكسروي الذي كان لا يقهر، أبا حفص الذي اطفأ عهده نار المجوس إلى الأبد، وسُمّ قناة العربية هو ذات السم اليهودي الذي وضع في طعام الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وسلم، قبيل وفاته، بأبي وأمي هو!
ما هذا، الجسر يقف فوقه مجموعة من رجال الدولة الإسلامية، لكني سمعت هذا الصباح في نشرات الأخبار ذلك الذي اسميه إسطوانة الغاز، مراسل القناة التي صح فيها القول (العبرية)، المسمى (أحمد الحمداني) يقول أن البيشمركة اصبحت على مشارف الموصل، بعدما استعادت السيطرة على جسر الگيارة، بل والسيطرة على الگيارة ذاتها، بل وزاد على ذلك قولاً أن من يسيطر على ذلك الجسر إنما يسيطر على محافظات ثلاث: ديالى، وكركوك، ونينوى، وربما نسي محافظة صلاح الدين هي الأخرى، مع أن الجسر من الناحية الإستراتيجة لا يمثل شيئاً، كونه جسراً يربط مجموعة طرق، ولكل طريق من هذه الطرق طريق بديل، ما يجعل السيطرة عليه لا تقدم ولا تؤخر على أرض الواقع، أو في ميدان القتال شيئاً..!!
سألت رفيق رحلتي الشاب الجالس بجانبي ويدعى (حازم):
أوليس هذا هو الجسر الذي قالت عنه قناة العربية أنه بيد البيشمركة؟!
فرد عليّ بالأيجاب، وقال ألم اقل لك إنهم يكذبون، حيث كنا نتحدث في ذلك الصباح، حينما كنا نجلس على قارعة الطريق بإنتظار أن يتم السماح لنا بالعبور من مناطق سيطرة الشيعة والكرد إلى أراضي الخلافة الإسلامية، إذ كذّب صاحبي هذا الصباح تقارير قناة العربية واوصفاً إياها بـ(اليهودية)!
ولكن، وبالرغم من ذلك، ما قصة المحافظات الثلاث التي يتم السيطرة عليها بالسيطرة على هذا الجسر، وما قصة السيطرة عليه وهو لا يزال بيد رجال الخلافة الإسلامية، الذين يحكمون السيطرة عليه بقبضة حديدية.. هذه القصص الخرافية اترك الإجابة عليها لمراسل قناة العربية نفسه المدعو (أحمد الحمداني)، لعله يأتينا بالجواب الشافي من فوق فنادق أربيل التي يبث منها تقاريره عن ساحات معارك تبعد عنه مئات الكيلومترات، فيقيناً إنه، كما قناته، يعرف أكثر!!!
تجاوزنا (الگيارة) التي كان ليلها حياً، فباعة البنزين لا يزالون يفترشون الأرصفة الجانبية، والحال نفسه ينطبق على باعة الأطعمة والفاكهة، ومطعم هنا ومطعم هناك، لا يزالوا فاتحي أبوابهم للمسافرين، فيما كانت دوريات الدولة الإسلامية تنتشر، ليس في (الگيارة) فقط، بل على طول خط السفر، بعضها نراه، وبعضها على شكل كمائن متحركة أو ثابتة، تحسباً لأي طارئ!
بعبورنا لمدينة الكيارة بدأ العد العكسي لوصولنا لمدينة الرماح، موصل الجهاد، بل إننا بتنا على مشارفها، حيث أخذ الطريق يرتفع تارة وينخفض تارة أخرى، فتموجات الطريق تخبرك بإنك أمسيت الآن على مشارف الموصل، ولا حاجة بك لأن تسأل أأقتربنا أم لا يزال هناك طول في الطريق، فكما هو (الهوبر) دليل (الكمأ) لمن يعشق جني الكمأ من الصحاري والقفار، فإن تموجات الطريق دليل إقتراب الموصل منا، أو إقترابنا منها، لا فرق، ما دام سيجمعنا بها اللقاء بعد فراق وغياب، وها هي أولى تبشاير اللقاء، بوابتها التي تنتصب في أقصى جنوبها الشرقي شامخة في عزّ وثبات!
ابصرت بوابتها كاملة، رغم ظلام الليل، فإضواء السيارة تنير لنا ظلام المكان، وأي مكان، بوابة تعلوها راية العقاب بلونيها الأسود والأبيض، لا إله إلا الله محمد رسول الله، راية دولة الخلافة الرسمي، راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وراية الخلفاء من بعده، راية الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، شعور لا يوصف، وفرحة لا تتسع الدنيا بأكملها لها..!
توقفنا أمام جندي يرتدي بزة (قندهارية) سوداء، يكسو رأسه شعر كث طويل ولحية، وكإنها جزء من سواد ذلك الليل المدّلهم، وعيناه كانتا تتقلصان وتكبران بحسب شدة نور مركبتنا.. سلّم علينا بوجه بشوش، رغم ملامح التعب الذي كان بادياً على قسمات وجهه التي كانت تبرز وتختفي وسط الظلام والنور.. سألنا أولاً عن وجهتنا، والمدينة التي أتينا منها، ثم سألنا عن باقي نقاط التفتيش، وكيف هو حالهم، ثم سألنا عن طريقة التعامل معهم، فنطق الجميع، وكل بعبارة، فمنهم من قال ( بارك الله فيهم.. لم يقصروا)، ومنهم من قال (الله ينصرهم)، ومنهم من قال (والنعم منهم)، أما أنا فاكتفيت بالصمت، ولا أعرف سبباً لصمتي، لكني ربما أردت معرفة ما سيقوله عامة الناس عنهم في حضورهم والغياب!
ختم رجل بوابة الموصل كلامه بالقول: مرحباً بكم، وحياكم الله بين أهليكم، وكانت لكنته وهيأته تدل على إنه من أرض الحجاز بجزيرة العرب، تلك الأرض المباركة التي تغذي سوح الجهاد بقوافل من المجاهدين الأشداء، لله درّهم من اُسود جائعة تسعى لإعادة هيبة غابرة، وأمجاد أمة ضائعة!
أخذ المسافرون معي يحمدون الله على سلامة الوصول، وبدأوا في جمعِ إجرة السيارة.. وجمعُ إجرة السيارة يعني أن الرحلة باتت على مشارف الإنتهاء، ما يعني أنهم ضمنوا الوصول سالمين إلى ديارهم، مع أنه ما يزال هنالك عدة كيلومترات قبل الوصول إلى المدينة، قضيناها في جمع إجرة السيارة بهدف تسليمها للسائق، فقمت بدوري بإخراج مبلغ شخصين لدفعها عني وعن الشاب الذي كان برفقتي، فقد قضينا معاً عدة أيام في إنتظار أن يُفتح الطريق إلى أراضي الدولة الإسلامية قبل أن يتم السماح لنا بالعبور.. رفض صاحبي أن أدفع عنه إجرة السيارة وطلب أن يدفع هو بالمقابل عني وعنه، وهنا تدخل السائق محاولاً فض النزاع، فقال (لا تختلفوا، دعوها على حسابي)، فضحكنا ثم شكرناه، ثم أجبرت رفيق سفرتي على التنازل والقبول بمبدأ الدفع عنه، رغم إكثاره من قول: أنت لست من الموصل، وأنت ضيف علينا، وغيرها من العبارات التي توجب على أهل الدار، كما يقول، القيام بواجب الضيافة، لكنه اشترط عليّ للقبول بالدفع نيابة عنه أن اكون ضيفه الليلة، وأنام عنده في داره، مؤكداً لي أن عائلته ستكون مسرورة إن حللت عليهم ضيفاً، فمن عادة العرب عندنا إن حل ضيفاً في بيت حلّت معه البركة، كما يقال، لهذا تجد كثير من الناس يتسابقون على إستقبال الضيوف، ممن يعرفون أو لا يعرفون، طلباً للفوز بالبركة..!
تذكرت في نفسي ما كان يشاع عن أهل الموصل، ووصّمهم ظلماً وجوراً بالشح، فما كان من ذلك الشاب، وموقف السائق، وبقية الركاب الذين تعالت أصواتهم طالبين مني أن اكون ضيفاً عليهم يفند كل تلك الإتهامات، بل إن أحدهم قال لي إنه سيكون ضيفاً عند اقرباء له، وحبذا لو شاركته ضيافتهم لأنهم سيسعدون بذلك كثيراً.. شكرتهم جميعاً ثم وعدت ذلك الشاب المهندس (حازم) أن اكون ضيفه، إن قررت المبيت عند أحد..!
بدأ الركاب في النزول، حيث طلب أحد الركاب إنزاله في أول مدخل الموصل، ثم راح يودعنا وكإننا من عائلته، كانت اربع ساعات، إن لم تكن قد إقتربت من الخمس، تلك التي قضيناها في الطريق كفيلة أن تجعل منا عائلة واحدة، غريب ذلك، لكن هي ميزة العاطفة التي يمتاز بها قسم كبير من أبناء الرافدين، فبمجرد أن تستلطف شخصاً ما، أو تشعر بالراحة إتجاهه، حتى دون معرفتك به، فبأمكانك أن تأخذ ملابسه منه حينها إن شئت، ويكون مستعداً ليقف معك مهما كلف ذلك، دون أن ينتظر منك شيئاً بالمقابل، وقد زادت هذه العاطفة في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعدما بات أهل السُنّة والجماعة في العراق يتعرضون للإستهداف من أمم الأرض جميعها، ويشعرون بإنهم غرباء، فقربتنا (غربتنا) هذه من بعضنا كثيراً، وهذا ما لمسته في هذه الساعات التي قضيتها مع أبناء ديني في أول سيارة استقلها بأرض الخلافة الإسلامية!
وصلنا إلى وسط الموصل، كانت الكهرباء قد قُطعت عن عدة أحياء من تلك التي مررنا بها، لكن بعضها اُنير بواسطة المولدات الأهلية على ما يبدو، فقد لاحظت إقتصاداً في عدد المصابيح الخارجية للدور والعمارات، والحال نفسه ينطبق على مصابيح الشوارع التي قُطعت الكهرباء عن بعضها، فيما لا تزال الإنارة ترسم لوحة ليلية لشوارع أخرى..!
كانت السيارات تملئ الشوارع، وحركة الناس لا توحي أن هناك برداً يمنع الحركة، خصوصاً إننا في رأس السنة الميلادية، ما يعني أن الشتاء الآن يكاد يكون في منتصفه، أو انقضى ثلثه الأول في أقل تقدير، لكن، وبكل الأحوال، هي ليست تلك الحركة التي عُرفت الموصل بها قبل سنين طوال، يوم كنت أحب ليلها أكثر من نهارها لشدة روعة جماله الناطق، جمال اُمسيات ملاح، وليل لا يعرف النوم حتى طلوع الصباح..!
توقفت السيارة أمام أحد المطاعم الكبرى في وسط الموصل، لم أكن أدري أين أنا، فعتمة الليل أضاعت عليّ الطريق والأحياء والمناطق التي أعرف، كما أن الاحتلال الأميركي والشيعي والكردي قد غير الكثير من ملامح الموصل الحدباء، وربما فرحة اللقاء بحبيبتي الموصل هي من غيرت في ذهني رسم خارطة المدينة، حتى ما عدت أدري أفي جانبها الأيمن أنا، أم الأيسر! لكن أياً يكن، فليس ذات أهمية وجودي في يمينها أو الشمال، ما دمت على أرضها المباركة، أرض الأنبياء، أرض الأتقياء، أرض الصالحين.. أرض المجاهدين!
كنت أول المترجلين من السيارة بحكم جلوسي على مقربة من الباب، ثم تبعني البقية في النزول، الجميع كانت عيونهم على الحقائب، إلا أنا فلقد كنت منشغلاً في النظر صوب تلك البنايات التي تحيط بي، والتي اُنير بعضها بمصابيح خفيفة، فيما بقي بعضها الآخر منتصباً وسط الظلام، وليس العيب فيها، بل العيب والعار على من سرق حقها في الكهرباء، من شيعة وكرد، قبل أن يسرقوا حق أهلها في الحياة!
كنت أحمل كاميرتي بيدي، والتي تحرجت من استخدامها قبل معرفة القوانين، فلا أعرف أن كان مسموحاً إلتقاط الصور، أم أن ذلك ممنوعاً في أرض يترصدها القريب والبعيد، وكنت كل ما وثقته حينذاك بعض الصور في لحظة دخولي أرض الخلافة، أما اللابتوب فقد وضعتها على كتفي منتظراً أن يأخذ كل مسافر حقيبته لألتقط حقيبة الظهر التي أحملها معي!
أخذ المسافرون يوقفون سيارات الأجرة (التاكسي) ليذهب كل واحد إلى بيته، ووقفت السيدة التي كانت برفقتنا، والتي جاءت إلى الموصل دون أن يكون أحد برفقتها، وأخذت تشير لسيارات التاكسي، وكلما توقفت سيارة رفض سائقها أن يَقلّها إلى بيتها، ما دعا بعض المسافرين، ممن كانوا برفقتنا، للإقتراب منها سائلين إياها عن سبب رفض أصحاب التاكسيات أن يَقلّوها إلى حيث تريد، فأكدت إنهم يخشون أن تتم محاسبتهم من قبل مفارز الدولة الإسلامية، كونهم يقلّون سيدة بِلا مِحْرَمْ معها، إذ أن ذلك يُعدُّ مخالفة شرعية، وهو ما دعا أحد الرجال ممن كانت معه سيدتين إلى التطوع بإيصال السيدة إلى دارها، حيث ستكون برفقة تلك العائلة المكونة من ثلاثة أشخاص، إمرأتين وذلك الرجل، وحينها لا خوف عليها من أي شيء، واستقلت تلك العائلة سيارة تاكسي مصطحبين معهم تلك السيدة، التي كانت بِلا مِحْرَمْ، بهدف إيصالها إلى دارها بأمان، وبلا إحراجات الطريق!
تفرق جميع المسافرين بين هذه التاكسي وتلك، فيما عداي أنا وصاحبي، الذي أصرّ أن أرافقه إلى داره للمبيت، فطلبت منه مهلة بضعة دقائق لأقرر ذلك من عدمه.. استغرب طلبي المهلة أول الأمر، لكنه اكتفى بالقول لي:
حسناً، أنا بالإنتظار!
نظرت شمالاً ثم يميناً، وكنت أبحث عن تواجد للمجاهدين من رجال الدولة الإسلامية على مقربة منّا، فلقد اقسمت على نفسي أن لا تمر هذه الليلة إلا وأكون برفقة اُسود الجهاد، كي تكون آخر ليلة لي في هذا العام مع المجاهدين، ويكون أول يوم لي في السنة الجديدة في مضاربهم أيضاً، بعدما اعتدت أن أقضي مثل هذه الليلة خلال السنوات الماضية متحسراً على ساحة افتقدتها، بعدما أشار عليّ إخوة الجهاد أن أكون إعلامياً مناصراً ومسانداً لهم من الخارج، حينما اصبح من النادر أن تجد إعلامياً أو صحفياً ينصف المجاهدين، أو يقدم لهم مساعدة، أو دعماً إعلامياً، أو ينقل عنهم حقيقة ما يجري على الأرض، فخضعت حينها لذلك الرأي، مكرهاً غير راغب، وهاقد حانت ساعة العودة إلى هذه الأرض، وتقبيل تلك الأيادي والأقدام التي لطالما أغبرت في سبيل نصرة الإسلام، دين الحق، هذا الذي يعاديه الروم، ويحاربه الفرس، وينكل به اليهود، ويتجرأ عليه البوذ!
على بُعد قرابة المائة متراً ابصرت سيارة تتبع إلى الشرطة الإسلامية متوقفة في تقاطع يلتقي عنده عدة طرق.. كانت الإشارة الضوئية (الترفكلايت)، التي تتوسط ذلك التقاطع، متوقفة بسبب إنقطاع الكهرباء، ومع أن إنارة المطاعم وبعض البنايات كانت تنير الشارع بإتجاهيه، إلا أن سيارة (النجدة) التابعة إلى شرطة الدولة الإسلامية كانت تستقر في منطقة شبة مظلمة، لكني اُبصر بجانبها من بعيد ناراً خفيفة الوهج، فقررت التوجه إلى رجال الشرطة الإسلامية لعلي أجد عندهم مبتغاي!
قلت لصاحبي الموصلّي، المهندس (حازم):
سأعود إليك بعد قليل.. إنتظرني هنا.. وكان يقف أمام المطعم مباشرة!
ردّ عليّ بإبتسامة خفيفة، ترافقها علامات إستفهام كانت بادية على وجهه:
سانتظرك هنا للصباح، ولن أذهب بدونك اليوم!
شكرته على كرمه، وذهبت سيراً على أقدامي بإتجاه دورية الشرطة الإسلامية عند التقاطع، وحقيبتي على ظهري، حاملاً بيدي الكاميرا، فضلاً عن (اللابتوب) المتدلية من كتفي..
كنت أجد خطواتي بطيئة جداً، فأخذت أحثها وأمدّها، وكإنني إن تأخرت عنهم فسيسرقهم مني أحد ما، وصلتهم وكانوا يجلسون على كراسي ثلاثة، فيما كان هناك كرسياً شاغراً.. بادرتهم بالسلام، فخرج في ذلك الوقت رابعهم من السيارة التي كانت متوقفة بجانبهم، تحت مظلة تحميهم من عيون طيران إيران والغرب والخليج والأردن والمغرب، وبقية الحلف الستيني الشيطاني، الذي لا يغادر سماء الموصل الصامدة!
رد عليّ الجميع السلام، وكانوا يجلسون حول (چولة) وضعوا فوقها أبريق شاي، زاد الفحم الذي يغطيه لذلك الليل سواداً..
والـ (چولة) هي الصديقة الوفية للعائلة العراقية الفقيرة، فهي تمثل إحدى أهم أدوات الطبخ والتدفئة في البيت العراقي، وعادة ما يتم الإعتماد عليها بشكل كلي في البيت، كونها تعتمد على النفظ الأبيض الذي هو أرخص من بقية أنواع الوقود، ويمكن تصليحها بسهولة مهما كان حجم أعطالها، لكن المشكلة معها إنها تحول البيت إلى قطعة من السواد، بفراشه وأثاثه وأمتعته، بل وحتى الملابس والوجوه والإنوف، ما يجعل الحاجة مُلحّة إلى أنواع خاصة من المنظفات، كي يتم التخلص من آثارها التي تخلفها على كل ما يحيط بها، ومن شدة سوء حالها، اطلقوا الـ (چولة) كوصف على من يحمل رتبة (نائب ضابط) في الجيش العراقي السابق، كون صاحب هذه الرتبة معروف بإنه إن لم يجد من (يحرقه) أمام مرؤوسيه، فإنه يقوم بإحراق نفسه، وكذا حال الـ (چولة) التي تحرق نفسها وما حولها من شدة الدخان ومخلفاتها الفحمية!
قال أحد رجال الشرطة الإسلامية، ممن كان يتدفأ على تلك الـ (چولة):
تفضل حياك الله!
أجبته:
هل لي بسؤال؟!
رد عليّ أحد الرجال الأربعة من خلف لثام كان يضعه، رغم الظلام الذي كان يغطي المكان:
فقط سؤال! تفضل، نحن بخدمتك!
إجبته وكإنه نطق جُرماً بحقي:
معاذ الله، بل أنا من يخدمكم يا تيجان الرؤوس، إنما جئتكم من آخر الأرض، من الطرف الثاني للعالم، لأنقل للعالم واكشف له حقيقة ما يشاع ويروج ويفترى به على دولة الخلافة الإسلامية، وكذلك لأعطر انفاسي بنسيم وجودكم على هذه الأرض ووو...
وذكرت له أشياء أخرى أتحفظ عن ذكرها هنا، فلي في زيارتي مآرب أخرى، فليس كل ما في الجوف يقال!
نهض الرجال الثلاثة ووقفوا على أقدامهم، فيما إحتضنني الرجل الذي ترجل من دورية الشرطة الإسلامية، وتناوب الجميع على إحتضاني ومعانقتي، فيما كنت اُقبّل رأس كل واحد منهم بعد الإنتهاء من المعانقة، ولو سمحوا لي لقبّلت أقدامهم قبل رؤوسهم، فالشرف كل الشرف في أن يتعفر وجهي بالتراب الذي تطأه قدم مجاهد خرج ليقاتل في سبيل الله!
كاد قلبي، ومن شدة الفرح، أن يطير أو يتوقف، حينما وجدت نفسي وسطهم وهم يحتفون بي على طريقتهم الخاصة!
سألني أحدهم:
كيف وصلت إلى هنا يا أخي؟!
قلت:
قصة طويلة سأكتب عنها يوماً!!
قال: تكتب!! وماذا تعمل بالتحديد يا أخي حياك الله؟!
ذكرت له إنني صحفي وإعلامي..
أجاب:
ما شاء الله!
قلت له ولبقية رجال الدورية:
أسمعتم بالصحفي حسين المعاضيدي؟!
صمت الجميع، وكإنهم يحاولون إستذكار الاسم، فسارع أحدهم للقول:
أعرف حسين المعاضيدي الذي يكتب في المنتديات الجهادية، فلقد كنت أحرص على القراءة له منذ زمن ما قبل الفتح! وكان يقصد بزمن الفتح، وقت تحرير مدينة الرماح ،الموصل الحدباء، من سيطرة الشيعة والكُرد!
فقلت له، ولبقية زملائه من رجال دولة الخلافة:
وهاقد أتاكم كاتب المنتديات الجهادية بنفسه إلى ساحة جهادكم!
فأخذ ذلك الرجل الذي عرفني، يكبر الله وحمل بندقيته، التي كان يركنها على حافة الكرسي، بيد واحدة، وانطلق إلى حافة الشارع الثاني، بجوار عمود الإشارة الضوئية، بعدما قطع الشارع الأول بخطوتين، وهو ينادي باعلى صوته:
باقية .. باقية.. دولة الإسلام باقية!
ثم اعقبها بالتكبير ثلاثاً:
الله اكبر .. الله اكبر .. الله اكبر
في هذا الوقت إنشغل بقية الرجال الثلاثة في إعادة إحتضاني من جديد، بعدما علموا مهنتي الصحفية، ونصرتي لهم منذ أمد بعيد، ووصولي إلى أرض الخلافة.. ثم عاد ذلك المجاهد ليحتضنني، وكإني أخ له انقطعت عنه أخباره منذ قرون، والآن قد عاد، وهو ما أحسسته بداخلي نحوه!
كانت الدموع تنهال من عيناي بغزارة دون أن يلحظوا ذلك بسبب ضعف إنارة المكان.. تمنيت حينها لو إنني ما وافقتهم يوماً واطعتهم على الخروج من ميدان الجهاد، ولبقيت في سوح الوغى، فمرارة ذلك لا يعرفها إلا من فقد لذة الجهاد، حتى وإن كان بمهمة إعلامية مفروضة عليه..!
تمنيت في تلك اللحظات لو إنهم تركوني وانفضّوا من حولي لأبكي بصوت عالِ وحرقة كبيرة.!
احسوا بدموعي، وقالوا لي كفكف دموعك قد وصلتنا، فقلت لهم إنما هي دموع الفرح، مع إنها قبل أن تكون دموع الفرح إنما كانت دموع الحرقة على ما فات!
قلت:
سأستأذنكم الأن، ثم أعود إليكم بعد قليل!
قالوا لي:
إلى أين يا حاج؟! قل لنا ونحن نأتيك بما تريد..!!
أجبتهم:
لي رفيق سفر، موصلّي، طلب مني أن أكون ضيفه الليلة، إن لم أجد مكاناً لي، وسأذهب إليه لأعتذر عن مرافقته، بعدما وجدت مكاني الذي كنت أبحث عنه منذ سنين!
سألوني: هل دفعت إجرة التاكسي أم لا ؟!
استفهمت منهم عن الغاية من السؤال فأجابوني:
كي ندفعها نيابة عنك!
توقفت، وقبل أن اُجيبهم قلت في نفسي، يا الله، أي حال هذا الذي أنا فيه، حُسن اُستقبال، وفيض كرم، وحميمية لقاء، وعذوبة لسان!
أجبتهم:
وعشرة نعم منكم يا أحبتي، قلتها هكذا بصيغتها العراقية المعهودة، ثم أضفت عليها:
جزاكم ربي الجنان على عظيم كرمكم، لقد دفعت الإجرة، ومعي ما يكفي من المال، يا رعاكم الله!
ثم عدت راكضاً جهة صاحبي، (ابن الموصل)، بعدما وضعت حقيبتي وكاميرتي وحاسوبي (اللابتوب) بجوار الكراسي التي كان يجلس عليها رجال الدولة الإسلامية الاربعة، وقبل أن أصل إليه قابلني، صاحبي الموصلّي، في منتصف الطريق ، بعدما ترك حقيبته في الطرف الآخر من الشارع، وبادرني بالسؤال قبل أن أصل إليه بخطوات:
طمني، ماذا يجري، هل من مشكلة؟!
وكان يستغرب ذهابي إلى دورية الشرطة الإسلامية، وقرأت في عينيه الكثير من التساؤلات.. فقلت له:
أشكر لك كرمك وما غمرتني به من طيب، وأعتذر منك لإنني لن استطيع مرافقتك، فلقد وجدت ضالتي التي جئت أبحث عنها من مسافة آلاف الكيلومترات، فلقد وصلت إلى أهلي هنا!
كان ينظر إليّ وهو يحاول فهم الموضوع، وما أن أتيت على ذكر وصولي لأهلي حتى رفع عينيه بإتجاه رجال الدولة الإسلامية، الذين كانوا على مسافة خلفي، وأخذ يهزُّ رأسه، تعبيراً عن فهمه للموضوع.. وبغض النظر عما فهمه من صيغة كلامي، أجابني وهو يشبك ذراعيه حولي محتضناً إياي ومودعاً:
نصركم الله!
ثم أضاف عليها:
أتمنى أن التقيك يوماً.. فأجبته على الفور:
اسمي (حسين المعاضيدي)، إبحث عني على الإنترنت وستجدني، إن شاء الله تعالى.. في رعاية الله، وليحفظك ربي، ثم غادرني، فيما قفلّتُ راجعاً بسرعة إلى حيث تواجد رجال دورية الشرطة الإسلامية!
قبل أن أجلس على الكرسي الذي دعوني للجلوس عليه، طلبت منهم إفساح المجال لي لتأدية سجدة شكر وحمدٍ لله على ما أنعم به عليّ، وحينما سجدت، سمعت أحد رجال الدولة الإسلامية وهو يبكي، ومع إنني لم اسأله عن سبب بكائه، لكنني شعرت بشدة فرحه بوجودي بينهم، مع إنني كنت حينها أكثر أهل الأرض والسماء فرحاً بوجودي بينهم هناك!
كنت حينذاك أشعر إنني كطفل حصل من أبيه على نقود في صبيحة العيد، إختلطت دموعي بضحكاتي، قلبي يكاد يخرج من بين أضلعي، وكإنني ولأول مرة أرى مجاهدين في سبيل الله، مع إنني عملت بمعيتهم ردحاً طويلاً من الزمن، لكنه ربما الشوق الذي طفح بي كيله إلى تلك الوجوه الباسمة التي افتقدتها كل هذه السنين!
جلست على أحد الكراسي الأربعة، فيما بقي الجميع في حالة وقوف، وأخذ آمر الدورية ينادي بالجهاز إلى جهة أخرى، مُبلغاً إياهم أن الصحفي والإعلامي حسين المعاضيدي جاءهم من أوربا، وأخذ يسألهم عن الإجراءات المتبعة في إستقبال المهاجرين والمناصرين والصحفيين، فجاءه الرد، على مسامعي، بالترحيب بي أولاً، ثم طلب التأني حتى يتم الإتصال بمن يعنيهم الأمر، وانتهى الإتصال عند هذا الحد!
بعدها إجتمع الأربعة حولي، وبدأت الأسئلة تنهال عليّ، وكانت جميعها عن الصحافة والإعلام والتصوير والإصدارات، وكيفية وصولي، والعقبات التي واجهتها والكثير من الأسئلة التي قضيت قرابة النصف ساعة وأنا أحاول تلخيص إجاباتها!
قلت لهم، دعوني أقول لكم شيئاً، العالم كله منشغل بفتوحاتكم، وغير مصدق ما يجري من إنتصارات كاسحة على أيديكم، رغم ضخامة عدة وعدد العدو وكثرة تحالفاته، وحق لكم أن تفخروا بذلك، وحق لنا أن نفخر بكم، واعلموا أن جميع المسلمين الموحدين في العالم إنما انظارهم شاخصة نحوكم، ويترقبوا بشغف أنباء انتصاراتكم وفتوحاتكم، ليثلجوا بها صدورهم ويغيضوا ببشائرها أعدائهم وأعدائكم!
رد عليّ أحد المجاهدين الأربعة، وكان شاباً في منتصف العشرينات، نفر من البصرة الفيحاء بإتجاه الموصل الحدباء، في أعقاب الفتح المبارك، يوم تم سحل الجيش الشيعي والبيشمركة الكُردية على أيدي اُسود الإسلام، لينضم هذا الشاب من الجنوب إلى خندق مجاهدي الشمال.. قال لي:
والله إننا نلقنهم هنا كل يوم دروساً في فن الحرب، ولو تراهم كيف يهربون من أمامنا كالجرذان حين إشتداد المعارك وتعاقب الصولات لعرفت كيف أن الله معنا، وهو عضيدنا وناصرنا!
ثم دخل على خط الحديث رجل، يقترب من الخمسين عاماً، كان يضع بندقيته في رقبته حتى وهو جالس على الكرسي، فأضاف على كلام زميله:
اُنظر، أنا في عقدي الخامس، واسكن مدينة تلعفر، وقبل أسابيع قُتل أخي في إحدى المعارك مع البيشمركة بعد قصف الطيران الأميركي له، وفي رقبتي الآن سبعة عشر شخصاً، أمي وأبي، وعائلة أخي المقتول، وزوجتي وأطفالي، تركتهم والله بلا معيل، وقد تركت لهم الله، فوالله لن أخذل ديني، ولن أخذل اُمتي!
كان يتحدث وقشعريرة تنتاب كل جسدي سببها ضآلة ما أنا فيه، وضحالة ما أقدمه من نُصرة إعلامية مقابل ما قدمه ويقدمها أمثال ذلك المجاهد الخمسيني الذي تميزت شخصيته بالبساطة ودماثة الخلق والنبل الرفيع، إلى جانب بركان القوة الذي يغلي مرجله بداخله!
كنت استمع إليهم وكإنني في حلم، بل وكإن الملائكة هي من تحفني وتحيط بي وتحادثني وليس آدميين من جنس البشر.. تحول ذاك البرد الليلي، الذي كان ينتابني أول نزولي من السيارة، إلى حرارة يكاد يحترق منها قلبي الأن وأضلعي التي تحيطه كسوار حول معصم!
قال لي جليس ثالث، وهو مجاهد من أحد أحياء مدينة الموصل:
نعم نحن شرطة إسلامية، ولكننا بنفس الوقت نقاتل في مختلف الجبهات، هل تصدق إننا من حرر جبل سنجار، فقد قامت الشرطة الإسلامية بصولة على الجبل وحررناه في ظرف ساعات، بمعونة من الله، ولو رأيت كيف يهرب من نجا من البيشمركة من أمامنا لعرفت كيف أن جيشاً سماوياً ربانياً يشارك في القتال إلى جانبنا!
ثم أضاف مجاهد آخر، هو من أبناء الموصل أيضاً، كان يجلس بجانبي:
لا توجد عندنا شرطة إسلامية ثابتة، حيث يتم إستبدالنا بإستمرار، لإن الجميع يريد المشاركة في المعارك وفي الفتوحات، وفي الدفاع عن حدود دولة الخلافة، فرغم أهمية وجودنا في الشرطة الإسلامية لكن شوقنا للمعارك يبقى أكبر!
أراد أحد المجاهدين أن يصب لي الشاي، فتذكرت إنني لا زلت على صيامي، ولم اُفطر بعد، رغم غياب الشمس قبل ساعات، فطلبت منهم الماء لاُفطر، فتفاجئوا من تأخر إفطاري، فما شعرت إلا بأحد المجاهدين وقد إندفع راكضاً بإتجاه المطعم الذي توقفنا قبالته بسيارة الأجرة التي كنا نستقلها أول الأمر، ليحضر لي فطوراً من ذلك المطعم دون أن يخبرني حتى بنيته هذه، فيما سارع مجاهد آخر لتقديم الماء لي في قدح بلاستيكي متوسط الحجم..
كنا نجتمع حول تلك الـ(چولة)التي بالكاد تُدفئ نفسها من ضعف نارها، واشحت بنظري صوب تلة كبيرة تنتصب بجانبنا، غطى الظلام على كثير من تفاصيلها، قلت لهم:
أوليست هذه التلة التي يقال عنها إنها للنبي النبي يونس، عليه السلام، فاكدوا لي صدق توقعي، وكيف لا أعرف هذه التلة التي لطالما زرتها واطلعت بنفسي على ما كان يجري فيها من شرك وطواف حول قبر زعموا إنه مرقد للنبي يونس، عليه السلام، مع أنه قبر لقسٍ نصراني، دُفن في كنيسة اُقيم على انقاضها جامع، إدّعى القائمون عليه، زوراً وكذباً، إنه بُنيَ فوق قبر النبي يونس، عليه السلام، فأخبرت أولئك المجاهدين بقصة ذلك المقال، الذي كتبته موضحاً فيه ملابسات هذا المزار، وشرحت فيه حقيقة من يسكن هذا القبر، ومشاهداتي لما كان يجري فيه قبل الاحتلال، وحتى بعد سنوات الاحتلال يوم كنت دائم الزيارة والتواجد في مدينة الموصل الأبية، بحكم تجوالي الإعلامي وقتذاك.. وأضع هنا رابطاً للمقال الذي وضعت فيه بعض النقاط على بعض الحروف، حول حقيقة هذا القبر، وصواب فعل الدولة الإسلامية بإقدامها على إزالته من الوجود توحيداً لله، وحفظاً للعقيدة السليمة من الزلل والزيغ والإنحراف، بعد القدرة والتمكين:

https://justpaste.it/k1f8


وفجأة جاء لرجال الدولة الإسلامية الذين كنت اُجالسهم اتصال يعلن فيه المتصل عبر جهاز اللاسلكي (الراديو) حالة النفير، والإستعداد لموقعة قادمة، فتقافزت الاُسود الثلاثة التي كانت بقربي، وكل ذهب مسرعاً إلى جهة آخذين في جمع أغراضهم وحاجياتهم وهم يتباشرون..!
لم أفهم الأمر، فما الذي جرى، أو يجري حولي، سألتهم:
ما الذي يحدث يا إخوة؟!
قال لي الرجل (العفري)، كما يسمى أبناء تلعفر، والذي كان يتحرك في حماسة لم أرَ مثلها قبل ساعتي تلك:
نفير نفير!
تساءلت:
وماذا يعني ذلك، خبّرني بالله عليك؟!
سابقه بالإجابة مجاهد آخر، سبقه في جمع أغراضه:
ستكون هناك صولة على ملاحدة البيشمركة هذه الليلة، ونحن سنشارك فيها، قالها وكإنه كان ينتظرها بفارغ الصبر منذ سنين وعلى أحرِّ من الجمر، مع إنه أكد تواصل الملاحم والصولات التي يشارك فيها ضدهم وبشكل يومي!
عاد ذاك الشاب المجاهد، ابن نينوى، من المطعم الذي قصده ليأتيني بالفطور وهو يعدو مسرعاً، ولا أعرف كيف علم بأمر الصولة وهو هناك، ربما من جهاز اللاسلكي الذي كان يحمل واحداً منه هو الآخر!
قال لي:
يا حبيب: هذا فطورك واعذرنا من التقصير..!
كانت رائحة الكباب العراقي تفوح من الكيس النايلوني الذي خلّفت فيه حرارة الخبز أثراً، وضعتُ الكيس الذي يحوي طعام فطوري على الكرسي، ولم أتمكن حتى من شكرهم على كرمهم وطيبهم وحفاوتهم بي من فرط فرحتهم بذهابهم إلى موقعة جديدة.. فواصلت اسئلتي لهم، وسط الإرتباك الذي كنت فيه أنا، لا هم:
متى سيكون نفيركم إلى المعركة؟!
أجابني من أحضر طعام الإفطار:
الآن، وسنكون بإنتظار سيارة خاصة تُقلنا إلى حيث بقية المجاهدين.. ثم أضاف أمير المجموعة، الذي كان أول من انهى إستعداده للذهاب:
كم نتمنى لو إنك ترافقنا، فتشارك في معاركنا مع أول وصولك، وتصوّر بكاميرتك هذه هزائم البيشمركة والمرتدين..!
ابديت له إستعدادي للمشاركة والذهاب برفقتهم في معركتهم هذه وتصوير وقائعها، لكنه ابلغني أن الأمير لن يقبل بهذا قبل الحصول على الموافقات الخاصة، حفاظاً عليك، وحماية لك، كما قال!
خاب مسعاي، وذهبت محاولاتي أدراج الرياح، لكني أتفهم موقفهم، فمثل هذه الأمور لا تأتي على هذه الشاكلة، فلقد عملت سنيناً في هذه المهمة الصحفية الجهادية، واُدرك تماماً أن القيام بها يتطلب الكثير قبل الوصول إلى نيل هذا الشرف العظيم!
لم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لتصل السيارة التي جاءت لتقلهم، وقبل وصولها استقبلها الليوث مسرعين، وما هي سوى لحظات حتى اصبحوا بداخلها، وحتى قبل أن تتوقف، من شدة لهفتهم على المشاركة في الصولة على جموع البيشمركة الكردية..!
بقيت متسمراً في مكاني، منذهلاً من هول ما أراه من همة وتسابق على المعارك، مع أن أحدهم يدرك تماماً إنها ربما ستكون معركته الأخيرة قبل أن يلتحق بمن سبقه ممن رووا بدمائهم الزكية الطاهرة أرض الرافدين والشام الأبيتين، وسائر بقاع الجهاد..!
تحركت السيارة قليلاً ثم عادت لتتوقف، حيث قفز منها ثانية أمير المجموعة، الذي جاءني هرولة، بعدما كان قد صعد على متنها، فقال لي:
يا حاج، تستطيع إنتظار الإخوة الذين سيأتون إليك هنا كي يصطحبونك إلى مكان آخر، وإن شعرت بالبرد فإجلس في السيارة هذه، ولا تنسانا بالدعاء، ثم احتضنني قبل أن يعود مسرعاً إلى السيارة التي أرتقى على ظهرها كما يرتقي الفارس فرسه..!
نظرت حولي، بعدما غادروا، تجمدت، كتمثال أبي الهول، لدقائق في مكاني دون حراك، ثم تقدمت خطوات بإتجاه سيارة الشرطة الإسلامية التابعة لدولة الخلافة، كنت اتصرف بلا وعي، فتحت الباب، دخلتها، جلست خلف المقود، كان مفتاحها فيها، أدرت المفتاح، وسرعان ما دار المحرك، أنرت مصابيحها الأمامية، دقيقة مضت حتى عدت لأطفئ المحرك والأنوار معه، أرجعت المقعد إلى الخلف قليلاً، إتكأت عليه بقوة، ثم أرخيت نفسي، واغمضت عيني، ثم هذيت بكلام أتذكر منه:
ياااااااه أين كنت، وأين أصبحت.. يا الله، أين أنا!!!
فأجهشت بالبكاء، مستغلاً خلو المكان إلا مني ومن سيارة شرطة دولة الخلافة الإسلامية، لم أعلم سبباً مباشراً لنوبة البكاء الحادة والغريبة التي اجتاحتني لحظتها، ولا سبباً مقنعاً لتلك الدموع الغزيرة التي لم اُكلف نفسي حتى عناء تجفيفها عن خدايّ وقتها، لكنني متيقن من شيء واحد فقط، وهو إنها ما كانت لتكون، ولن تكون أبداً، دموع الندم!

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  قادمون ياأقصى في الجمعة أبريل 03, 2015 6:40 am

نرحب بعودة الاخت الفاضله عاشقة السماء



مقالات الكاتب رائعة جا" تشدك كانك تقراء قصة درامية وبنتظار جديد الكاتب وفقه الله

قادمون ياأقصى
قادمون ياأقصى
نعوذ بالله من الفتن

عدد المساهمات : 4006
تاريخ التسجيل : 03/03/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الجمعة أبريل 03, 2015 5:48 pm

أكرمك الله أخي قادمون يا أقصى وأشهدك فتح القدس والصلاة في الأقصى المبارك

أحياناً يحتاج المرء أن يتابع بصمت، سيما بعد أن تأكد له أن بلادة أمة الإسلام وصلت لمرحلة متقدمة جداً، وتحتاج لعواصف أشد بكثير مما نرى لتستفيق.

الشمس لا تغطى بغربال، ووعد الله متحقق وإن طال الزمان

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الخميس أبريل 30, 2015 1:31 am

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي
الحلقة الرابعة

لأكثر من ساعتين وأنا أجلس خلف مقود سيارة الشرطة التابعة للدولة الإسلامية في ذلك التقاطع، الذي تنير بعض من جوانبه بقايا المحال التجارية، التي ما تزال مُشرعة الأبواب بوجه زبائنها، وأبرزها تلك المطاعم المتجاورة، والتي تستعين بمولدات كهربائية للحصول على إنارتها، إذ لا يزال التيار الكهربائي منقطعاً عن المنطقة بأسرها..!
لم أكن اشأ الخروج من السيارة التي تمنيت لو إنها كانت قبراً لي يضمني إلى آخر يوم تقوم فيه الساعة، فما أجمل أن يكون قبرك في سيارة تحمل تلك الراية التي لطالما حلمنا بأن تعلو فوق هاماتنا، وترفرف خفاقة على كل رابية، ويزين بها كل ملبس، ويزدان بها كل مكتب، ويزهو بها كل دار، راية الحق، راية لا إله إلا الله، التي ومن فرط حبي لها قبّلتُها وهي على سيارة الدولة الإسلامية مرات ومرات!
طال إنتظاري، ولم يصلني أحد من المجاهدين ليصطحبني إلى مكان آخر، مع إنني تمنيت أن لا أغادر هذا المكان ولا أبرحه، فأي عزّ ذاك أن تكون رجل أمن (حقيقي)، تسهر على حماية أمن رعايا الخلافة، وتحفظ مصالحهم، وتكون خادماً لأصغر طفل رضيع فيهم، وترعى أمورهم وشؤونهم، إنها تالله لغاية كل مجاهد، وهي لعمري الهدف لكل من حمل السلاح مجاهداً في سبيل الله، إقامة شرع الله، وحفظ مصالح العباد..!
علمت أن التأخير إنما كان بدافع شدة المعارك التي يخوضها رجال الخلافة على أكثر من جبهة وقاطع، وفي الحرب، وحينما يحمى الوطيس، فلا لوم على من نسي، أو إنشغل، أو تأخر، ولا أشد من وطيسها اليوم، ورجال الدولة الإسلامية يخوضون حرباً هي الأعنف على مرّ العصور، فحتى الحربين العالميتين الأولى والثانية التي كانت الأشد ضراوة على مرّ التاريخ كان فيها معسكرين شبه متساويين، وكان لكل منهما، سواء معسكر الحلفاء، أو معسكر المحور، ملايين الجنود، وترسانة ضخمة من الأسلحة بمختلف أنواعها وأحجامها، وآليات مدرعة وطائرات وغواصات وبارجات، ولكل طرف ماكينته الإعلامية الدعائية الضخمة، وموارده الإقتصادية التي لا حدود لها، ولم يكن هناك توقع لهوية المنتصر فيها حتى اللحظات الأخيرة، في حين أن دولة الخلافة الإسلامية اليوم يخوض العالم كله ضدها حرباً ظالمة شعواء شرسة، لا عدل فيها ولا إنصاف، خندق باطل يملك العالم بأسره، بإعلامه، وبأمواله، وبإقتصادياته، وببتروله، وبأسلحته (المحللة) منها و(المحرمة)، وبآلاف القنوات والإذاعات والصحف والمجلات والمؤسسات الإعلامية التي لو وجهت نحو اعتى إمبراطورية على وجه الكون لأنهارت في يومها وليلتها، بلا إطلاق رصاصة واحدة نحوها، خندق تمترس فيه أقوى جيوش الكون وحشية ضد دولة وليدة، دولة لو لم يكن الله معها لما بقيت يوماً واحداً قبالة هذا الكم الهائل من الحشد الشيعي الرافضي، والكردي القومي، والسُني المرتد، والليبرالي الملحد، والشيوعي الحاقد، والصليبي الغازي، واليهودي المحتل، والعربي الغاشم، وغيرهم من حثالات الأرض ولملومها.. وأمام كل هذا، كيف لا اُعطيهم العذر إن نسوا الحضور إليّ، أو خانتهم ظروف المعارك..!
لكن ما قفز إلى ذهني شيء واحد، كيف يتركوا سيارة النجدة التابعة للشرطة الإسلامية ويغادروا هكذا، دون أن يبقى فيها ولو عنصراً واحداً ليحميها، بل ويتم ترك مفتاحها فيها، أهو الأهمال، أم إنه منطق (عدلت فآمنت فنمت)، مع إنهم لا يعرفون للنوم طعماً!؟
كان هذا التساؤل هو نقطة التحول في رحلتي تلك، والتي لم اُخطط أين ستكون نهايتها بدقة، بل تركت الحبل على غاربه، وتركت الله يُقّدر لي ما يشاء في رحلة أردت من خلالها إستكشافاً لداخل دولة اشغلت العالم بأسره، رعباً وخوفاً لمن حاربها وعاداها، وحباً وطمعاً لمن رغب في الهجرة إليها والعيش في كنفها!
لا أعلم لماذا كل ما خزنته من أفكار، وكل ما خططت له وأنا ادخل اراضي الدولة الإسلامية قد تغير، ليس في ليلة وضحاها، بل في دقيقة وثوانيها، فهذا المشهد الذي مرّ بي، من طريقة إستقبال رجال الدولة الإسلامية لي، ثم تركهم لي لوحدي في سيارة شرطة النجدة، وثقتهم بي لهذه الدرجة، حتى وأن عرفوا إنني صاحب القلم الذي لم يخذلهم يوماً، ولم يتقاعس عن نصرتهم أينما كان على سطح هذه البسيطة، بفضل الله تعالى، فالمتصيدين في الماء العكر كُثر، ومن أرتموا في أحضان مخابرات الشرق والغرب اغلبهم من الصحفيين، أبناء مهنتي، وأنا ابن هذه المهنة التي أعرف كل طرقها الملتوية، وأساليبها المنحرفة، ودسائسها الخبيثة، وكواليسها المهلكة، حتى بات البحث عن قلم حر شريف ينطق بالحق، كالباحث عن إبرة في كومة قش، أو كمن يطلب من حفاة جمع دقيق فوق شوك يوم ريح تم نثره، بعدما بات الإعلام، هذا الذي ما وجد إلا لخدمة الإنسانية، هو عصب الحرب اللا إخلاقية، ووسيلتها القذرة، وسلاحها الخسيس الفتاك لمحاربة كل قيم الإنسانية، حتى إنني، وفي كثير من الأحيان، أشعر بالخجل، وبالعار، وبالدونية، لإن هناك من يطلق عليّ لقب صحافي وإعلامي، لإن الاسم يشعرني بالإرتزاق عبر النخاسة، أياً كانت تقواي، وبالعهر، مهما امتلكت من الشرف، وبالخسة، بغض النظر عن صدق إيماني بقضيتي، لكني، وأعترف على الملأ إنني اليوم استخدم سلاحي (القلم) كسوط أجلد به نفسي أولاً، لتقصيري الكبير في دعم كل مجاهد على سطح هذه الأرض، رفع السلاح رداً ودفعاً للظلم، ودفاعاً عن النفس وعن الأرض والعرض، وقبل هذا وذاك دفاعاً عن الدين، وبعد جلد النفس أقوم بجلد زملائي ورفاق مهنتي، ممن تخاذلوا عن نصرة الحق، وانحازوا إلى الباطل من أجل حفنة بخيسة من الدولارات والدراهم والدنانير والتومانات الملطخة بدماء كل من سُفك دمه ظلماً وعدواناً على ظهر هذه الأرض التي نعيش عليها، وأبرزها أرض الرافدين والشام التي (أبدع) زملاء مهنتي من الصحافيين والإعلاميين في دعم خندق الإجرام فيها، خندق (إيران وأميركا)، وبكل ما أتوا من بلاغة شيطانية، وحبر رخيص، وأقلام مأجورة، وكاميرات تبصر بعين أعور دجال، فتجعل من أميركا، وحليفتها القديمة الجديدة إيران، معسكراً للخير والطهر والعفاف والنقاء، وتشيطن خندق الحق وتهجوه وتطعنه وتصفه بالنفاق والرياء والبغاء، فما أخس مهنتي، بعدما اصبحت مرتعاً للمتعطشين للسحت الحرام، ووملاذاً للناعقين في كل محفل بلا عقل ولا فؤاد، وبؤرة للمنبطحين المتعطشين للذل والخنوع وذل السؤال، ووكراً للكاذبين بلا رقيب أو سلطان، والحق أقول إنني يوماً وحينما مُنعت من قبل حكومة العراق من الكتابة والتطرق إلى أمور السياسة وشؤون الناس قبل سنوات الاحتلال، إضطررت لدخول عالم الصحافة الفنية والرياضية، فوجدت في عالم الفن ما يشيب له الطفل الرضيع من العهر، والفجور، والوضاعة، والنذالة، وقلة الحياء، وإنعدام الأخلاق، حتى كانوا كرافضة اليوم، لا يعرف أحدهم أمه من أباه، لكني وحينما أقارن عالم الفن هذا بعالم الإعلام، أجده لا يمثل شيئاً بالمطلق أمام قذارة الصحافة وسخف الإعلام الذي عملت ولا أزال أعمل في وسطه اليوم، وأهل الفن على رخص كثير منهم، إلا إنهم كحجر الماس أمام أكبر صحفي وإعلامي من أبناء مهنتي ممن نذر نفسه للشيطان!
اشغلني موضوع الأهمال، أو الثقة الزائدة من قبل المجاهدين بالشارع وما يحويه، حينما تركوا دورية النجدة هكذا بلا حارس أمن، فهناك شيء لا أفهمه، ويجب عليّ الوقوف عليه.. آنذاك كان طيران الحلف (الغربي – العربي - الإيراني) يحوم في سماء الموصل، حتى إنني شعرت إنني في حضرة مطار المقبور (أتاتورك)، من غزارة الطائرات التي لا أراها في سماء مدلهمة غادرها البدر، والتي يهرب كثير منها بعدما تتعرض لنيران المضادات الأرضية، التي لا أعرف من أين تنطلق بإتجاه السماء، فسرعان ما تتلاشى وتهرب تلك الغربان، كما تفر الشياطين بحضور الملائكة، الملائكة التي والله أراها تقاتل مع ثلة قليلة العدد ليس لها أن تنتصر، لولا وجود جيش رباني ملائكي يقاتل إلى جانبها، وإلا كيف لمائة مقاتل ونيف أن يحرروا مدينة عظيمة المساحة، كان الوجود الشيعي والكردي فيها، عسكرياً ومليشياوياً، على أشده، كالموصل الحدباء، لولا عناية الرحمن وقتال ملائكته إلى جانب جنده.. وكيف لثلة صابرة، مؤمنة، لا تتعدى عشرات المجاهدين، أن تسطر أروع الملاحم في تأريخ الحروب في تكريت أمام عشرات الألوف، فتقهر جيش الحشد الشيعي (جحش) ومن خلفه جيوش من المرتزقة، فلا يكون دخولهم إلى جزء من تكريت إلا بمعونة طيران (شيطانهم الأكبر)، الذي بات اليوم (ربهم الأعرى) من دون الله سبحانه وتعالى..!
وبين التردد في البقاء في دورية الشرطة وبين الذهاب لمكان آخر، في ليل كاد ان ينقضي نصفه الأول، قررت التوجه إلى المطعم الذي كان على مقربة من المكان، خصوصاً بعدما تغيرت بوصلة توجهي بعد ذاك الموقف، الذي رسم الكثير من الإستفهامات في ذهني حول شدة (الأهمال)، أو (الأمان) الذي إختلط عليّ أمر حابلهما بنابلهما في تلك اللحظة، ورأيت أنه لابد أن أبدأ رحلتي من الوقوف على أول (عثرة) أتعثر بها، أو (حسنة) أتفاخر بها في أرض الخلافة، والمتمثلة بترك سيارة في وسط الطريق، ومفاتيحها فيها، وصحفي بالكاد يعرفوه من كتابات مناصرة هنا وهناك، فالوقوف على دلالات هذا الموقف قد يرسم لي ملامح هذه الدولة ومدى جديتها في البقاء، ومدى حرصها على أموال المسلمين، خصوصاً أن مؤسسات الدولة الإسلامية كثيراً ما تردد هذه العبارة (أموال المسلمين) ويقيناً أن السيارة هذه، المرمية على قارعة الطريق، هي من أموال المسلمين، فكيف يستقيم حال المحافظة على (أموال المسلمين) وهي بلا راعٍ يرعاها، ولا عناصر أمن يحافظون على أمن ومصالح العباد فيها، حتى وإن كانت المعركة هي السبب في هذا الأهمال، إن كان إهمالاً بالفعل، فجبهة الداخل ليس بأقل أهمية من جبهات حدود دولة الخلافة الإسلامية، فالمحافظة على مصالح الناس ورعاية أمورهم، حتى بإحتدام القتال على الجبهات، هو من يزرع الثقة بين رعايا الخلافة وبين دولتهم، بل وبين رعايا الدولة وبين خليفتهم نفسه!
حملت حقيبتي على ظهري ثانية، وبيدي جهاز اللابتوب وكاميرتي، فضلاً عن طعام فطوري الذي احضره لي رجال الشرطة الإسلامية قبل ذهابهم إلى المعركة التي تسابقوا على الإلتحاق بها واتجهت نحو المطعم..
استئذنت منهم أولاً الجلوس في المطعم لتناول طعامي الذي كان بيدي، مؤكداً لهم أن مطعمهم هو مصدر طعامي تفادياً للأحراج، كوني لم اشترِ منهم الطعام بنفسي، فرد عليّ من كان يجلس خلف طاولة الحساب:
حتى وإن لم يكن الطعام من مطعمنا فمرحباً بك يا أخي، وأن لم تكفك الأرض وضعناك على رؤوسنا، فشكرت له عظيم كرمه، وهو ليس بغريب على أبناء نينوى!
وضعت حقيبتي بجانب إحدى الطاولات، وكان عدد الزبائن لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، فالوقت بات متاخراً، وطيران العدو يحوم كخفافيش الليل ووطاويطها في سماء المدينة، والكل يخشى القصف والإستهداف لطائرات لا تفرق بين المدنيين والمجاهدين، فهي تنظر إلى كل من سكن الموصل إنما هو عدواً لها ومستباح الدم، تماماً كما ينظرون إليه إنه مستباح العرض والمال!
سألتهم عن أماكن المغاسل، حيث رغبت في غسل يداي ووجهي، فهناك الكثير من التعب على محياي، والذي نسيته، أو تناسيته في زحمة الأحداث المبهجة والمفرحة، والغريبة التي مررت بها حتى تلكم اللحظة، أشاروا لي إلى زاوية المغاسل، ذهبت إليها، فتحت ماء الحنفية، وبدأت أغسل في يداي، رفعت عيناي إلى المرآة، وجدتهما كقطعتي لحم نيئة من شدة إحمرارهما، تذكرت عدم سيطرتي على دموع عيناي في مواطن كثيرة من شدة تأثري بالمواقف، وقبل أن أغسل وجهي ومعه عيناي شرد ذهني وأخذت أفكر في شريط من الأحداث، فشعرت كإنني في حلم، وإنني ما أن أضع الماء على وجهي سأستفيق، فأجد نفسي في فراشي بأقصى شمال الكرة الأرضية حيث كنت، حينها ترددت من غسل وجهي خشية أن أستفيق من ذلك الحلم الوردي، حلم الخلافة، الذي لطالما عشته خيالاً ووهماً في ليالي لم أذق فيها طعم النوم، نعم هكذا كانت أحلامي، تأتيني وتراودني في صحوي قبل منامي..!
وأنا غارق في أفكاري تلك، مرّ بجانبي فتىً، يحمل مكنسة ينظف فيها أرض المغاسل، إلتفت إليّ مستغرباً سكوني وصمتي وتجهم وجهي في المرآة، فسارعت لسؤاله:
أين انا؟!
رد عليّ، وإبتسامة إستغراب تعلو وجهه الصغير:
بالموصل أنت عمي!
فضاعفت السؤال إلى سؤالين:
وفي أي منطقة من الموصل؟!
فأجابني وهو يمسح الأرض وعيونه صوبي:
هاي منطقة النبي يونس!
قلت لنفسي، وعيوني بإتجاه المرآة، وموجهة نحو ذلك الصبي الذي كان على مقربة مني:
نعم إنها الموصل، وكيف لا تكون الموصل، وكيف لا تكون منطقة النبي يونس وأنا الذي زرتها مراراً وتكراراً.. ثم بدأت في غسل وجهي، حيث تبدد الخوف كله بعد أول رشقة ماء خشيت للحظة أن اقضي بها على حلمي، فأستفيق على الثلوج وغابات أوربا من حولي!
عدت إلى طاولتي ففوجئت بإنها قد فُرشت بالكثير من المقبلات، وقناني الماء، مع إنني لم اطلب شيئاً، وكيف لي أن أطلب وفي الكيس الذي معي فطور يكفي لأشخاص، وليس لشخص واحد، فأشرت إلى الرجل الذي يجلس خلف طاولة الحساب لأبلغه بسوء الفهم الذي حصل، لكنه وكما يبدو عليه، قد قرأ افكاري، وفسر نظراتي، قبل أن ينطق لساني، قائلاً لي:
تناول طعامك حجي، بالعافية، وهذه المقبلات على حساب المطعم!
ما أكرمكم يا ابناء الموصل، وددت لحظتها أن اُنظّم قصيدة هجاء بحق كل من يتهمكم بالحرص أو بالبخل، فوالله إني لم أجد اكرم، ولم أرَ من هم أكثر طيباً منكم يا أبناء نينوى الأبية..!
شكرت له كرمه، وطيبه الذي ليس بغريب على أهل مدينة عانت كثيراً من حكم الشيعة والأكراد، حتى ظن جمعٌ من الناس أن الخير والبركة والطيب والكرم قد غادر هذه المدينة خضوعاً لواقع أليم مرير كانت تعيشه في ظل حكم شيعة الجنوب وأكراد الشمال، لكن، وكما يقول المثل العراقي (اللي بالجلد ما يغيرة إلا القبر) طيب أصل، وكرم أهل الموصل،هو لبٌ وليس قشر، لهذا لا يزيله حال شاذ، أو يسقطه عدو لئيم!
تناولت طعامي بهدوء وسط صخب عمال المطعم، الذين كانوا يتمازحون في آخر ساعات عملهم، غير مبالين بالعدد القليل من الزبائن، الذين كان بعضهم يتجاوب مع مزح العمال، فيضيف لجوهم ذاك نكهة بطعم الكباب الموصلّي الذي كنت اتذوقه في لحظتي تلك!
أنهيت طعامي، وطلبت قنينة ماء إضافية وحبة أسبرين لصداع أحسست إنه بدأ يهاجمني شيئاً فشيئاً، من شدة التعب الذي أنا فيه، فسارع الرجل الثلاثيني الذي كان يجلس خلف طاولة الحساب إلى إخراج شريط من حبوب الصداع وناولني إياه، اخبرته امتلاكي لعلاج خاص بصداع الرأس، لكني اضعه في مكان اجهله بحقيبتي، فرد عليّ، بعدما أحضرها بنفسه إليّ، إنه يمكنني الإحتفاظ بها، و(زيادة الخير خيرين) كما قال، فضحكت، وضحك لضحكتي، ورفض ثانية إستلام قيمة قنينة الماء الإضافية!
تركت المطعم وأنا اشعر إنني كنت ضيفاً على بدويٍ نحرَ على عتبة داره، وتحت قدمي، خروفاً، كتحية لي، فعجز لساني عن الشكر، فاكتفيت بالدعاء له ولمطعمه بالخير، جزاء كرمه وإحسانه!
وقفت أمام المطعم، بعدما سألتهم عن أقرب فندق يمكنني قضاء ليلتي فيه، فاشاروا لي بفندق يسمى (جوهرة الخليج) على ما أظن، فعزمت التوكل على الله والتوجه إليه، فأخذت أترقب سيارة إجرة للوصول إليه..
مرت دقائق وأنا اقف في مكاني، دون أن تقف سيارة لي، فكثير منها تكون مستأجرة حين مرورها، فالتفتُ إلى أحد عمال المطعم، كان متوقفاً أمام باحة مطعمهم، وسألته عن المسافة التي تفصلني عن الفندق، لأنني فكرت في السير إليه مشياً على الأقدام، فأكد لي إنها ليست ببعيدة، وبإمكاني السير على قدمي، حتى تلحق بي تكسي، لكنه أشار عليّ بأمر، تردد صداه على مسامعي، فأمسيت بين مصدق ومكذب، أهي مبالغة، أم سخرية يا ترى، وهو يقول لي:
إن مرت دورية لـ(الإخوة)، على حد وصفه، فأوقفهم، واطلب منهم أن يوصولك إلى حيث تريد.. ويقصد بـ(الإخوة)، المجاهدون!
فقلت له مستغرباً، وإبتسامة نصر ترتسم على وجهي :
(ماكو مشكلة يعني إن استعنت بهم للوصول إلى أي مكان)؟!
فرد عليّ مؤكداً إنه وحينما لا تتوفر السيارات، أو عند ندرتها، فإن الناس تلجأ إلى دوريات الدولة الإسلامية لتقوم بإيصالهم إلى وجهاتهم!!
شعرت بإبتسامة نصر، لأن هذه الإجابة كانت أولى الأجوبة التي جاءت كرد على أولى إستفهاماتي التي وضعتها، بعدما تغيرت خطتي بالكامل، والتي قررت على إثرها تغير وجهتي الإستكشافية داخل دولة الخلافة الإسلامية، حينما قررت سلك الطريق الذي يوصلني إلى (عدلت فآمنت فنمت)، فجلّ خوفي أن يكون (اهملت فتخبطت فخسرت)، فحينها لا مكان لي في هذه الدولة، بل وسأكون أول المحاربين لها، والداعين إلى زوالها، كما قال المتحدث باسمها الشيخ أبو محمد العدناني، يوم قال عنها وداعياً عليها: (إن كانت كانت هذه دولة خوارج، كما يصفونها، فاقصم اللهم ظهرها، ولا تقم لها قائمة)، وأما إن كانت كما عهدتها، فسأكون لها، كما كنت سابقاً، مناصراً، ومسانداً بقلمي، وبروحي وبدمي لو تطلب الأمر، حتى يظهر الله الحق، أو نهلك دونه!
وأنا أهم بالمسير نحو الفندق على اقدامي، سألت عامل المطعم نفسه عن قيمة الإجرة التي يتقاضاها سائق التاكسي إلى الفندق، فقد خشيت أن يستغلني أحدهم، كما تجري عليه العادة في كثير من بلداننا، التي تقوم على مبدأ إستغلال الظروف للحصول على القوت، فأجابني أن الأجرة ليلاً ونهاراً لا تزيد على الأربعة إلى الخمسة آلاف دينار عراقي، وقبل أن اتحرك بإتجاه الفندق توقفت على مقربة مني سيارة تاكسي، لينزل منها أحد الركاب، فسارعت للذهاب نحوها، فسألت سائقها إن كان يستطيع إيصالي إلى الفندق المقصود، فوافق دون تردد، وحينما سألته عن الإجرة مقدماً، ترك لي حرية تحديد المبلغ، ولأن هذه الكلمة مطاطية، وكثير منا يخشاها، حتى لا تصبح في نهاية المطاف أمام الأمر الواقع، فتدفع ما يريده السائق، شئت أم ابيت، لهذا فقد طلبت منه تحديد الإجرة قبل الذهاب معه، فقال لي:
ثلاثة آلاف دينار، وإن كنت أرى المبلغ كبيراً فسيقلني بلا مقابل، وأقسم على ذلك، فشكرته ووضعت حقيبتي على المقعد الخلفي وجلست بجانبه، وتحرك مباشرة بعدما قال لي:
مساك الله بالخير!
سِرنا نحو الفندق، وكان السائق يُكثر من الحديث عن كثافة الطيران هذه الليلة، ويخرج رأسه أحياناً من نافذة سيارته لينظر إلى السماء، رغم يقيني بإنه لا ولن يرى شيئاً، بعدما جاورت تلك الطائرات النجوم والقمر من شدة خوفها ورعبها من مضادات الطائرات التي تمتلكها الدولة الإسلامية، والتي اثبتت نجاعتها وفاعليتها، خصوصاً مع الطيران الشيعي والإيراني والعربي، فيما يطير بحذر الطيران الغربي وبإرتفاعات شاهقة، لأنه أكثر من يدرك معنى الوقوع بيد الدولة الإسلامية، فسقوط طيار واحد، كسقوط معاذ الكساسبة في يد الدولة الإسلامية، ويتم إحراقه بذات الطريقة، كفيل بأن يزيل عروش حكومات الغرب ويهدُّ أركان دولهم، لكن ما عسانا نقول لعروش عربية لا يهزها ولا يزلزلها إحراق جنودها وطياريها الذين ترسلهم لقصف المسلمين ولإحراق أطفالهم، فإن كان حرق جنود الحكومات العربية وطياريها لا يمنعها ولا يثنيها عن مواصلة استهداف أبناء جلدتهم من أهل السُنّة والجماعة، فحينها ليس للمسلمين الذين يُحرقون بصواريخ وطائرات الحكومات العميلة، وليس لجنود الإسلام الذين يسيرون على شرع الله، إلا أن يحرروا تلك البلدان من حكومات الرذيلة تلك، وإلا فلن يستقيم شرع الله بوجود هؤلاء الطواغيت، وما القادم من الإيام إلا سيراً على هذا النهج، بإذن الله تعالى، وتصميم على ما عزم عليه الرجال الرجال!
كان السائق يقول لي، وهو ينظر إلى السماء من شباك سيارته:
اليوم الجماعة (ماخوذين)!
أي إنهم كالكلب، حينما تدوس على ذنبه، بحسب هوى تفسيري للمفردة!
قلت له:
ولمَ.. ما السبب يا ترى!؟
رد عليّ:
حينما تراهم يملئون السماء فأعلم إنهم (ينسحلون) على الأرض!
إكتفيت بالقول:
بإذن الله، في حين كانت عيني تراقب وتستطلع الطريق من جانبيه.. كم تمنيت أن يكون سيري في الموصل نهاراً، فلكم اشتقت إلى كل ركن وزاوية فيها، ومع إن الإسوداد كان يحيط بكثير من زوايا الطريق، إلا إنني كنت أتلمس جمالها حتى عبر الظلام..!
وصلنا إلى أحد الجسور، فدخل سائق التاكسي بصورة معاكسة، فهذا الجسر للأياب وليس للذهاب، وما كنت اُميز ذلك لولا أن السائق نفسه أخبرني بذلك، فقلت له ألا تخشى أن يستوقفك أحد، فرد عليّ:
لا زالت هناك بعض المخالفات التي ما زلنا متمسكين بها.. يعني تستطيع القول (شوي شوي نتغير)، أي خطوة خطوة، وبالتدريج، ثم اعقبها بضحكة قائلاً:
تعرفُ طبع العراقيين!
ولأنني أعرف طبع قومي فما وجدت ذلك غريباً، لكني قلت له:
وماذا لو إستوقفك أحد رجال الشرطة الإسلامية، فرد عليّ ممازحاً بالقول:
سأقول لهم: أخوكم كردي.. ثم اعقبها هذه المرة بضحكة طويلة!
وهذا الرد هو في سياق النكت الساخرة بين العرب والأكراد، التي تعايشنا معها منذ صغرنا، فأهلنا الأكراد يمطرون إخوتهم العرب بكتب من النكات والدعابات الساخرة، فيرد لهم العرب الصاع صاعين من النكات، فيقلب الأكراد على العرب الطاولة بنكات أخرى مستحدثة، وحرب الدعابات والنكات هذه لا تنتهي لإنها من الموروث عند الطرفين، والذي لا يمكن الإستغناء عنه، إلا في حال تخلى الكرد عن كرديتهم، أو تخلى العرب عن عروبتهم، وهو ما لن يكون!
على الجسر أبصرت بناية كبيرة، تنتصب على حافة دجلة، نورها يشد الأبصار من بعيد، وكإنها فنار تهتدي به السفن، فسألت السائق عن هوية هذا البناء، فقال لي إنه بناية الفندق الذي اقصده.. شعرت حينها بنوع من الإرتياح، وبنفس الوقت من الخوف، فلربما يكون المبيت في هذا الفندق فوق طاقتي المادية، فكما ما يبدو عليه إنه فخم، وغالي الثمن، ولا أدري ما يخبئه لي الزمن إن صرفت ما بجيبي من أول لحظة وصولي إلى هذه المدينة، التي لا يزال الغموض يكتنف كثيراً من أركانها في ظل الخلافة نتيجة تعتيم الإعلام المعادي!
ما هي سوى دقائق حتى وصلت إلى الفندق، ودلني السائق على الباب، وقال لي:
إن كان الباب مغلقاً فهناك جرس بجوار الباب أضغط عليه وسيفتحون لك الباب حالاً..!
شكرته على كلماته، التي شاركته في كثير منها الضحك، واستغربت لهذه الروح الخفيفة التي يمتلكها، والتي بددت ما اشاعه الإعلام المعادي والمضلل من أن أبناء الموصل يعيشون في كمدٍ وخوفٍ ورعبٍ وحزنٍ لا يعرف به إلا الله والراسخون في العلم، وأن الفرح قد غادرهم والإبتسامة فارقت مضاربهم منذ أن حررت الدولة الإسلامية أرض الموصل من الاحتلال الشيعي والكردي لها، وكأن الشيعة الرافضة وعلمانيي الكُرد هم من كانوا يزرعون البسمة على شفاه الأطفال، وليسوا السالبين!!
المارة والسابلة في الشارع يكاد ينعدم وجودهم في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وحركة السيارات في الشوارع باتت ضعيفة، بل وضعيفة جداً، والهدوء يخيم على المكان ولا يقطع سكونه إلا صوت مولد كهربائي ضخم بجوار بناية الفندق، فضلاً عن أصوات الطائرات التي لا تغادر أبداً سماء الموصل!
امسكت الباب بيدي فوجدته مفتوحاً، فدخلت، واجهني سلم دائري أخذت درجاته بخطوات، واحدة أثقل من الأخرى، بعدما خاب أملي في قضاء ليلتي الأولى مع المجاهدين، فما أجمل لو إنني قضيت ليلة رأس السنة هذه بصحبتهم!
إنتهى السلم عند قاعة تتوسطها دعامة، وبجوار الدعامة حائط مستدير من الرخام ليشكل طاولة على شكل نصف دائرة، يضم جزء منها أجهزة كومبيوتر، وجهاز استنساخ..!
القيت على موظف الأستقبال السلام، ثم بادرت إلى وضع حقائبي على كنبة تقابل طاولة الإستقبال من زاوية أخرى..
يتبع تكلمة الحلقة الرابعة

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الخميس أبريل 30, 2015 1:32 am

كنت اتأوه وأنا أضع الحقيبة من شدة التعب والنصب الذي اصابني، فأسمعني موظف الإستقبال رده على السلام، ثم حمد الله على سلامتي!
وقفت أمامه، وضعت يداي على الحائط المرتفع، رميت بحمل جسدي على يداي اللتين أثنيتهما على طاولة الرخام!
كان موظف الشاب العشريني أو الثلاثيني، أو بين هذا العقد وذاك، أنيقاً، يضع نظارات، هي ربما للقراءة، أو لمشاهدة التلفزيون، كان يستكمل الحديث مع أحد الأشخاص ممن كانوا على حافة الطاولة بعيداً عن الطرف الذي كنت أقف بجواره، ولم تمضِ سوى بضعة ثوان حتى تفرغ لي، فقال لي مرحباً تفضل:
قلت: هل لديك غرفة فارغة؟!
فرد بالإيجاب.. لكنه أضاف بعد ذلك أن هناك مشكلة في هذا الأمر!
سألته عن المشكلة، فقال لي:
أن التعليمات تفرض عليه عدم إستقبال الزبائن العراقيين بعد الساعة العاشرة مساءً، وأن الساعة الآن شارفت على الثانية عشر!
فقلت له، وأين المشكلة في ذلك؟! أنت تتحدث عن العراقيين وانا لست عراقي!!
فضحك ضحكة بارزة، فلهجتي التي هي أقرب للبدوية، كما يصفها البعض من زملائي وأصدقائي، لا توحي على الإطلاق إنني أجنبياً، بل عراقي (خط ونخلة وفسفورة)، كما يقول أبناء العراق، و(خط ونخلة وفسفورة) كنا نطلقها على الأموال غير المزورة في زمن قبل الاحتلال، ثم انسحبت هذه التسمية من الأموال إلى كل ماهو (أصلي) بعدما أصبح ما حولنا كله مطلياً ومزوراً، حتى النخوة العربية التي كان يعوّل عليها البعض بوقوف العرب إلى جانبنا في حرب أميركا ضدنا، إذ أصبحت نخوة الحكومات العربية هي أبرز الأسلحة التي استخدمتها اميركا لحرقنا وإبادتنا، بالتعاون مع النخوة الشيعية المجوسية، والكردية المشهورة بعدائها للعرب، وسط لا حول ولا قوة للشعوب العربية والإسلامية المقهورة!
استخرجت جواز سفري الأجنبي ووضعته على الطاولة أمام موظف الأستقبال، وحينما تناوله بيده وفتحه قال لي:
(والله ظننتك تتشاقى)، أي ظننتك تمزح معي حينما قلت إنك أجنبي!
لم أرد عليه، بل تركته يقوم بإجراءات الحجز، فرغم أن الجواز قد حل لي مشكلتي، إلا إنني لا زلت انظر إليه على إنه لا يخصني ولا يمثلني، بعدما شعرت بفقدانه لقيمته ما أن وطئت قدمي أرض الخلافة!
أنتهى موظف الأستقبال من أجراءات حجز الغرفة، وسألته بعد أن انتهى من إستنساخ جواز سفري، وتثبيت الاسم في سجلات الفندق، عن سعر الليلة الواحدة في الفندق، كي أدفع له المال، فأعطاني وصل الحجز وقد كتب فيه خمس وثلاثون ألف دينار فقط، وهو ما يعادل تقريباً خمس وعشرين بالعملة الأوربية اليورو، وهو ما لم اتوقعه، فقد ظننت أن يكون سعر الليلة الواحدة في مثل هذا الفندق ما يقرب المائة يورو، لكنها الموصل، التي يتبدد فيها الوهم ويصبح حقيقة ما أن تلامس قدمك أرض مدينتها الحدباء، ذات الربيعين!
أعطيته المبلغ الذي كنت أراه زهيداً جداً مقارنة بما أراه، على الأقل من بناية وإنارة ونظافة، حتى خشيت أنه أعطاني سريراً في غرفة مشتركة مع آخرين، وهو ما لا أريده، ما جعلني استفسر عن هذا الأمر، إن كانت غرفة مستقلة، أم سرير بغرفة مشتركة، فابتسم لي وقال لي، بل غرفة يا اُستاذ، ثم نادى على شاب، لم يبلغ العشرين من العمر بعد، ليحمل أغراضي نيابة عني، فاكتفيت بالطلب منه حمل الحقيبة فقط، و(ستاند) الكاميرا الذي كان مربوطاً بالحقيبة من الخلف، فيما حملت اللابتوب والكاميرا بنفسي، وقبل أن نتجه إلى المصعد وأغادر قاعة الأستقبال خاطبني موظف الأستقبال بالقول:
اُستاذ، إن لم تعجبك الغرفة نستطيع أن نغيرها لك!
شكرته، ثم استقليت، مع الشاب، المصعد حتى الطابق الرابع، حيث فُتح باب المصعد على ممر ليس بالضيق، وليس بالواسع، وقبل نهايته من جهة اليمين كانت هناك غرفة، فتحها الشاب ودخل قبلي، ثم تبعته!
كانت الغرفة مفاجئة بالنسبة لي، فهي، وكما يصف والدي مثل هذه الحالات (تطارد فيها الخيل)، كناية إلى مساحتها الكبيرة، فقد كانت عبارة عن صالة واسعة مجهزة بتلفزيون يحوي جميع القنوات، بينها الرياضية المشفرة، ومن الصالة يتم الدخول إلى غرفة نوم مستقلة، تحوي ثلاثة أسرّة، مجهزة بفرش جميل، مع خزانة ملابس خشبية كبيرة، إلى جانب عدة حلاقة لمن يرغب، وفرشاة أسنان ومعجونها، وكل ما يتطلبه حال المسافر وعابر السبيل.. وإلى جوار الصالة كان هناك حمام مستقل، تم بناؤه على الطريقة الموصلّية، من الرخام، ومجهزاً بالمناشف الناصعة البياض، والدخول إليه يكون بعد إنتعال ما نسميه بـ(القبقاب)، وهو الحذاء الخشبي الذي يستخدم في الحمامات الموصلية العامة التي تنتشر في أحياء الموصل!
شكرت الشاب الصغير، ومنحته بقشيشاً، ولا أعرف إن كانت هذه العادة سارية هنا أم لا، خصوصاً إنه لم يطلب مني ذلك، لكني بادرت لذلك بحكم معرفتي بطبيعة العمل في الفنادق العراقية خصوصاً، والعربية منها بشكل عام، ولأنني صراحة أردت اكرامه، كعرفاناً ورداً للجميل، لما اكرمني به (المصالوة)، كما نسميهم في لهجتنا العراقية!
قبل أي شيء سارعت إلى فتح الشباك لعلني احظى بمنظر يشرف على مدينة الجهاد، الموصل الحدباء، خصوصاً إنني الآن في أعلى نقطة يمكن لي من خلالها إستشكاف المدينة!
كان الهدوء يخيم على كل شيء، ولم أكن أرى من ذلك المرتفع، (الطابق الرابع)، سوى مصابيح هنا، وأخرى هناك على مدّ البصر، بعدما توقفت المولدات الأهلية عن تزويد الناس بالكهرباء كوننا كنا في ساعة متأخرة، ومن عادة المولدات الكهربائية تجهيز المواطنين بالكهرباء لغاية الساعة الثانية عشر مساء، أو قبل ذلك بساعة في بعض المناطق، بحسب إتفاق أصحاب المولدات مع أهالي تلك المناطق، تحت إشراف مباشر من الدولة الإسلامية، التي هي من تتكفل بالمحافظة على ثبات الأسعار المعقولة، وعدد ساعات تجهيز الكهرباء، فضلاً عن التكفل بتأمين الوقود للمولدات..
عدت وأغلقت الشباك، على أمل أن استمتع بالمناظر في صباح اليوم التالي، فيما سارعت، بعد حمام سريع، إلى إداء صلاة المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، كوني على سفر، انهيتهما بحمد الله وشكره على ما انعم به عليّ، وقرّ عيني بالوصول إلى أرض الخلافة، والسير على ثراها الطاهر، ثم جلست بعد ذاك اُشاهد القنوات التلفزيونية، وما يجري في ليلة آخر السنة، فوجدت أن جميع القنوات قد إنقسم حالها بين أمرين لا ثالث لهما:
القسم الأول من القنوات يغطي إحتفالات رأس السنة في مختلف انحاء العالم، وتتسابق هذه القنوات أيهما يغطي بشكل أسرع وأشمل تلك الاحتفالات، فلاحظت أن العرب كانوا أكثر إهتماماً بها من النصارى أنفسهم!
أما القسم الثاني، وتتزعمهم قناة (العربية) وقناة (الحدث) السعوديتان، فضلاً عن القنوات الشيعية الرافضية، والتي يتجاوز عددها المائة ويزيد، فقد خصصت سهرتها في ليلة رأس السنة للطعن بالمجاهدين والنيل من الدولة الإسلامية، والتغني بإنتصارات بني مجوس الوهمية في سوح الجهاد العراقية والشامية، ومن بينها الحديث عن معارك (تحرير) مدينة الگيارة والسيطرة على جسرها الرئيس، الگيارة التي مررت بها قبيل سويعات فوجدت فرسانها رجال الدولة الإسلامية يحكمون السيطرة عليها بقبضة جهادية حديدية، فأدركت حجم الإنحلال الإخلاقي لإعلام اليوم وبؤسه، وعلى رأسهم قناة (العربية)، التي توهمنا بإنها من تعرف أكثر، وهي لا تعرف شيئاً على الإطلاق، أو أنها تعرف، لكنها تحاول خداعنا، مع إنني اُرجح الثانية، فهذه النبتة الخبيثة، التي ولدت من نطفة حرام بعد الاحتلال الأميركي للعراق، إنما هي حصيلة زواج متعة أب خليجي (معس)، من أم شيعية مجوسية (إيران)، قبل أن تنجب للمتعوسين أخيراً قناة (الحدث)، التي فاقت في العهر اُمها، مثلما فاقت في الدياثة أباها!
أغلقت التلفاز، لإن صدمة كبرى تلك التي يكتشفها من رأى الحق بعينيه ثم يجد أبناء مهنته من الإعلاميين يزوّرون كل شيء، حتى الحقيقة التي لا يمكن تزويرها، وكنت أتساءل، ألا يعلم هؤلاء أن هناك اُناس يعلمون الحق ممن يسكنون ويقطنون في تلك المدن التي يصرّون على إنها اُستردت من قبضة الدولة الإسلامية، وأنها اليوم بيد هذا الطرف الشيعي الزنديق، أو ذاك الطرف الكردي الخسيس، في حين أن تلك المدن لا تزال تحت سيطرة رجال الخلافة الإسلامية، تساءلت، ترى كيف لهم أن يكذبوا لهذه الدرجة القبيحة التي لا يمكن فيها الكذب وإخفاء الحقائق، ألا يعرفوا أن الناس يعلمون بكذبهم، لكنها يا سادة نقطة الحياء التي سقطت من جبين حتى الطير الذي يمر من فوق مباني مثل هذه القنوات المريضة الموبوءة بكل ما هو دنيء ووضيع!
لجأت إلى الفراش واستلقيت على السرير، فيما كانت عيناي تتجول ما بين السقف والمراوح والجدران، وكإنني غير مصدق إنني في الموصل التي يقال عنها أنها مدينة الخراب والدمار، ثم أطوف بنظري إلى جهاز التدفئة الـ(سبلت) وهو يضطرني للنوم بلا غطاء في ليلة رأس السنة الباردة، وأقول لنفسي:
كيف يقولون عن مدينة حية هكذا إنها في عداد الأموات!؟
غلبني النعاس من شدة ما مررت به من أحداث لا تتكرر في حياتي بتلك السهولة، فأن تجد نفسك في أرض الخلافة، بعد هجرة إليها من مسافة آلاف الكيلومترات، أمتدت لليال وأيام طوال، ومعاناة تكاد تصل لدرجة القتل غيلاً، أو الإعتقال لأيام أطول من تلك التي إعتقلت فيها على الطريق والحدود، ثم ينتهي بك الحال في أرض الأحلام التي قصدتها، فإن ذلك والله لفي قاموسي حلم بعيد المنال، لكنه هاهنا الآن يتحقق ليصبح واقع ملموس، بعدما وصلت إلى أرض الجهاد، وأي أرض، أرض الموصل الحدباء التي لقنت المجوس درساً لن ينسوه على مرّ العصور، بل ومنحت كل مدارس العسكر والأركان مناهج جديدة ستظل تُدرّس في أكاديمياتها حتى يرث الله الأرض ومن عليها..!
ومن وسط نوم عميق استفقت لأجد نفسي وسط ظلام لم أرَ اشد منه عتمة في حياتي، فلا كهرباء، ولا نور، ولا أي شيء يشعرك بأنك حي، غير أنفاسي التي أخذت تعلو بعدما شعرت برعب كبير..!
لم أكن اخشى الظلام من قبل، ولم اخشاه يوماً، بل إني كنت ولا زلت اعدّه لي رفيقاً، بل وعالماً مستقلاً خاب وخسر من لا يستأنس برفقته، لكن ما ارعبني حد الجنون أن يأتي النور فجأة، أو احصل على الضياء، فأكتشف إنني في غرفتي في أقصى شمال أوربا، وأن كل ما مررت به ليس سوى طيف مرّ بي، أو حلم جميل..!
يا الله، أيعقل أن يكون ما أنا فيه الآن ليس سوى كابوساً، كيف..!! إني أتذكر إنني سرت في طريق، بل طرقات، وركبت طائرات، وقطعت مسافة أيام بالسيارات، واحتضنت المجاهدين واحتضنوني، وقبّلت رؤوسهم وقبّلوني، وتناولت طعامهم، نعم تناولت طعامهم، وكان كباباً موصلياً، وهاهو طعمه لا يزال في أنفاسي قبل فمي، ووصلت إلى فندق وو..!!
يا الله أيعقل أن كل هذا كان حلماً لا غير، وماذا افعل أن تبين أن كل ما مررت به ليس سوى وهم.. قفزت كالمجنون، ابحث عن الشباك لأتأكد، ولأثبت لنفسي إنني هنا، هنا في الموصل، وليس في بيتي بأوربا، قفزت مذعوراً نحو جهة الشباك، سقطت بين سريرين، نهضت، ثم قفزت ثانية فسقطت على حافة السرير الثالث، لم أكن أدري أين كنت أنام بالضبط، فأصبح حالي ككرة تتقاذفها الأقدام، يتلقفني سرير هنا، ويردني سرير هناك، ودارت بي الأرض ولم أعد أدري أين الشباك من الباب، وكنت كلما ظننت إنني وصلت إلى نافذة الشباك اكتشف ضعف ذاكرتي بعدما اُمسك بشيء آخر!
وبعد دقائق طويلة، رأيتها كشوطي مباراة نهائية في دوري عالمي ينال فيه السرير الفائز جائزة كبرى لما يحدثه بي من أضرار وكدمات وجروح، فلم اشعر إلا ويدي تقع على الشباك، فحمدت الله، لكني وما أن فتحت الشباك حتى وجدت أن الظلام قد إزداد، فاكفهر وجهي الذي يغشيه السواد، إذ تبين لاحقاً أن هذه ليست سوى النافذة التي كانت تفصل غرفة النوم عن الصالة الرئيسية.. حاولت إمساك الجدار والسير معه، فظهر لي إنني امسكت، في نهاية مطاف سيري، بخزانة الملابس الخشبية، التي تقع تماماً في الجهة الأخرى من غرفة النوم، والمقابلة لنافذة كنت أحاول الأمساك بها بطريقة إمساك الماء بغربال..!
عدت ادراجي وقصدت الجهة الأخرى حتى يسر الله لي، بعد عثرة هنا، ودحرجة هناك من الوصول إلى النافذة، التي ولولا دخول تيار هوائي بارد منها بعد فتحها، لما عرفت إنني اُطل على مدينة الموصل، بعدما انطفأت حتى المصابيح التي كانت متناثرة هنا وهناك خارج الفندق، والتي ابصرتها آخر الليل.. تذكرت حينها هاتفي، فوجدت فيه حبل النجاة للتأكد من إنني هنا، وليس في مكان آخر، وبعد جولة بحث امتدت لقرابة الربع ساعة تمكنت من العثور على هاتفي الذي لم استخدمه لإنارة المكان، بل للتيقن من إنني في فندق في الموصل، وإنني لم أكن في حلم ووهم وخيال!
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً بقليل حينما استيقظت لأعيش كابوس الوهم هذا، وبعد الإنتهاء منه، وتأكدي إنني هنا بالفعل في أرض الخلافة، حاولت العودة إلى النوم ولكن دون جدوى، فما أشد رعب أن افقد ما أنا فيه، حتى ولو عبر حلم ووهم وكابوس، فكيف لمن يسر الله له دخول الجنان أن يفكر بالعودة إلى النيران، فحياتي خارج أرض الخلافة، مهما بلغ عظيم شأنها، ورغد عيشها، وطيب ثراها لا تعدل عندي لحظة واحدة أقضيها فوق أرض، وتحت سماء يحكمها شرع الله حقاً، وحراس حدودها وعقيدتها اُسود جهاد، وخليفتها، إن رأيناه قد حاد عن الدين، لا سمح الله، خرجنا عليه بالسيوف وقوّمناه!
أقبل الفجر، وغزل الصباح من خيوطه سجادة موصلّية، وكبّر المنادي أن الصلاة خير من النوم، فوددت الرد عليه من نافذتي لأقول له: ومن أين لي النوم وأنا اترقب أول صباح لي في أرض الخلافة، فلبيت النداء، وصليت، ثم تجهزت لمنظر شروق الشمس، فخذلتني الشمس مجبرة، بعدما غطتها سحب الغيوم، التي شكلت عازلاً بين جنود الرحمن وبين طائرات الحلف (الغربي – العربي – الإيراني)، التي حيدتها ملائكة السماء، كيف لا، ولله جنود لا نراها، تقاتل مع خندق الحق ضد جمع الأحزاب..!
تسمّرت عند نافذتي وأنا أرى أولى ملامح الحياة تدب بعد ليل طويل، لم أذق من ساعات نومه إلا النزر اليسير، حيث بدأت جموع الناس تملئ الشوارع والأزقة والطرق الخلفية والحارات، أصحاب المحال فتحوا ابوابهم، أصحاب (الچنابر) و(البسطيات) إفترشوا الأرض، والمتبضعين شكلوا كتلاً بشرية تزدحم في هذا الشارع وذاك، والسيارات من ضخامة اعدادها ما عادت تتسع لها الشوارع، وتبدل هدوء الموصل إلى ضجيج يصمُّ الآذان، فهذا ينادي على خضرته، وذاك يمازح صاحبه، وثالث يبيع حلوياته، وآخر يُبشر بمستقبل من تذوق مشروباته الغازية، وموقف السيارات الذي قبالة الفندق أصوات سائقي سيارات إجرته يهز صداها أرجاء المكان، وكل واحد منهم ينادي باسماء المناطق التي يعملون على خطوطها!
نعم، هذه هي الموصل التي أعرف، مدينة حية، لا تعرف الموت، ولا تعرف الهدوء، ولا تعرف الخمول، الموصل التي هي عصب إقتصاد العراق كله، فمنها تتغذى بغداد، وعبرها بضاعة العراق كله تتوزع، واليوم تمارس ذات الدور بسيطرتها على مفاصل إقتصاد دولة الخلافة الإسلامية، وها هي أسواقها، رغم الحصار (الشيعي - الكردي)، غارقة بمختلف أنواع البضائع والمنتوجات والخضار والفاكهة!
سارعت إلى إرتداء ملابسي، وحملت حقيبتي ،وبقية أغراضي، واتجهت إلى صالة الإستقبال في الفندق، وقبل أن اُسلّم المفتاح سألت موظف الإستقبال عن مكان اُصرّف فيه العملة، فما معي من العملة العراقية يكاد ينفذ، وليس معي سوى عملة اليورو، فخشيت أن لا أجد من يتعامل بها في دولة يحاصرها الغرب والشرق، فضحك موظف الأستقبال وقال لي:
هنا كل شيء موجود، ليس اليورو فقط، بل أي عملة ترغب في تغيرها فستجد بباب فندقنا فقط، وبجواره عشرات مكاتب الصيرفة، التي ترحب بك!
سرّني كلام موظف الأستقبال لإنني اُدرك أن الإقتصاد يرتكز عموده على العملة الصعبة لأي بلد، وهي مقياس التضخم في هذا العالم الرأسمالي الذي يحكمنا ظلماً وعنوة!
سلمت مفتاح الغرفة إلى موظف إدارة الفندق، ولم أبلغه حتى سبب عدم تنبيهي إلى قطع التيار الكهربائي وإطفاء المولد ليلاً، فقد كنت في عجلة من أمري لأقوم بجولة في أسواق (حبيبتي) التي مزّقني الشوق إلى شوارعها المفعمة بالحياة، فغادرته بعد السلام، وما هي سوى دُريجات سلم حتى وجدت نفسي في قلب الزحام، أمام باب الفندق، فأخذت أسير وأتلفت شمالاً ويميناً، وقطرات خفيفة من أمطار الخير تنهال من السماء لتزيد من جمال جو الموصل الآخاذ جمالاً، وتزيده سحراً!
كنت جائعاً وأرغب في تناول فطور الصباح، أو كما نسميه بالعراقي (الريوگ)، لكنني ومن شدة فرحي بهذه المناظر، وهذه الحركة الكثيفة للناس قد شبعت، وكنت اتساءل مع نفسي، كيف يقول هؤلاء الأفاكين أن الموصل قد فرغت من سكانها!!
الآن قد فهمت المعادلة، فعلى ما يبدو أن من غادر الموصل وتركها إنما هو من أجرم بحق أهلها، وخشيّ على نفسه من العاقبة بعد التحرير من الشيعة والكرد، ويقيناً أن هؤلاء الفارين كانوا من الخونة والمرتدين والعملاء والأذناب..
أو أنه ممن رفض العيش تحت ظلال دولة العدل الألهي، وبدستور الإسلام الذي كفل لكل من عاش تحت كنفه حقه في العيش والحياة من الديانات الأخرى، وما الوثيقة العمرية إلا خير شاهد على عدالة الإسلام التي لا يريد أن يخضع لبنودها ألد الخصام..!
فيما ينفطر قلبي على من غادر مدينته الجميلة طوعاً تحت ضغط الإعلام الشيعي – الرافضي – الإيراني – الكردي – الخليجي، الذي يهدد ويتوعد بإبادة وتطهير الموصل من أهلها، أبناء السُنّة والجماعة، ولكن خاب وخسيء فأل من هدد وتوعد، فما رأيته في الحدباء يجعلني على يقين وثقة بالله أن الموصل أبداً لن تعود لأحضان رافضية أو سلطة كردية!
فجأة، وبدون مقدمات قررت إنهاء جولتي في السوق، فما رأيته في دقائق أثلج صدري وأجاب على كل إستفهاماتي وزادني إطمئناناً على الجانب الإقتصادي للدولة الإسلامية، فحينما تكون الموصل عامرة هكذا بسكانها وبأسواقها فبقية مدن الخلافة لن تكون إلا بخير، فحينما يكون القلب سليماً فأعلم أن الجسد معافى، مهما كثرت الميكروبات والجراثيم من حوله..!
قررت المضي قُدماً في البحث عن إجابة لذاك السؤال، الذي بقي عالقاً في ذهني، راسخاً في عقلي، والذي عززه الآن هذه الكثافة البشرية التي تملئ أسواق وطرقات الموصل، فكيف يترك رجال الشرطة الإسلامية سيارتهم على قارعة الطريق ومفتاحها فيها، لتكون محل سيلان لعاب أي سارق عليها، فإن كان إهمالاً فسأجد إجابته عند القضاء، وإن كان أماناً فساجد إجابته عند القضاء كذلك، من هنا كان قراري في أن تكون وجهتي التالية هي دار القضاء، فإن صلح العدل والقضاء ساد الأمن والرخاء، وأن فسد القضاء تفشى المرض والوباء والأهمال، نعم، فعند القضاء الخبر اليقين، فهو من سيجعلني اُكمل رحلتي في دولة العدل لأعيش في ظلال رحابها وأخدمها، وأفديها بروحي، أو أهرب مد البصر من ظلمها وجورها وفسادها!
وقفت على ناصية الطريق، لأستأجر سيارة، وقبل أن اُلوح بيدي، انتظرت قليلاً، فلا أريد أن استقل سيارة حديثة، بل كنت أبحث عن سيارة، ليست تكسي أولاً، بل خصوصي، وتكون قديمة ثانية، لأن مثل هؤلاء يصعب عليهم منافسة التكسيات الحديثة التي كانت تملء الشوارع، وبعد دقائق إنتظار، أنار لي أحد أصحاب السيارات الخصوصي مصابيحه الأمامية، كدلالة عندنا من السائق في العراق ليقول إنني أعمل تاكسي، وإن لم يكن تاكسي، وكانت سيارته قديمة الطراز، لم اُركز على نوعها، لكني أظنها (سبعينية) أو (ثمانينية) الموديل، أشرت لصاحبها الخمسيني العمر، فتوقف..
سلمت عليه أولاً.. فأجابني بالرد العراقي الشهير:
عليكم السلام أغاتي..
سألته أن ياخذني للمحكمة، فرد على سؤالي بسؤال:
أي محكمة عيني..؟!
حينها رفعت رأسي قليلاً لأفكر، قبل أن أعود وأخفضه من زجاج السيارة ثانية، لأسمعه ويسمعني، من شدة الضوضاء التي تجعلنا نتحدث بصوت عالٍ:
لا أدري، أريد أكبر محكمة في الموصل.. هكذا اجبته، إذ لم أكن ابحث عن محكمة بعينها، لكني أبحث عن دار القضاء، وكنت لا أعرف أي تسمية يطلق أبناء الموصل على قضائهم الجديد، فأجابني واعداً إياي بإيصالي لمبتغاي:
ماشي، سأوصلك للمحكمة الكبرى!
احسست إن هذا ما كنت ابحث عنه فقلت له:
وهو المطلوب..!
صعدت مباشرة معه، دون أن اسأله كم سيتقاضى مني، إذ لم يعد يهمني حينها ما سيطلبه مني، فقد أصبحتُ، أريد، وبأي ثمن، الحصول على إجابة لتساؤلاتي!
إنطلق سائق التاكسي وسط زحام شديد، وراح يراوغ بين السيارات، ليثبت لي ربما، إنني لن اندم على إستئجاري سيارة قديمة، فطلبت منه التروي قليلاً، إذ ابلغته إنني لست في عجلة من أمري، ربما لإني أريد أن أتامل الطرقات، وما نمر به بسيارتنا، ذات الموديل النادر من فرط قدمها، فراح السائق يؤكد لي أن هذه محاولات للتخلص من الزحام ليس إلا!
ركزت على الطريق، بالفعل كان الزحام على أشده، خصوصاً على الجسر الذي قطعناه، وأعداد السيارات لا توحي لك على الإطلاق أن هناك أزمة في الوقود، كما هو حال باقي مدن العراق، التي لم تتمدد إليها الدولة الإسلامية بعد، وهذا كان مدخل أول أسئلتي للسائق، حيث سألته عن حال وأسعار وقود السيارات، فأكد لي أن ثمنه مناسب، مقارنة بمحافظات أخرى، وهو ما دفعني لتوجيه السؤال الثاني، والذي جعلته في ذات السياق، من أين مصادر الوقود، ولماذا هي مناسبة مقارنة بغيرها من مدن العراق، فكشف لي أن المصافي البدائية التي لجأت إليها دولة الخلافة حلت جزءاً كبيراً من الأزمة، سواء بالنسبة للنفط، أو البنزين، أو الكاز، حيث باتت هذه المنتجات الثلاثة متوفرة بكثافة نتيجة عمل (الفرازات)، كما يطلق عليها، والمنتشرة في مختلف انحاء الموصل، بالإعتماد على النفط الخام الذي توفره الدولة الإسلامية لتلك المصافي البدائية، سواء التابعة للدولة الإسلامية، أو الأهلية منها، إلى جانب تأكيد السائق على عمليات إستيراد من ولايات أخرى من الشام، أو من خارج حدود دولة الخلافة لبنزين محسن بأسعار أعلى قليلاً!
وقبل أن أواصل اسألتي بادرني السائق بالقول:
يبدو أنك (خطار) على الموصل، أي ضيفاً عليها.. ثم استطرد:
واضح عليك أجنبي، وشكلك لا يوحي بإنك من أهل الموصل!
الحق أقول إنني امتعضت في داخلي حينها من سؤاله، كوني، ورغم سنين الغربة، أحاول أن تبقى هيأتي شرقية، بل وبدوية حد النخاع، وأن لا اتطبّع بمن حولي، ما جعلني اجيبه وداخلي يغلي:
وهل شعري أشقر وعيناي زرقاوان!؟
فرد علي بصيغة الإعتذار:
لا عفواً، ولكن ما أعنيه معك حقائب، واسئلتك لا توحي بأنك من أهل الموصل!
تذكرت حينها إننا، هنا في بلادنا، كثيراً ما نشير إلى الغريب بإنه (أجنبي)، لمجرد كونه من محافظة أو مدينة أخرى، فهدئ روعي قليلاً، قبل أن اُمازحه بإجابتي:
نعم أنا أجنبي من الأنبار!
فضحكنا سوية، وسرعان ما بادرني بسؤال آخر عن سبب مجيئي إلى الموصل، فأبلغته بإنني (صحافي)، واكتفيت بهذه الإجابة المقتضبة، التي جعلته يستدير نحوي لولا المقود والمقعد اللذين يقيدانه، حيث سألني مستغرباً:
وأين تعمل؟!
أجبته بإنني صحافي مستقل، وكنت أعمل يوماً في الموصل كمراسل لعدد من القنوات، وذكّرته بتقارير خاصة بالموصل، كنت قد عرضتها في عدد من القنوات، فتذكر بعض من تلك التقارير، وقبل أن نستكمل حديثنا توقف بجانب إحدى البنايات قائلاً لي:
هذه هي المحكمة الكبرى يا اُستاذ!
سكنتُ للحظات، وبقيت أتأمل في واجهة البناء الذي تعلوه الراية المحمدية.. كُتبَ على الواجهة: (المحكمة الإسلامية).. انقبض صدري، قلبي أخذ ينبض بشدة من شدة الفرحة التي كتمتها بداخلي، فهاهي أولى مؤسسات دولة الخلافة التي أراها، يا لتحقق الحلم، يا لفخامة الإسم، (المحكمة الإسلامية)، ويا لجماله، ويا لبلاغته، لكن بقي شيء واحد يجب أن استشكفه وهو ما أنا هنا لأجله وهو: (يا لعدالته)، فهنا مربط الفرس كما يقال، فعند الإمتحان يُكرم المرء أو يهان، وعند العدالة تنهدم صروح أو تُقام!
وضعت في يد السائق خمسة آلاف دينار، حاول أن يعيد لي منها شيئاً، فرفضت، ثم شكرته وأنا أترجل، وقبل أن يغادرني، وكلمات الدعاء لا تفارق شفتيه، سألني آخر أسئلته:
يا اُستاذ، حينما أعود لعيالي سأقول لهم إنني التقيت بصحافي هذا اليوم وركب معي.. فمن أنت لأخبرهم باسمك!
أجبته بإبتسامة:
حسين المعاضيدي!
غادر السائق، فيما وضعت حقيبتي على ظهري، والتقطت كاميرتي وحاسوبي من على الأرض بعدما أنزلتهم من السيارة فرادى، وحينما التفت إلى جانبي وجدت لوحة عرض إعلاني ضخمة بجواري، طولها يتجاوز الأربعة أمتار، وارتفاعها بحدود الثلاثة أمتار، محمولة على أعمدة حديدية، تحمل صورة لجندي من جيش الخلافة وهو يدوس بقدمه مجموعة كتب، تمثل الدساتير الوضعية، في بلاغ صريح،وفصاحة ما بعدها فصاحة، لا خجل فيها، ولا مداهنة، ولا مواربة، في أن شرع الله هو من يُقام، ولو على الجماجم والأشلاء، وبقوة الحديد والرصاص والنار، فلا حكم يسود غير دستور الله، ولا صوت يعلو فوق صوت الخلافة!

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  ابو فارس في الخميس أبريل 30, 2015 1:51 am

تذكرت هذا الكتاب
هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي 18140

ابو فارس
موقوووووووف

عدد المساهمات : 532
تاريخ التسجيل : 19/09/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الخميس أبريل 30, 2015 2:45 am

شتان بين من شهد بلسانه، ومن يشهد بناء على شهادة غيره...

لسنا من يحيل الناس لقراءة قصص ألف ليلة وليلة، بل لقراءة الواقع بعيداً عن التلقين بالبحث والتقصي، ولتقرأ هذه الشهادات لتدرك أن هناك حقيقة يحاول إخفائها، ونريدهم أن يبحثوا لما طوردت حسابات الصحفي حسين المعاضيدي، وألغيت من توتير وفيس بوك، بعد أن بدأ بنشر شهادته عن الدولة الإسلامية!!!!!
وكذلك النظر في شهادات الأطراف المحايدة التي زارت الموصل وأصدرت وثائق كالصحفي مدين ديرية في توثيقه هذا:

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  ابو فارس في الخميس أبريل 30, 2015 2:55 am

عاشقة السماء كتب:
شتان بين من شهد بلسانه، ومن يشهد بناء على شهادة غيره...

لسنا من يحيل الناس لقراءة قصص ألف ليلة وليلة، بل لقراءة الواقع بعيداً عن التلقين بالبحث والتقصي، ولتقرأ هذه الشهادات لتدرك أن هناك حقيقة يحاول إخفائها، ونريدهم أن يبحثوا لما طوردت حسابات الصحفي حسين المعاضيدي، وألغيت من توتير وفيس بوك، بعد أن بدأ بنشر شهادته عن الدولة الإسلامية!!!!!
وكذلك النظر في شهادات الأطراف المحايدة التي زارت الموصل وأصدرت وثائق كالصحفي مدين ديرية في توثيقه هذا:

فيدوهات للتلميع



تذكرت هذا
ملمع قزاز عرض اثنين في واحد

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي 5-1

_________________
<br>

ابو فارس
موقوووووووف

عدد المساهمات : 532
تاريخ التسجيل : 19/09/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الخميس أبريل 30, 2015 3:50 am

الأكيد الموضوع لم يضع لمن هذه اهتماماتهم، ومنطلقاتهم الفكرية، فشتان بين من يسعى في سبيل تلميع عقائد الناس مما شابها وعكّرها، وبين تلميع حطام الدنيا!!!!!!!!!!!!!!

اللهم احفظ علينا ديننا وعقولنا أبداً ما أحييتنا يا عظيم

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأربعاء مايو 20, 2015 4:08 am

هنا أرض الخلافة
الحلقة الخامسة من مشاهدات الإعلامي العراقي حسين المعاضيدي في الدولة الإسلامية


يظن بعض الإخوة إن التأخير في نشر الحلقات هو لسبب ما يتعلق بضيق الوقت، أو لسبب آخر من منغصات الحياة..
لهذا أقول، كنت أتعمد تأخير كل جزء، ليس إهمالاً، ولا مبالاة مني، أو عدم إكتراث لأهمية ما اكتب حوله، بل لأني أنتظر ردود أفعال القراء حول ما مررت به، فإن وجدت ما أقوم بعرضه يأتي بالسلب من قضيتي، أو منهجي، أو أن يكون خنجراً مسموماً، لا سمح الله، في ظهر المجاهدين لأتوقف عن الكتابة في الحال وأعتذر لتيجان الرؤوس، فما أنا هنا إلا لخدمة المجاهدين ولتبيان الحق، فإن جاءت سهامي في غير موضعها فلا خير بي حينها، ولا بارك الله في قلمي، ولا في مسعاي!فهيا إحزموا أمتعتكم معي وشاركوني الدخول إلى محكمة ليس من السهل أن تعيشوا أجوائها وتفاصيلها التي ما تزال خافية عن الكثير!وقفت هناك، عند اعتاب المحكمة الإسلامية في الموصل الحدباء، الموصل التي جعلت العالم يقف على رؤوس أصابع أقدامه منذهلاً، من هول المفاجئة العظمى التي اطاحت بعروش الشيعة، حينما وجدوا انفسهم، ليس بين ليلة وضحاها، بل بين ساعة ودقائقها مشتّتين، مشرّدين، (مسطورين)، كما نقول بالعراقي، من شدة هول الصدمة التي تعرضوا لها على أيدي المجاهدين، بعدما اُصيب جسدهم، السقيم أساساً، بسكتات دماغية وقلبية مزدوجة أتت على ما تبقى من أفئدة خربة معتلة وعقول خاوية جوفاء، لتجسد على أرض الواقع المعنى الحقيقي لمصطلح (الصّدمة والترويع) وبكل أبعاده الزمانية وحيثياته المكانية..!كنت انظر في كل زاويةٍ وصوب كل إتجاه، اتأمل كل التفاصيل، الصغيرة منها والكبيرة، فاحياناً أجد في ثنايا التفاصيل الصغيرة ما يثير حفيظتي الصحفية أكثر من التفاصيل الكبيرة وتشابكاتها التي تضيع في وسطها وبين خفاياها الجزئيات، والتي أحياناً تكون هي جوهر الأشياء..هناك، وقفت اتأمل تلك اللوحة الكبيرة التي نُقش عليها (الدساتير الوضعية تحت قدمي) والتي تسطّرت تحت حذاءِ رجل من جنود الخلافة الإسلامية..تمنيت لو إنني كنت استطيع حمل كاميرتي وإلتقاط صورة لهذه اللوحة، أو لأي مَعلمٍ آخر، لكني حتى تلك اللحظة تجنبت التعامل مع الكاميرا حتى يكون عندي إذن بذلك من جهة مسؤولة، فلا أزال لا أعرف القوانين الداخلية للدولة الإسلامية، ولا اريد لأي شيء أن يعكر صفو رحلتي هذه، رغم أهمية الصور في مثل هذا الأمر، خصوصاً أن رحلتي أردت لها أن تكون توثيقية بالدرجة الأساس..!إقتربت من باب المحكمة، وقبل أن أهم بالدخول، شدّني منظر حراسها المرابطين في شارع فرعي أمام المحكمة، والذي يجاوره الشارع الرئيس الذي تسلكه السيارات الذاهبة والآيبة من أمام المحكمة..كانت القطعة الكبيرة التي كُتب عليها اسم المحكمة (المحكمة الإسلامية) تجعلك تشعر إنك في عالم آخر، فهناك استحضرت زماناً غير زماني، وعالماً غير عالمي، واُناساً غير الذين عرفتهم طيلة حياتي السابقة، وقفت قبالة المدخل الأمامي بالضبط، ناظراً تارة بإتجاه القطعة الكبيرة، التي تزيّن بناية المحكمة، وتارة اُنظر إلى تلك اللافتة الكبيرة المنتصبة بجانب المحكمة، والتي باتت في زاوية أخرى على يميني، تلك التي تدوس فيها قدم مجاهد كل الدساتير الوضعية، ليخبرا المار من هنا، أو الداخل إلى المحكمة، أن لا حكم بعد اليوم في أرض الإسلام إلا حكم الله، ولا دستور غالب إلا دستور رب الأرض والسماء.. وحينما أشحت بنظري إلى شمالي أبصرت الحراس، وأبصروني، فخاطبني أحدهم قبل أن أخاطبهم:تفضل يا أخ، هل من خدمة نؤديها لك!؟أجبته:أبحث عن المحكمة الإسلامية!كنت أظن إنهم سيقومون بتفتيشي، وتفتيش محتوى حقيبتي، كوني قد دخلت ربما إلى دائرة أمنية، لكنه رد عليّ، بعدما نظر بعينه إلى القطعة التي تعلو بناية المحكمة وتشير إلى اسمها، فقال متبسماً، وكإنه يقول لي، كل حجم هذا الاسم ولا تراه:قد وصلت.. ومرحباً بك!كانت كلماته على قلة عددها وبساطتها، إلا إنها كانت أعقد لي من خارطة سايكس وبيكو لحدودنا، لكني وجدت إجابته الثانية، حول سؤالي عن مكان وجود القاضي، سهلة وغير مركبة، كبساطة إزالة حدود سايكس وبيكو بجرافات الدولة الإسلامية، حيث قال لي:القاضي في الداخل، تفضل واسأل الإخوة في الداخل، وهم سيرشدونك إلى المكان الذي تريده..قالها هكذا، وبكل بساطة، فلا شيء مما كنا نسمعه عن إرهاب وخوف يتملّكنا ونحن نقترب من دوائر الدولة الإسلامية ومؤسساتها الوليدة، ولا رعب أو رعشة أو رجفة تمسك بتلابيبنا ونحن نتحدث إلى أحد رجال الدولة الإسلامية..!أثناء وقوفي وحديثي مع الحراس الأربعة للمحكمة الإسلامية راحت ذاكرتي تستعرض في لحظات كل ذلك الكم الهائل مما يقال عن حجم (إجرام) الدولة الإسلامية، وإبتعادها عن (الإسلام الحقيقي)، وعن دستور الله، سبحانه وتعالى، كما تروّج لذلك أنظمة الحكم العربية والعالمية، التي جعلت من (جون كيري) هو خطيب المنابر في بعض بلداننا الإسلامية، ليعلمنا الإسلام المعتدل، الذي يرضي أميركا والغرب وحكام العرب المعيّنين بقرار (بنتاغوني)، وممهور بختم البيت الأسود الأميركي من خلف سبعة أبحر..ذاكرتي التي تسرق مني لحظات التركيز باتت تطرح إستفهامات تفقدني فيها التركيز، إذ أخذت تنغز بي كإبرة صينية، وأنا اقف مع الحراس أمام باب المحكمة، متسائلة إن كانت هذه المحكمة ذات عدل إلهي، تحكم، بالفعل، بشرع الله، أم إنها ديكور، ليس إلا، لدولة وليدة ترفع شعار (إن الحكمُ إلا لله)!!
كان حراس المحكمة يقفون ويتحدثون إلى بعضهم البعض حينما قاطعتهم، كانت لهجتهم الموصلّية هي الطاغية في الحديث، فبعض الكلمات والمصطلحات لأبناء هذه المدينة تفرض نفسها وتصل إلى مسامعك من مكان بعيد، تماماً كرائحة الكباب الشهي الذي قدمه لي ذلك المجاهد، في تقاطع النبي يونس، لحظة وصولي إلى أرض نينوى..أما من تحدثت معه وتحدث إليّ فلم يكن من أبناء الموصل، بل جزّراوي حدّ النخاع، أو هكذا خمّنت، فلم اسأله عن أصله، ولا نقبت عن فصله، لكني شممت فيه عبق ورائحة الجزيرة، وفي عينيه لاح لي بريق الحرمين، وفي لسانه ومخارج ألفاظه وجدت سحر نجد وحايل الحجاز..كان هناك من يقول لي دائماً، حبذا لو حدثتنا بلهجتك العراقية، ففيها سرٌّ وجمال، لكني كنت أرى لهجتي العراقية، التي هي في عيون البعض معزوفة موسيقية لم يصغها فنان، كنت أراها، ولا زلت، لا تمثل شيئاً أمام سحر وعذوبة لهجة أبناء جزيرة العرب!بقي جميع الحراس صامتين، حينما اخذت اسأل والمجاهد الحارس يجيب..لم يكن الحديث طويلاً، فانا، رغم رغبتي في الحديث إلى المجاهدين، إلا إنني كنت متلهفاً لدخول المحكمة، والوقوف على أبواب التاريخ الجديد، الذي تكتبه ثلة جهادية جعلت لنا من أرض الخلافة قبلة مكانية، زيارتها والهجرة إليها واجب كل مسلم اليوم، في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يغنينا عن زيارتها إلا حج بيت الله الحرام، وأقصانا السليب في قدسنا الأسيرة..!وأنا أتجه إلى داخل المحكمة، جاءني تساؤل من الخلف، فتوقفت، وكان ذات المجاهد الجزّراوي من سألني، فكلماته لا تكشف عن هويته فقط، بل وتجعلني أتمنى لو اُقبّل الأرض التي تدوسها قدمه، فالعزُّ كل العزّ، أجده في تقبيل الأرض التي تطأها وتدوسها أقدام المجاهدين!قال لي:من أين أنت يا أخي!؟لم يكن السؤال هو من موجبات وأسياسيات عمله، وإلا لكان قد سألني إياه حتى قبل أن يدلني على كيفية الدخول إلى المحكمة والوصول إلى القاضي، فأيقنت أن الإستفهام من باب الفضول وحب معرفة الشيء، تماماً كفضولي الصحفي الذي يطغى على كل أشيائي الأخرى، فضول جعلني اتبع سهام الباطل لأعرف منها أين يوجد الحق، وهو ذات الدافع الذي جاء بي من آخر الأرض إلى أخطر بقعة على ظهر الكرة الأرضية، كما يوصّفها، ليس الإعلام فقط، بل وكل العالم من حولنا:أجبته، بعدما استدرت إليه بكامل جسدي:جئت من أوربا!فأبتسم ضاحكاً ثم أعقبها بالقول:خمّنت ذلك!قلت، وبإستفهام صريح، وعقدُ حاجبين، أو هكذا تصورت قسمات وجهي:كيف عرفت؟!ردَّ عليّ:كاميرتك ونوعها تتحدث بالنيابة!وهنا أخذت انظر إلى كاميرتي، التي كنت أحملها في إحدى يداي، فيما كانت اليد الأخرى تحمل حاسوبي (اللابتوب)، رفعتها بيدي للأعلى قليلاً، وأخذت اتفحص حقيبتها، رغم إنها معي منذ سنين، ضحكت، وقلت له:أنا صحفي وهي سلاحي، مثلما سلاحك معلقٌ في كتفك، فأخذ ينظر هو بدوره إلى بندقيته، وتبادلنا الضحكات، ثم غادرته، متجهاً إلى داخل المحكمة، شاكراً له ترحيبه الحار حينما اسمعني كلمة ترحيبية في ظهري وهو يقول:
(مرحباً بالإعلاميين)!إلى بطن المحكمة الإسلامية كانت وجهتي التالية، فتخيلت لوهلةٍ إنني سأكون في قاعة لا يجلس فيها سوى القاضي، وبعض الملتحين من رجال الدولة الإسلامية، و(الفرّاش)، أي عامل التنظيفات المكلف بمسح أرضية المحكمة، وكراسي ومقاعد فارغة لا تزال جديدة، كون لا أ حد يجلس عليها إلا ما ندر، فالمحكمة الإسلامية في نظر كثير منا، نتيجة الكم الهائل من الإعلام المزيف، الذي يضحك على عقولنا نحن السُذج، قد رسم تلك الهالة الضبابية في مخيلة كل منا.. لكني أبصر هنا، وأنا اقف الآن عند مدخل المحكمة، قاعتها وهي تعج بالكثير، نعم لم اُشاهد نساء، لكني وجدت كثير من الناس من غير الملتحين، ووجدت كثير من الشباب المتواجد بداخلها يرتدون البنطال، ويلبسون الجينز والتيشيرتات، فضلاً عن الدشاديش (الجلابيات)، فكيف يقولون إذن أن كل هذه الملابس باتت محرمة في (أرض الإرهاب)، كما يسمونها!! لكن الإستفهامات تتضح حينما تذكرت كيف إنهم يروجون لأكاذيب وإفتراءات حُرمة وضع الطماطم (البندورة) مع الخيار في كيس واحد، كون الطماطم مؤنثة والخيار مذكر، وكيف أن الحلاقة ممنوعة في أعراف وقوانين المجاهدين، والأمر ذاته ينطبق على حُرمة جلوس النساء على الكراسي، كون ذلك لا يتوافق مع الشريعة، بحسب قول الإعلام المسخ، الذي يصور لنا أن المجاهدين لا يجيدون من أمور الحياة غير إستعمال السلاح، وتأبط الأحزمة الناسفة والمتفجرات، ولا شيء غير ذلك من أمور الحياة، مع إنهم يحكمون أرضاً تزيد على المائتين وخمسين ألف متر مربع، أي بما يعادل، أو يزيد بقليل، على مساحة (بريطانيا العظمى)، كما يطلقون عليها، ويقيمون شرع الله في أكثر من إثني عشر مليون مسلم، فضلاً عن أبناء الأقليات والديانات الأخرى التي منحوها الأمن والأمان، ويحمونها من غدر ثعابين الشيعة والصلبان والعربان!وقفت بباب المحكمة انظر إلى الناس بداخلها، وخطواتهم المتنقلة بين هذا القسم وذاك، كانت حركة مطمئنة، فالناس تسير بخطوات متباينة، فهذا يسير بسرعة، وذاك على مهل، وآخر جالس على كرسي، وآخر يقف مستنداً إلى جدار، وذاك يكلم مجاهداً، وبيده أوراق، وآخر يحمل في يده كيساً أجهل محتواه، والكثير من الوجوه التي لا تعلوها قترة، بل طبيعية كوجه أي إنسان، فلا أرى ملامح خوف، ولا تجليات رهبة، ولا أي من ذلك الجنون الأفاك الذي تلبّس أدمغتنا التي حجّرتها الشائعات والأقاويل وتضليل الإعلام!بجانب الباب حيث وقفت أراقب كل هذا التشكيل غير المتجانس من الناس، أبصرت مكتباً بقربي يجلس عليه رجل بلباس مجاهد، لم يكن يحمل السلاح، وأمامه مجموعة أوراق، وقلم، وقطعة من المعدن يثقل فيها أوراقه.. إتجهت إليه وسألته بعد السلام:أين القاضي!؟قال لي:لأي شيء تريده!؟أجبته:لا أدري!فكان ردي ربما مضحكاً له، أو لغيره، لكنه لم يضحك، واكتفى بفتح عينيه أوسع مما كانتا عليه، فضلاً عن التركيز أكثر في وجهي!استدركت.. أريد مقابلته فقط!فظن، وهذا ما ظننته، أن عندي قضية خاصة، لا أريد أن يطلع عليها أحد سوى القاضي، وهو ما جعله يشير لي برجل كان يقف بوسط القاعة، وحوله مجموعة من الأشخاص، وكان يتحدث إليهم، وحينما سألته، أي واحد من مجموعة الرجال أولئك، قال لي:إنتظر ساحدثه بشأنك!ثم إتجه إلى الرجل الذي كان يتحدث لمجموعة أخرى، بينهم من كان يلبس زي الجهاد (القندهاري)، ثم عاد برفقته إليّ..قبل أن يصلني ظننت أنه القاضي ربما، وأنه يتواجد هنا في وسط الناس لسبب ما، لكنه، وحينما وصل وسألني عن مبتغاي، تبين لي إنه ليس بالقاضي..!كان الشيخ، الستيني، يرتدي دشداشة (جلابية) ترتفع عن كعبيه قليلاً، لونها يتوزع بين الأسود والرمادي، لحيته تتحدث عن وقاره بالإنابة، وسنه مبتسماً، حتى دون كلام..رحب بي، وسألني عن قضيتي، فأجبته، بعد رد التحية، أن لا قضية لي، وإنما جئت من أقصى شمال أوربا بحثاً عن الحقيقة، وأريد نقل صورة ما يجري في أرض الخلافة للعالم من حولنا، كنت اتحدث إليه، وكإنه القاضي، مع إنني أعلم إنه لم يكن هو القاضي..عاد ليرحب بي ثانية بحرارة أعلى، ثم إلتزم الصمت قليلاً، وكأنه يفكر في أمر ما، ثم التفت لأحد الأشخاص، ممن كان يتحدث معهم، وطلب منه أن يصطحبني إلى (الشيخ)، فهو المختص في مثل هذه الأمور، لكنه سرعان ما غير رأيه، وقال لذلك الشخص:عدّ بارك الله بك، أنا سأتكفل بإيصال الآخ المهاجر إلى الشيخ!أمسك بكف يدي أول الأمر، وصاحبني في سيره، لكنه سرعان ما انتبه إلى إنني أحمل الكاميرا وحاسوبي الشخصي في يدٍ واحدة، فمدّ يده وتناولهما، رغم رفضي أن يحملهما معي، لكني فشلت أمام إلحاحه وإصراره على حملهما نيابة عني!إتجه بي إلى باب المحكمة، ذلك الذي دخلت منه، ليخرج بي من هناك إلى حيث (الشيخ)، الذي لم يسمه، فسرت معه، وعيني ترقب تفاصيل المحكمة التي لم تشبع عيني من التلذذ بمناظرها الحية وزواياها وأركانها وشخوصها، بل ولم يتسنَ لي حتى معرفة نوع القضايا التي تتعامل بها، لكني كنت متيقناً أن لقائي بـ(الشيخ) ربما سيكشف لي ما خفي عني، وعن العالم كله، وأن ذلك الشيخ سيضع كل نقاط تساؤلاتي على جميع حروف إستفهاماتي!إتجهت مع الشيخ إلى يمين المحكمة، سيراً على الأقدام، سرنا قرابة الأربعين متراً، وتماماً في أحد زوايا المحكمة كانت هناك نقطة تفتيش، وحارساً يقف بجانب عارضة حديدية، تسد مدخل طريق، يحمل بندقية بنصف أخمص، كما تسمى..سأله الشخص الذي كان يرافقني إن كان (الشيخ) متواجداً، دون أن يسميه، فاكد له وجوده، فطلب منه الإتصال به وإبلاغه بإن هناك صحفياً ومراسلاً إعلامياً يريد مقابلته، وهنا تحول نظر الحارس إليّ، بعدما كان جُلّ تركيزه نحو جهة الشيخ، فرحب بي أولاً، ثم أمسك بجهاز اللاسلكي الذي كان معلقاً على صدره، وأخذ يتحدث مع أحدهم طالباً منه إيصاله بالشيخ، فجاء صوت الشيخ يعلن ترحيبه على مسمعٍ منا!طلب مني الحرس ترك حقيبتي وكاميرتي وحاسوبي في كابينة بجانبه، تشبه إلى حد كببير مكاناً للهاتف العمومي، لحين عودتنا، طالباً أخذ ما أحتاجه منها في مقابلتي، فتركت كل أغراضي، دون آخذ منها شيئاً، بإستثناء محفظة جيب، تحوي مجموعة من هوياتي التعريفية وهاتفي الجوال، الذي لم يكن يعمل نتيجة توقف شبكات الهاتف المحمول في عموم الموصل، ما خلا بعض المناطق المرتفعة التي قيل أنه بالإمكان الحصول على إشارة ضعيفة للإتصال من فوقها!سرت برفقة ذلك الرجل الستيني في طريق أمتد لمسافة تقرب من المائة وخمسين متراً.. كانت هناك بنايات حديثة هنا وهناك على إمتداد ذلك الطريق، بعضها لم يكتمل بنائه بعد، وبعضها إكتمل مع عدم إكتمال دواخل البناء، وهذا ملاحظ من مناظر الشبابيك والأبواب، في حين أن هناك بعض الأبنية قد تم الإنتهاء من إنجازها، كالبناية التي دخلناها، والتي يقع فيها مكتب (الشيخ)، حيث مقصدي!كانت القطعة التي هي في واجهة البناية التي دخلناها تحمل اسم (المحكمة الإسلامية) كذلك، ولم أعرف حينها إن كانت تلك فرعاً للمحكمة الرئيسية، التي دخلتها أول وصولي، أم أنها محكمة أخرى بإختصاص ثانٍ، أم أن الأمر كله عبارة عن مجمع محاكم الدولة الإسلامية!حينما دخلنا لتلك البناية إستقبلنا مجموعة حراس، كانوا يتأبطون مسدسات فقط، بعضهم من التركمان، حيث لاحظت حديث بعض الحراس باللغة التركمانية، القريبة من اللغة التركية..بعد السلام، والمصافحة، سارَ أحد الحراس برفقتنا إلى حيث غرفة (الشيخ) الذي كان بإنتظارنا، حتى دخلنا عليه، فخرج من خلف الطاولة التي كان يجلس عليها ورحب بي، اولاً ثم تفرغ للترحاب بالرجل الذي كان برفقتي، والذي عانقه بحرارة، وكلمات العتب لا تفارق محياه، كونه لم يره منذ أيام، ثم التفت إليّ شاكراً لي، كوني السبب في رؤيته لذلك الرجل، ثم ضحكنا ثلاثتنا للموقف..طلب منا الجلوس، وقبل ان يلتفت إليّ، راح يحدث الشخص، الذي جاء بي، عن سر إنقطاعه لأيام، فأكد له بإن كثرة الأعمال والمسؤوليات والمشاغل هي السبب، وهو ما يجعله يستعجل الذهاب، بعد تسليمه الأمانة، مشيراً إليّ، فقد كنت أنا أمانته التي أوصلها للشيخ، فرحب بي الشيخ ثانية، واعداً بحل قضيتي أياً كان شكلها!قال الرجل الستيني الذي أتى بي إليه:الأخ صحفي، وجاء من أوربا إلى أرض الخلافة، وفي جعبته الكثير مما يريد، واتركه لك، فأنا لا أصلح لهذا الأمر، قالها ثم اعقبها بضحكة، ردها له الشيخ بإبتسلمة عريضة، وزادها بقول:أنت الخير والبركة يا حاج!بعدها إلتفت إلي (الحاج) الذي لم اسأله عن اسمه، ولا عن عمله، واستئذن مني بالعودة إلى عمله، وقبل ذلك كان قد استئذن من الشيخ، تاركاً إياي لأستكشف بنفسي وعلى طريقتي ما جئت من أجله!سألني (الشيخ) بعد عودته إلى الغرفة، إذ كان قد رافق صاحبي إلى باب البناية:كيف تمكنت من الوصول إلى هنا..؟!سألته إن كان يقصد الموصل، أم أرض الخلافة، فرد عليّ:الإثنتان، مع إبتسامة على محياه..!حدثته عن رحلتي، وما تعرضت إليه فيها من صعاب، ومضايقات، وإعتقال، وعما جرى معي حتى وصلت إلى حدود أرض الخلافة، والذي لم أتحدث عن وقائعه وأحداثه في سلسلة حلقاتي هذه لأسباب، مؤجلاً إياه لزمن لاحق، بإذن الله تعالى..ثم اعقبها الشيخ بالسؤال عن الهدف والغاية التي جئت من أجلها..صمتُّ لبرهة، فما أكثر تعدد أهدافي وتنوع غاياتي، لكنني سأذكر هنا بعضٍ منها، وليس كلها، فبعضها يجب تسليط الضوء عليه، وبعضه الآخر أريده مؤونة لي مع ربي..طالت لحظات صمتي، حتى قال لي:هل نسيت، وتحاول التذكر ، أم ماذا؟!فتبسّمتُ أنا هذه المرة، وأخذت اسرد له ما في جعبتي..ركزت على أهم ما في جعبتي هذه، ألا وهو القضاء، والحُكم، والسجون، وطبيعة المعتقلين وإتهاماتهم..فقال لي:لديك الكثير مما تريد معرفته..!!قاطعته، بل هو قليل من كثير، فالعالم لديه تصور آخر عن عدالة الدولة الإسلامية..قال لي:رغم أهمية توافد المقاتلين والجنود إلى أرض الخلافة للإنضمام إليها، إلا إننا بحاجة أيضاً إلى الإعلاميين الصادقين، ليجهروا بالحق، وليكشفوا عن حقيقة ما يجري، سواء في المعارك، أو في ولايات الدولة الإسلامية..قلت له:ولهذا انا هنا، ولا يزال غيري الكثير، ممن يخشون المجيء، ولابد من وضعهم، وبقية العالم في حقيقة الوضع..قال لي:مرحباً بك، وإن شئت ارسلناك إلى قواطع العمليات، لتطّلع بنفسك على المعارك مع بقية الكوادر الإعلامية..أسعدني كثيراً بكلامه ذاك، لكنه اعتدل في جلسته، قبل أن يضيف:لكن هناك أموراً لابد من أخذها بنظر الإعتبار!وكنت متكئاً على الكرسي، الذي كنت أجلس عليه، فانحيت قليلاً إلى الأمام، وشبكت يداي، ثم سألته:ضعني في الصورة..وقبل إجابته اعترفت له إنني حاذرت من إلتقاط الصور طيلة الوقت منذ وصولي إلى مشارف الدولة الإسلامية، ولغاية تلك اللحظة، بإستثناء صور ألتقطتها لحركة الناس في الأسواق من نافذة الفندق الذي قضيت فيه ليلتي، تلك الليلة التي لن أنسى أحداثها، وما جرى لي فيها.. ثم واصلت:اُريد خارطة طريق، لكن قبل المعارك وقواطع العمليات لي مطلب!وكنت أريد أن اُحدثه بأمر المحكمة وزيارة السجون ولقاء المعتقلين والقضاة إن أمكن، لكنه قاطعني، قبل أن اُكمل ما أردت الحديث عنه، قائلاً لي:أخينا الكريم:قبل كل هذا وذاك عليك بمقابلة القاضي، فلا نستطيع القيام بأي أمر، سواء التحاقك بقواطع العمليات، أو بحرية التجوال في ولايات أرض الخلافة، دون أمر من القاضي، والأمر يقتضي مقابلتك له، ولو كنت مسلماً عادياً، جاءنا مهاجراً يريد الإقامة في أرض الخلافة الإسلامية، لأمّنا لك كل مستلزمات حياتك من هذه اللحظة، ولو كنت مسلماً جاءنا مهاجراً للإلتحاق بسوح الجهاد لقلنا لك إذهب إلى معسكرات الإخوة المنتشرة في كل مكان والتحق بها، وهم سيتولون جمع المعلومات عنك، فضلاً عن إستعانتك بمن يزكيك من المجاهدين، ليكون حالك حال بقية المهاجرين الذين يلتحقون كل يوم بدولة الخلافة وبمعسكراتها، لكن كونك إعلامياً وصحفياً، ووصلت من الخارج، فلا نستطيع البت بهذا الأمر دون أمر وقرار من القاضي، خصوصاً إن لديك قائمة طلبات.. قالها بطريقة المزح ثم أخذ يضحك بهدوء، فما كان مني إلا أن شاركته الضحك، لكن ضحكي كان لأمر آخر، وهو إنه تحدث عما أريده أنا بالضبط، وأبحث عنه، والذي كنت أنوي مفاتحته به، ثم قلت له:سبحان الله، وهذا ما أريده أنا، مقابلة القاضي..!فقال لي:لكن الأمر قد يطول..!كم يعني؟ربما هذا المساء، وربما يوم غد، فهناك الكثير من القضايا والقاضي وقته ضيق..قلت:وهل سابقى انتظر هنا؟!فأجابني:هل لديك مكان تقيم فيه؟!وأجبته بدوري:كلا، فليس لي سواكم، ومن قبلكم الله..!فطلب مني الإنتظار قليلاً ليجري بعض الإتصالات، وهنا قطع حديثنا أحد الحراس، الذي أخبره أن شخصاً يريد مقابلته، ثم ذكر له اسماً، فأمر بإدخاله، فدخل عليه، فسلّم وأعطاه يده مرحباً به، ثم أخذ الرجل يهمس مع (الشيخ)، الذي أخذ يتمتم بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) ويُكثر منها..!وهنا إلتفت إليّ (الشيخ) وطلب مني الإنتظار قليلاً في الإستعلامات، لإنه كما قال لي سيكون مضطراً لإجراء محادثة عبر اللاسلكي، فهمت من خلاها إنه لا يريد لأحد الإستماع لتفاصيلها..بعدها بدقيقتين تقريباً، أو ما يزيد عليها بقليل، خرج (الشيخ) ذو الطول الفارع، واللحية الكثة، والبشرة المائلة للإسمرار، وهو الذي إقترب عمره من الخمسين عاماً، إن لم يكن قد بلغها بالفعل، وهو يحمل جهاز اللاسلكي الذي نادى عبره..وما هي سوى لحظات حتى كان هناك جندي، بلباس (خاكي) اللون، على طريقة البزة القندهارية، مع كامل سلاحه، فقال له الشيخ:تذهب الآن، ومعك مجموعة من الإخوة، وتمرون بطريقكم على الشيخ، ويقصد به القاضي، حسبما فهمت لاحقاً، وتأخذون منه أمر إلقاء القبض الذي استصدره الآن، وتصطحبون معكم أربعة شهود على الأقل، وترافقون الأخ الذي سيبين لكم العنوان، وكان يشير إلى الرجل الذي كان يتحدث إليه همساً..ثم ختمها بقوله:توكلوا على الله، وإن شاء الله لن تجدوا شيئاً!لم يكن الأمر ليحتاج إلى متخصص ليعلم إنه إنما كان يتحدث عن التبليغ عن جريمة زنا..وبعد الإنتهاء من أمر هذا الرجل، إلتفت إليّ الشيخ، ثم ابتسم قائلاً:يا مرحباً بك..ثم طلب مني مرافقته إلى غرفته ثانية..سار أمامي، فانتبهت إلى إنه كان ينتعل حذاءاً خفيفاً، وكانت قدمه اليسرى مربوطة بلفاف أبيض، ربما نتيجة إصابة ما، لكنه كان يسير عليها بشكل شبه طبيعي، وقبل أن يجلس نادى على أحد الحراس، ثم جلس وراح يكتب على قصاصة، صفراء اللون، ثم أعطاها للحارس، وقال لي:إخينا الكريم، بخصوص ما طلبته منا، فللأسف ليس لدينا صلاحية في مثل هذه الأمور، لهذا سيتم إرسالك إلى القاضي، وهو من سيبت في الأمر ويحدد ماهو ممكن..ثم قال للحارس تأخذ أخينا الصحفي إلى المحكمة لمقابلة الشيخ..سألته:ومن هو الشيخ؟!فرد عليّ:القاضي..ثم أضاف مبتسماً:ألم تُرد مقابلته؟!فأجبته، بعدما بادلته الإبتسامة:بالتأكيد!سألني إن كان معي شيء، فاخبرته بأمر الحقيبة والكاميرا واللابتوب اللواتي تركتهن في غرفة الإستعلامات عند بوابة الدائرة، فأمر بإحضارها على الفور، وما هي إلا دقائق حتى كانت عندي..ودعته مصافحاً إياه، ثم غادرت غرفته برفقة الحارس، الذي حمل الكاميرا واللابتوب، في حين حملت الحقيبة بيدي هذه المرة، ولم أضعها على ظهري، خصوصاً إنه قال لي إننا سنتركها في الأمانات حالياً، لحين عودتي من المحكمة، بعد مقابلتي القاضي..خرجنا من عند (الشيخ)، الذي كان اسمه إما (أبو بلال)، أو (أبو أحمد)، حيث تداول الحراس بكثرة هذين الاسمين، ولا أدري بالضبط أيهما يعود له، وسرنا بإتجاه باب البناية، ثم استدرنا من زاوية الباب مباشرة، لنسلك طريق يسمى في العراق بـ (الممشى)، الذي يتم عمله بجانب جدران البيت من الخارج ليكون أشبه ما يكون بالطريق حول الدار كلها، وعادة ما يحوي باطنه أنابيب المياه الموصلة للدار، أو أنابيب المجاري، أو غيرها، حيث يتم تبليطه بعد ذاك ليكون أشبه بطريق يحيط بالبيت كالسوار..أثناء سيرنا، قال لي الحارس، الذي كان يكثر من النظر إلى وجهي:سمعت بإنك الصحفي حسين المعاضيدي.. فهل هذا صحيح؟!قلت له، متسائلاً:وهل تعرفني؟!ردَ عليّ بحماس:بالطبع، فأنا كنت من أشد المتابعين للمنتديات الجهادية، وقد قرأت لك الكثير من المقالات في منتديات الفلوجة، ولكن ذلك قبل سنين، لكني اسمع إنك لا زلت تكتب عنا..حين قال (عنا) لم أكن أعلم إن كان يعني عموم المجاهدين، أم الدولة الإسلامية تحديداً، ولإنني كنت، ولا أزال مناصراً وداعماً للإثنين، فما هؤلاء إلا جزء من أولئك، لهذا أجبته:وكيف لا اكتب عنكم وأنتم تاج الرأس!ثم ختم وصولنا لمكان آخر بقوله:يسلم رأسك!حينما وصلنا إلى غرفة أخرى، تحوي جهاز كمبيوتر وكان يجلس فيها أحد المجاهدين، قال له:أحضرت لك حسين المعاضيدي لتصوره..ثم التفت إليّ قائلاً:سابقاً كنت أنت من يصور، والآن نحن سنصورك، ثم أخذ يضحك، فضحكت لضحكته التي كنت أشعر إنها تصدر من قلبه لا من فمه!رحب بي الشخص الذي كان يجلس خلف جهاز الكمبيوتر الضخم، الذي كان يجلس خلفه.. ثم طلب مني الجلوس على سرير كان بجانبه، فيما بقي الحارس الذي كان برفقتي يحمل كاميرتي واللابتوب..أخذ جندي الدولة الإسلامية، الذي كان يجلس خلف الكمبيوتر، يكتب قليلاً على جهازه، ثم أخرج كاميرا فوتوغرافية صغيره من درج المكتب، ثم طلب مني الجلوس قبالته على كرسي ليلتقط لي صورة فوتوغرافية، قائلاً لي:هذه من الإجراءات التي تسبق العرض على القاضي، فلم اُمانع، ولم أكن أعرف حقيقة هل أن ممانعتي ستكون مقبولة أم لا، في حال حدثت أم لا، لكن وبكل الأحوال، فلم يكن عندي مانع من هذا الإجراء، فأنا اُدرك إنني دخلت دولةً، يُعدُّ الجانب الأمني والإستخباراتي فيها هو أحد ركائزها الأساسية..مسؤول وحدة التصوير، كما فهمت من وصف الحارس الذي كان يرافقني، إنتهى من إلتقاط الصورة لي، ثم شكرني، وأبلغ الحارس الإنتهاء من الأمر.. ثم طلب مني الحارس مرافقته، ولم أزد على ذلك المكان سوى بضعة خطوات من بابه، حتى وقفت مع مجموعة من المجاهدين، كانوا يقفون على شكل دائرة وهم يتحدثون، وكان بعضهم يضع ما تسمى في بلاد الرافدين بـ (الكلِيتةَ)، وهي غطاء الوجه، الذي لا يكشف سوى عن العينين، فيما كان قسم آخر حاسر الرأس، ولا يضع لثاماً، وكان بجانبهم خمسة أشخاص، قد رصفوا بجانب جدار قاعة ذات باب واسع وكبير، وموضوع فيه مجموعة من الأقفال، وعليه قطعة مكتوب عليها:يمنع الحديث مع النزلاء!علمت حينها إنني بجانب قاعة تحوي سجناء، وهو ما أكده وجود الأشخاص الخمسة الجالسين بجانب جدار القاعة، والذين تم عصب أعينهم، وحلاقة شعر رؤوسهم بالكامل، ولاحظت أن بعض الشعر لا يزال على ملابسهم ما يعني إنه قد تمت حلاقتهم قبل لحظات..قدمني الحارس إلى بقية زملائه، قائلاً لهم:سيرافقكم الأخ الصحفي حسين المعاضيدي إلى المحكمة..فقال أحدهم:وما هي جريمته؟!فقلت، وقبل أن يرد الحارس بالنيابة عني:معاذ الله أن أرتكب جريمة.. أنا هنا من أجل (قضية)!فرد عليّ:كل من يأتي إلى هنا لديه قضية، ويقصد بقية السجناء!فقلت له:هل تُجزم أن كل من يأتي إلى هنا مذنب!؟كان ذلك إختباراً مني، وهو أول مراحل البحث عن إستفهاماتي، فلقد بدأت الآن مرحلة الجد على ما أظن، فطريقة التعامل مع المتهمين هي أولى لبنات العدل، أو الظلم!فرد عليّ، وكإنه أدرك المغزى من سؤالي:اعتذر لا أقصد ما فهمته مني، لكني أقصد إن كل شخص جاء إلى هنا لديه قضية، لكن من يُحدد الجرم، أو الذنب، هو القاضي، وهو من يمنح البراءة! قالها وكإنه فهم من سؤال الذي ارفقته بنظرات إستغراب وتعجب من كلامه مدى فداحة ما قاله أول الامر، أو ما فهمته منه على الأقل!وهنا تدخل الحارس الذي كان برفقتي قائلاً:اُستاذ حسين، أنت علم، وتاج على الرأس!ثم تساءل حارس آخر:والأخ الصحفي من أين؟!فلم يمنحني الحارس، الذي كان لا يزال يحمل كاميرتي وحاسوبي مجالاً للرد، حيث رد بنفسه:
أخينا الصحفي حسين المعاضيدي جاء من أوربا إلى أرض الخلافة..قالها بسعادة غامرة، وكإنه هو من دخل أرض الخلافة الآن، ولست أنا!كان يقف قبالتي شخص له لحية طويلة، غزاها الشيب، حتى نافس بياضه سوادها، ضخم الجسد، متوسطة الطول، عمره شارف على الستين.. قال لي:يكفيك يا (أبو علي) إنك من عشيرة المعاضيد، التي تميزت عن سائر العشائر بإنها أول من بايعت دولة الخلافة الإسلامية، وهي أولى القبائل التي ناصرت عن بكرة أبيها، وأنت هنا بين أهلك وإخوانك، وإن شاء الله بعد عودتك من عند القاضي ستلتحق بسوح القتال ليكون قلمك وكاميرتك هناك مع الرصاص!
هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي _________________________________________________________________________small

ويتبع تكلمة الحلقة..

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأربعاء مايو 20, 2015 4:10 am

ومع إنني أعلم علم اليقين أن هناك من عشيرتي من لا يزال أعمى البصر والبصيرة، ولا يزال بعض منهم منضوين في خندق الشيعة وأميركا، كحال كثير من عشائر أهل السنة والجماعة، إلا أن حديثه عن دور القلم والكاميرا في هذه الحرب، ومقارنتها بالرصاص، هو ما شد إنتباهي، بل وجعلني اُدرك أن أي جندي من جنود دولة الخلافة الإسلامية يدرك أهمية القلم والكاميرا في هذه الحرب الكونية، التي يشكل فيها الإعلام عمودها الفقري، تماماً مثلما يشكل الرصاص قلبها النابض!طلب أحد الحراس مني خلع معطفي، (القمصلة) كما نُسميها بالعراقي، التي كنت أرتديها حتى لا يعلقُ فيها الشعر!سألته أي شعر تقصد!؟فقال:لأحلق لك رأسك!قلت له:لن أقبل أن تحلق رأسي، ولن يكون ذلك، فلست مُتهماً.. قلتها بعصبية بوجهه!فقال الحارس الذي كان برفقتي:إنتظر إنتظر..ثم وضع كاميرتي وحاسوبي على الأرض وغادر مسرعاً، من الجهة التي أتينا منها..وما هي سوى لحظات حتى عاد، وهو يقول:لا، لا، الأخ حسين غير مشمول بهذا، والشيخ يقول يُعامل معاملة خاصة..!فهمت، على إثر ذلك، أن الحارس عاد إلى (الشيخ)، واستوضح منه هذه التفاصيل، حيث تبين أن الأوامر تقضي بحلاقة (نِمرة زيرو) رأس كل من تكون له تهمة هنا، فحمدت الله على مثل هذا الإستثناء، فأنا لم أحلق شعري يوماً، وحتى حينما كنت في العسكرية، في فترة ما قبل الاحتلال الأميركي، فلقد رفضت حلاقة شعري، بفضل علاقتي مع الضباط، كوني صحفياً، بل إن أحد الضباط، وكان برتبة مقدم، أمرني أن أحلق ذقني يوماً، فرفضتُ الأوامر بدوري، وتعالت الأصوات بيننا، حتى كاد أن ينتهي بالإشتباك بالأيدي، لكنه، عوضاً عن ذلك، إنتهى بمعاقبة ذلك الضابط من خلال نقله إلى خارج بغداد، بعدما هددتُ كبار الضباط بالكتابة عنهم في صحيفة (بابل)، خصوصاً بعدما تطاول ذلك الضابط على جموع الصحفيين، الذين انتسب إليهم، وهو ما أرعب الضباط حينها، كون نقيب الصحفيين كان وقتها (عدي)، النجل الأكبر لصدام حسين، وبذات الوقت كوني كنت اكتب في الصحيفة الأولى في العراق (بابل) والتي كان يشرف عليها بشكل مباشر (عدي) نفسه!حلاقة شعري، لو حدثت، كانت ستترك لي لربما جرحاً، لكني كنت سأعتبرها وقتذاك أول ثمن أدفعه في طريق البحث عن إجابات لأسئلتي، بل لأسئلة العالم من حولنا، عن الوضع القضائي والحقيقة الخافية، أو (المُغيّبة)، أياً كان شكلها، أو لونها، أو طعمها في أرض الخلافة..أخذ الحراس بعدما تبين لهم الأمر، ومن أنا، ومن أين جئت، يسألوني عن بعض تفاصيل رحلتي، وعن حياتي في أوربا..حدثتهم عن كتابي الذي طبعته بلغة أجنبية الخاص بمذكراتي في سجون المحتلين الأميركان، والذي اسميته (361 يوم في الجحيم)، وحدثتهم كذلك عن سرعة إنتشار الإسلام في الغرب، حدثتهم عن وجود أرض خصبة لإعتناق الإسلام في المجتمعات الأوربية، لو وُجد هناك من يقوم بالدعوة، وهنا تدخل أحد الحراس وكإنه اكتشف شيئاً ما فجأة:تذكرت، لقد كنت اُتابعك على الفيس بوك قبل فترة طويلة، وأتذكر إنني قرأت منشوراً لك يوماً تقول فيه أن هناك من إعتنق الإسلام على يديك.. اليس كذلك؟!فأجبته:هذا من فضل الله..فرد مجاهد آخر:يعني انت صحفي وداعية…؟!قلت له:
صحفي نعم، وقد أقمت معارض فوتوغراقية، وعملت ندوات، ومحاضرات، كنت أتحدث فيها عما يجري لنا على أيدي المحتل الأميركي والإيراني..أما أن أكون داعية فلا، فلست أهلاً لذلك، لكني سعيت لنشر ديني قدر إستطاعتي، وقد وفقني الله في تأسيس مسجد صغير للمسلمين في المدينة التي كنت أقيم فيها، وحينما لم أجد خطيباً أو إماماً قمت بالدور بنفسي، رغم عدم تخصصي في مجال الدعوة، بل ولست حتى طالب علم، لكن كنت أحاول، جهد إستطاعتي، سد الفراغ وخدمة المسلمين، الذين كانوا يفتقدون لرجال دين متخصصين في علوم الشريعة..بعد الإنتهاء من هذه المحادثة المطولة مع مجموعة الحراس، الذين توافد قسم آخر منهم ليستمع إلى حديثنا، طلب مني الحراس، بعد تلقيهم نداءاً عبر جهاز اللاسلكي، الإستعداد للتوجه إلى المحكمة، وقبل ذلك إفراغ جيوبي، وكل ما هو بحوزتي،فيما سارع أحدهم لإحضار كيسٍ من القماش، فوضع فيه كل حاجياتي التي كانت بجيوبي، ومنها الهاتف، وحزام السروال (البنطلون)، والمحفظة، فيما تولى إثنان من الحراس عدّ كمية النقود الموجودة في محفظتي، وكان هناك من يسجل كل ما يتم وضعه في الكيس، وأمام عيني، ثم تم تدوين الكاميرا، وحاسوبي الشخصي (اللابتوب)، وحقيبة الظهر..!إستفسرت منهم عن السبب، فأكدوا لي إنها ستكون في قسم الأمانات حتى أعود من المحكمة، فهذه إجراءات روتينية متبعة، فلم اُمانع ذلك، لكني طلبت منهم الإحتفاظ بالعوينات (النظارة الطبية) والتي احتاجها لعيني المتعبة، من كثرة الكتابة وإستخدام الأجهزة، وخصوصاً الكمبيوتر، فلم يمانعوا..قال لي الشيخ الكبير في السن الذي كان بينهم، والذي أكثر من الثناء على قبيلتي:يا أخ حسين، الذهاب للمحكمة يتطلب تغطية العين، لهذا سنضع قطعة قماش على عينيك، ونعلم صعوبة ذلك، لكنها الإجراءات الأمنية المتبعة، واحتسبها بدورك في سبيل الله..ورغم إستغرابي للأمر، إلا أنني تقبلتها بكل رحابة صدر، خصوصاً أن المجاهد (الستيني) قد عرضها عليّ بطريقة محببة، حينما أشار عليّ بأن احتسبها في سبيل الله، وكيف لا احتسبها في سبيل الله، وأنا الذي جعلت كل رحلتي هذه في سبيله، سبحانه وتعالى، منذ أول خطوة لي فيها..!قلت له:اتفهّم ذلك يا حاج، ولا مشكلة لي في ذلك، لكني أريد أحد الإخوة يمسك بيدي بإنصاف ويدلني على الطريق، قلتها هكذا بطريقة مازحة، فضحك الجميع لها، ثم قال أكثر من واحد، وبذات الوقت:أبشر!سلمني أحد الحراس قطعة سوداء من القماش، على شكل نظارة، لكنها كانت تكفي لإخفاء العين والأنف، بل والفم معهما، في حال وُضِعت على منتصف الجبهة، لا على أعلاها، وكانت مربوطة بقطعة من المطاط (آستك) لتلتف من خلف الرأس لتضبط إحكام قطعة القماش على نصف الوجه تقريباً..وقبل أن أضع (نظارة القماش) على عيني طلب الحراس من السجناء الخمسة، الذين لم أكن أعرف تُهمِهم بعد، الوقوف، والإستعداد للحركة، فأوقفوهم على شكل رتل، أحدهم خلف الأخر، وطلبوا أن يمسك كل واحد بملابس الشخص الذي أمامه، فيما أمسك الأول بأحد الحراس، ممن كان يوجههم إلى الطريق، لتجنب العثرات، أما أنا، وقبل التحرك، وضعت العصابة على عيني، ثم أمسكت بآخر شخص في الرتل المكون من خمسة أشخاص، لأسير خلفهم في طريقنا إلى المحكمة، إلا أن أحد الحراس جاءني وقال لي:أنت أشرف من أن تكون في هذا الطابور، فأمسك بي لوحدي وقادني..شكرته على كرمه، وبذات الوقت اكتشفت أن الأشخاص الخمسة هم مجموعة لصوص، خصوصاً بعدما قال لهم أحد الحراس تحركوا يا لصوص الموبايلات!سرنا قرابة العشرين متراً، وكان الطريق فيه بعض العثرات، حيث كانت تجري هناك ترميمات على ما يبدو، وأعمال لصب أجزاء من الأرضية بالأسمنت، رغم عدم رؤيتي لأي عامل هناك، لكني خمنت ذلك من وجود الحصى الصغير في واجهة الأرض..كنت، وأنا أسير، ألمح ذلك الحصى، وطبيعة الأرض تحت قدمي من تحت عصابة العين، التي وضعتها بطريقة أستطيع من خلالها رؤية أقدامي، فلقد اكتسبت خبرة التعامل مع مثل هذه المواقف، أثناء فترة إعتقالي لدى قوات الاحتلال الأميركي، ومن سجون الشرطة االشيعية، ومثلها كذلك من سجون الصحوات السُنية، فلقد جربت كل سجون هؤلاء، فضلاً عن سجون البيشمركة الكردية!إنتهى المسير بالطلب مني رفع قدمي إلى دكة سيارة.. وضعت قدمي الأولى، ثم ألحقتها بالثانية، ويد الحارس تمسكي بي، وكلامه يوجهني شمالاً ويميناً، فضلاً عن إختلاسي النظر لموضع قدمي على الأرض، حتى جلست على أقرب كرسي من باب السيارة، التي لم أكن اعرف ما هي، لكني خمنت إنها (كوستر)، من دكة بابها الذي يميزها عن غيرها من السيارات.. والحق أقول إنني شعرت بالخجل، لإنني كنت اختلس النظر لموضع قدمي، فالحراس لم يضعوا العصابة على عيني، بل ناولوني إياها لأضعها بنفسي، واضافوا على ذلك أنهم كانوا يمسكون بيدي، ويوجهوني، لهذا وجدت في ذلك خيانة للأمانة، فسارعت إلى خفض العصابة أكثر، حتى غطت أنفي وفمي، لكني همست لنفسي في سرّي قائلاً:أبعد أن وصلت يا حسين!؟طلب الحراس من الجميع خفض رؤوسهم والإلتزام بالتعليمات، وعدم الحديث مع بعضهم البعض، ثم قال أحدهم للسائق:توكل على الله!سارت بنا السيارة لعدة دقائق، وقد كنت أظن إنه لم يكن يفصلني عن المحكمة سوى جدار أو طريق ليس إلا، لكن المسافة كانت بعيدة كما أتضح، حيث سارت السيارة في طريق يخلو من السيارات، فلا صوت سيارات ولا ضجيج مارة، حتى توقفت السيارة ثانية، حيث أمتدت يد حارس إليّ، وهو يقول لي: تفضل على مهلك بالنزول أخ حسين..كانت حركتي هذه المرة أكثر حذراً، إذ لم أعد ارى شيئاً على الإطلاق خارج أسوار عصابة العين، والحقيقة إنني شعرت بالتوجس قليلاً في ذلك الوقت، ربما لإنني وللحظات كنت اشعر بإنني في أيدٍ أميركية، أو شيعية، أو مرتدة، لولا أصوات الحراس من حولي وهم ينادوني بالأخ تارة، وبالإستاذ تارة أخرى، وهو ما كان يبدد مخاوفي، ويزيل الرهبة من داخلي..سرنا في تعرجات مختلفة، ولمسافة تقترب من الخمسة وعشرين، أو الثلاثين متراً، حتى وصلنا إلى ممر على ما يبدو، وفي جانبيه مصطبات مخصصة للجلوس، أجلسونا عليها، وهمس في اُذني أحد الحراس قائلاً:بعد قليل ستدخل إلى القاضي وتحادثه!فشكرته وحمدت الله على ذلك..وهنا علا صوت، قائلاً:كلاب، تسرقون محلات الناس!فأجبته على الفور، ودون لحظة تفكير:إتق الله، إتق الله!فسارع ذات الصوت للرد:عفواً يا حاج، لستَ المقصود، ولكني أعني هؤلاء اللصوص، الذين سرقوا أموال المسلمين الآمنين، هؤلاء السراق الذين يجلسون بجانبك..!أجبته:وهل أصدر القاضي الحكم بحقهم!؟فرد عليّ، سيتم عرضهم الآن على القاضي!أجبته:فكيف إذن أصدرت الحكم عليهم يا أخي، استغفر ربك!فرد عليك وبصوت المذنب:اللهم اجعلني من المتقين.. استغفر الله العظيم..ثم قام بمسكي من يدي وطلب مني مرافقته، ليجلسني في الجهة الثانية من الممر بعيداً عن اللصوص.. ثم بدأ زميل له يعنّفه على كلامه الجارح بحق اللصوص، في حين صمتَ هو مكتفياً بالإستغفار من الله!أخذ أحد الحراس ينادي بالأسماء على اللصوص الخمسة، واحداً في إثر الثاني..كنت استمع إلى أحاديثهم، وبكاؤهم، فلقد كان أحدهم يقسم بأغلظ الأيمان إنه لم يسرق شيئاً!كانت التفاصيل التي كنت استمع إليها قد سمعت بعض منها من قبل، فذاكرتني لا تخونني، خصوصاً في مثل هذه الأمور، ولكن كيف، ومتى!!عدت بالذاكرة لبضعة أيام خلت، فتذكرت إنني، وحينما كنت انتظر على قارعة الطريق للدخول إلى أرض الخلافة، وحينها كنت أتصفح في الفيسبوك، قرأت أن عصابة قامت بالسطو على محل لبيع الموبايلات وإكسسواراتها في أحد مناطق الموصل، وأن الدولة الإسلامية تجري تحقيقاً في الأمر للوصول إلى الجناة.. نعم تذكرت الآن..!إذن فقد تم إصطياد الجُناة، وهم بجانبي يجلسون الآن..ما أضيق وأصغر هذا العالم إذن.. هكذا قلت في نفسي، فأن تسمع بالأخبار عبر وسائل التواصل الإجتماعي، ثم تجدها أمامك واقعاً، فهذا أمرٌ، لعمري، مثير!كان أحدهم يبكي بشدة وهو ينفي التهمة عن نفسه، وحينما عاد ليجلس على المصطبة بعد خروجه من عند القاضي أخذ يتحدث بصوت مسموع، وهو يقول:لماذا يا بني، لماذا فعلت بنا هذا، ألم يكفيك أن تتورط أنت، لتورطني معك، أي عار هذا الذي حمّلتني إياه!فهمت من كلام الرجل أن أحد اللصوص هو ابنه، وأن الابن هو من جاء بأبيه، دون أن يرتكب الأب جرماً، بحسب ترديد الأب لكلامه ذاك، لكني سمعت القاضي وهو يتحدث لهذا الأب عن سبب حمله لمسدس..!تم الإنتهاء من عرض اللصوص الخمسة، أو المتهمين بالأحرى، على القاضي، وهنا تقدم مني الحارس، وهو يطلب مني خلع حذائي، قائلاً لي:دورك الآن يا حاج.. القاضي نادى عليك!والحق أقول إنني شعرت بالرهبة للوهلة الأولى، فالمحاكم عندي دائماً ما تكون رمزاً للشؤم والخوف والإعتقال والسجن، وربما الإعدام، لكني هنا في حضرة دولة الخلافة الإسلامية، التي تحكم بالعدل، كما هو مفترض لها، وإلا كيف ترفع راية العدل الآلهي، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن، وعلى ما يبدو، وجود العصابة على عيني هو من زرع بعض المخاوف في داخلي، حتى لو كنت أثق في دولة الخلافة وأمرائها وجنودها، فالأمر نفسي بالدرجة الأولى!أمسك الحارس بيدي، وهو يسير بجانبي، ويوجهني:شمال، يمين، سر للأمام، توقف، أستدر، إجلس!جلست على كرسي، في غرفة، تسمع وقع الإبرة لو سقطت على الأرض، بل وتسمع دبيب النمل فيها، وبقيت صامتاً، وهنا بدأ همسٌ خفيف أخذت اسمعه على بُعد أمتار مني..صوت هادئ لشخص يجلس خلف ظهري، وفي مكان أعلى من مكان جلوسي..ذكر اسمي،
قائلاً:أين كنت تقيم؟!أجبته:في أوربا!أضاف:إذن أنت صحفي ومراسل إعلامي بحسب ما علمت؟!قلت:نعم!فهمت من كلام هذا الشخص أنه القاضي، الذي كنت أبحث عن لقائه!بعدها سألني صوت آخر، كان قريباً مني جداً، حتى إنني شعرت لوهلة أن كرسيه يلاصق الكرسي الذي أجلس عليه:
هل جئت مهاجراً أم في مهمة صحفية؟!أجبته:الإثنتان!قال:إن كنت مهاجراً فأرض الخلافة أمامك واسكن حيث بدى لك، وإن كنت في مهمة صحفية فهناك إجراءات يجب أن تطبق، فنحن نعيش في حرب كما ترى، ونحن مستهدفون من العالم أجمع!قلت له:يا شيخ، الخليفة دعا جميع العقول والخبرات والكفاءات والإمكانيات للهجرة إلى ربوع أرض الخلافة، بضمنهم الإعلاميين، وأنا الآن في مهمتين:
الأولى: ……………………..
والثانية: العيش في ربوع الخلافة، وخدمة المسلمين فيها، وفضح حقيقة الإتهامات التي توجه إلى دولة الخلافة الإسلامية!ثم تطرق الصوت نفسه، في أسئلته، إلى الصحافة والقنوات وغيرها من أمور ووسائل الإعلام، وكنت اُجيبه واُناقشه في بعض المسائل..عاد الصوت الأول، صوت القاضي، كما خمّنت، ليسألني عن عائلتي، وأن كنت قد تركتها خلفي في أوربا، فأخبرته أنني أحضرتها معي، لكني لم استطع إدخالها إلى أرض الخلافة، بسبب تعقيدات ما قبل الدخول إلى أراضي الدولة الإسلامية، وإنها في مكان آمن، وأكدت له إنني سأعمل على جلبها ما أن ييسر الله لي أمر ذلك!
فلما اطمئن إلى هذا الأمر، قال لي:إعمل على أن لا تتأخر في إحضارهم!قلت:بحول الله وقوته، فهذا مناي، وهو حلم طال تحقيقه!قال لي:بخصوص إقامتك في أرض الخلافة فمرحباً بك، وأقم أنّى شئت، أما بخصوص طلبك، فنعتذر عن تلبيته الآن، فهناك بعض الأمور التي يتوجب علينا التحقق منها، بخصوصك، وسنحتاج منك إلى من يُزكيك!قلت له:اكتب اسمي على الكوكل، وكتاباتي منذ سنين هي من تزكيني، وإن شئت إحضار من يزكيني، فسأمنحك قائمة بهذا الأمر، وليس شخص واحد!طلب مني، الأسماء، فاعطيته الكثير من الإسماء، ثم طلب عناوين المواقع التي اكتب فيها، ليتم الإطلاع على كتاباتي، بحسب ما ذكر..وهنا رُفع آذان الظهر من مساجد الموصل، فختم القاضي اللقاء بالقول:حان موعد الصلاة الآن.. وسنذهب للصلاة!قلت له:هل انتهى اللقاء، فأنا جئت من أقصى شمال الأرض ومن حقي عليك بوقت أطول!قال لي: انت تريد الكثير، وعلينا إتمام الإجراءات بهذا الخصوص، فلو كنت تريد كتاب مرور وتسهيل مهمة منحتك إياه الآن، مثلما حصل مع الصحفي الألماني (يورغن)، لكن أنت وضعك يختلف، فأنت تريد أموراً أخرى، وهو ما يتوجب القيام ببعض الأمور أولاً، لكني سألتقيك قريباً بمشيئة الله!إنتهى اللقاء عند هذا الحد، مع ملاحظة أنني تحفظت على ذكرِ بعض التفاصيل والمعلومات والأسئلة، والتي لا تهم القراء أو تخدمهم، بقدر ما تهمني وتتعلق بي أنا..!لحظتها، سمعت أصوات نهوضهم من على الكراسي، فيما طلب مني أحد الحراس مرافقته في الخروج من المكان، فرافقته ليعود ويجلسني على ذات المصطبة التي كنت أجلس عليها، لكني كنت حينها لوحدي، فلم أكن اسمع أي صوت من حولي، ما خلا أصوات الحراس وهم ينادون أو يتحدثون إلى بعضهم البعض!بعد طول إنتظار، أخبرني أحد الحراس أن القاضي لم يعُد إلى المحكمة، وأن الوقت قد تأخر على عودته.. ثم طلب مني مرافقته، وسار بي في ممرٍ مسافة العشرين متراً تقريباً، أوقفني في نهايته، قبل أن يرفع العصابة عن عيني، لأجد نفسي أمام باب، بقفل من الخارج!قال لي:يا حاج: تفضل، استرح هنا في هذه القاعة، حتى نكمل بعض الإجراءات!لم اسأله أي إجراءات يقصد، لإن كل ما كان يهمني هو التخلص من تلك العصابة التي كانت تغطي عيني، والتي جعلتني أشعر بالتوتر كثيراً!فتح الحارس الباب، ودخلت، وإذا بي في وسط زحام من السجناء والمعتقلين، في قاعة عرضها قرابة الأربعة أمتار، وبطول يقترب من العشرة أمتار، ولا يوجد مكان من أرضها يخلو من أفرشة النوم، إلا مساحة المتر، التي هي في نهاية القاعة من عند الباب..!كان الداخل إلى القاعة يقوم بخلع حذائه أولاً، كما عرفت لاحقاً، عكسي أنا، حيث دخلت وأنا انتعل حذائي، قبل أن تستوقفني تلك الوجه الناظرة المتطلعة إليّ، والتي كانت تغص بها تلك القاعة، وهم ينبهوني إلى ضرورة خلع حذائي، فأخبرتهم بإنني أريد الوضوء، كي أصلي، فأشاروا إلى مدخل المغاسل، والذي كان عبارة عن فتحة كبيرة، تم عملها على شكل باب، لربط القاعة، عبر تلك الفتحة، بغرفة صغيرة يتم وضع فيها بعض الأغطية الزائدة، والأحذية، وبراد ماء، ومناسف الطعام الفارغة، وحبل لنشر الملابس..كانت تلك الغرفة جزء من ذلك الممر الذي كنت أجلس فيه عند باب غرفة القاضي، لكنها فُصلت عن الممر بسياج مشبك من الـ (بي آر سي)، وطبقة من الخشب السميك وبإرتفاع يحجب الرؤية فقط، لا الصوت، حيث بقي قرابة المتر من الأعلى عارياً من الخشب، بإستثناء الحديد المشبك، الذي يصل إلى السقف، ومن خلال تلك الغرفة (الصناعية) المستحدثة، يتم الوصول إلى باب مصنوع من أرقى أنواع الخشب يُوصل إلى المرحاضين المتجاورين، مع مغسلتين ببابهما!وقفت، قبل دخولي للوضوء، أتأمل في تلك الوجوه.. وجوه متعددة الألوان، وبأعمار مختلفة، خليط غير متجانس من البشر والملابس والأفرشة، بل وحتى الجدران المغلفة بالسيراميك، طُليت هي الأخرى بألوانٍ متعددة، كتعدد تُهم هذه الوجوه التي ترمقني الآن!كانت الأفرشة قد وُضعت في القاعة بشكل متقابل، بحيث يمتد كل فراش من الجدار بإتجاه منتصف القاعة، مع إمتداد الجدران، وبقيت مساحة بعرض سرير في الوسط على إمتداد القاعة لتقسمها إلى نصفين، وضع فيها هي الأخرى الفرش بشكل طولي ليستوعب أعداد السجناء، الذين يصل عددهم زهاء الستين، حتى إنني ظننت إنني لن أجد مكاناً وسط هذا الزحام لأجلس فيه..!لا تزال الأنظار مصوبة نحوي، ورغم هول الموقف عليّ، إلا أنه شعرت حينها أنني وصلت إلى أهم مكان أستطيع من خلاله إصدار حكمي بحيادية عن نظام دولة الخلافة الإسلامية القضائي، فهذه السجون والزنازين هي المعيار، وهي المقياس، وهي ميزان الحكم، فهي التي تُعبد طريق الخلافة بالفلاح والصلاح، وتفرشه بالورد والقداح، عبر العدالة المنشودة، أو أن يقال عنها أن الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود، كما يكثر الإعلام الداخلي والخارجي من ترديد ذلك، وكما يشيع بعض الناس عن مصير من يتم إعتقاله على يد الدولة الإسلامية.. لكنني اليوم هنا لأقف على الحقيقة بنفسي، كيف لا، وأنا قد أصبحت أحد هؤلاء الذين دخلوا سجون الدولة الإسلامية، والآن سأترقب إن كان حالي كمولود سيكون، أم كمفقود سيؤول!قابلني عند باب المغاسل، حيث كان يجلس، شيخ ملتحٍ، في منتصف الخمسينات من العمر، ويرتدي بزة جهادية (قندهارية)، بنية اللون، وتلك كانت أولى صدماتي!قال لي:مرحباً بك!قلت:حياك ربي وبياك..ثم واصلت:هلا ارشدتني إلى مكان الوضوء!فقال لي ممازحاً:مستعجل على الصلاة!أجبته:هي زادي!فرد عليّ بالقول:ماشاء الله.. ثم أشار لي إلى أماكن الوضوء، قبل أن يطلب مني خلع معطفي، الذي تناوله مني ووضعه على كتفه حتى انتهي..وأنا اتوضأ فوجئت أن الماء كان ساخناً، وهو ما استغربته، ففي السجون لم نتعود الحصول على ماء الشرب إلا بشق الأنفس، وإذا به هنا ماء بارد، وآخر ساخن في هذا الشتاء، وفي مدينة لا تعرف الكهرباء، إلا من المولدات الأهلية..قلت في نفسي ممازحاً إياها:أي دلال هذا الذي أنتِ فيه يا نفس!بعد الإنتهاء من الوضوء، ناولني الشيخ معطفي، والذي وضعته على الفرش، وبدأت في الصلاة..بعد التسليم، والإنتهاء من الصلاة، احترت أين أجلس، فأنا لا أعرف قوانين هذا السجن، وهل هذا الفراش لمن يجلس عليه، أم هو مسمى باسم كل شخص موجود هنا، أم أم.. فما كان من الشيخ، الذي كان يرتدي البزة الجهادية، إلا أن ينادي عليّ، ويطلب مني الجلوس بجانبه، بعدما أدرك (حيرتي) في الجلوس، رغم (خبرتي) الكبيرة من السجون والمعتقلات على إختلاف جهاتها..وهنا تذكرت صديقاً لي، وهو يمازحني يوماً بقوله:انت لم تترك سجناً لم تزره، ولم يبق إلا سجون الدولة الإسلامية لتدخلها..!وها أنذا أدخلها اليوم، يا صديقي.. قلتها في نفسي وضحكت لها علناً، مع إني من سعى لهذا، عبر بحثي عن الحقيقة، لكن آخر ما توقعته أن أكون هنا!حتى أن الشيخ سألني عن سر ضحكتي، فأجبته:شيء خطر ببالي!عاد الشيخ ليسألني عن تهمتي التي أدخلتني إلى سجون الدولة الإسلامية، فاحترت بأي شيء أخبره، فقررت التكتم على ما جئت من أجله، حتى أحصد ثمار النتائج المرجوة..قلت: عابر سبيل.. ولم أزد!قال: فهمت.. ولم يزد!الشيخ، الذين تبين إنه أمير القاعة، كما يطلق عليه هناك، عاد ليسألني مرة أخرى:لست كالآخرين، فلقد راقبتك في الصلاة، وكذلك شعرك لم تتم حلاقته..!! هل أنت من (الإخوة)!؟ومصطلح (الإخوة) هو ما يُطلق على المجاهدين كتسمية لهم..ضحكت، قبل أن أجيبه:وهل يدخل (الإخوة) إلى السجن!!قلتها بصيغة المتهكم!فأبتسم هو بدوره، وهو يجيبني بالقول:كثيرٌ ممن تراهم هنا في هذا السجن هم من المجاهدين!ماذا، كيف يُعقل ذلك، ولأجل أي شيء!! هكذا قلت، ثم أردفتها:وهل أنت من (الإخوة)، كما هو ظاهر على بزتك، أم هو لبس سجن ليس إلا!أجابني، وإبتسامته لا تفارق وجهه، وجه يحكي قصص وحكايات لا تنتهي.. قال لي:أنا أدعى (أبو عمر)، وأنا أمير في ولاية صلاح الدين، وتحت إمرتي الكثير من الجنود، بل قاطع بأكمله، لكنك تجدني هنا في هذا السجن بين اللصوص والمجرمين وغيرهم من أصحاب السوابق!تحدثت بتشنج:مجاهد يُسجن، ويوضع مع اللصوص، ويُعامل معاملة السراق وقطاع الطرق.. كيف يستقيم ذاك!؟أجابني بمفردة وعبارة، وحدها كانت كافية لأن تقام على أساسها أركان إمبراطورية تغزو مشارق الأرض ومغاربها.. إذ قال لي:إنه عدل (دولة الإسلام)!خاتمة الحلقةكنت قد وعدت أن أروي لكم ما حصل معي، وما رأيته في محكمة الدولة الإسلامية في حلقة واحدة، لكني هُزمت، وأنا الذي كنت أظن نفسي لا اُهزم، فالأحداث يغرق في بحرها عُتاة الكُتّاب، وكبار الصحفيين، فكيف بي أنا الذي لا زلت اتعلم أبجديات الصحافة، كما احسبُ نفسي..!!ففي أرض الخلافة، لا مكان للنصر أمام الدولة الإسلامية، حتى في مجال النقل والتوثيق والإعلام والصحافة، إذ يقف الإنسان مذهولاً أمام عظمة الأحداث، غير مصدق لوهلة إنه في عالم ما يزال قطب الكون فيه أميركا بكل ثقلها، ومن ورائها العالم الغربي برمته ورميمه، وقطبه الآخر الدب الروسي، وريث الإتحاد السوفياتي، ومن حوله صين الشرق ويابانها وإيران، وحول هذا القطب وذاك دويلات، وأنظمة، وتنظيمات، وتشكيلات ردة، يدعمون كلهم الإخطبوط الشيعي الذي إستفاق في غفلة من الزمن، بعدما تخلص وتجرد من كل تُقيته التي عُرف بها منذ قرون..لهذا، فإني لكم ناصح أمين، وناصح لنفسي قبل ذاك، أن لا تخوضوا يوماً حرباً، أو تجربوا حظكم، أو تطلقوا وعوداً، حينما يكون خصمكم في الطرف الثاني الدولة الإسلامية، لإنكم لن تخسروا فقط، بل وسيفتنكم نجاحها، ومن كان صادقاً مع نفسه، فلن يسوءه إنكساره أمامها، ما دامت هي على الحق، وهو على باطل الأفكار!

وللحلقات بقية!

حسين المعاضيدي

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأحد يونيو 28, 2015 3:35 pm

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي
هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Img_7578_small

الحلقة الثامنة

من يظن أن المجتمع، في ظل حكم دولة الخلافة، هو مجتمع ملائكي، إنما ضلّ سواء السبيل، فهناك الكثير من الترسبات، التي تعمل دولة الخلافة على تنقية المجتمع من مخلّفاتها، ففي هذا السجن، الذي لا أزال فيه، تبين لي حجم الكارثة التي تنتظر جيلاً مع الفجر غاب، كارثةً يتوجب على دولة الخلافة الإسلامية الوقوف عندها، بل والنّحت في الصّخر من أجل تدارك فجيعتها، فهي، إن استمرت، إنما تنذر بسير مستقبل أمة نحو هاوية المجهول!

فلقد وجدت أن الكثير من الصبّية، إن لم يكن من الشباب، لا يعانون من الأمّية القاتلة فحسب، ممن لا يجيدون القراءة والكتابة فقط، بل أن كثيراً من هؤلاء قد أدمن طريق الإنحراف، وليس من السهل أن تعيده بين ليلة وضحاها إلى جادة الصواب..!

صدقوني إن قلت لكم أن معركة دولة الخلافة الإسلامية الداخلية لهي أشد وقعاً وأكثر حسماً لمستقبلها من معاركها القتالية على حدود الولايات.. الخطر الداخلي يتمثل في جيش من المنحرفين، ذوو عقيدة منسلخة، أو تكاد تكون هكذا، لا يعرفون من أمور دينهم سوى صلاة ضيّعوها، يُجبرون اليوم على تأديتها، ولو بحد السيف، وصيام لا لون، ولا شكل، ولا طعم له، إن كان هناك صيام من الأساس، وجامع كان لا يُزار إلا في السنة حسنة، كما يقال، وهؤلاء واجب إصلاحهم أهم من فتح مدن جديدة، وأهم من إضافة أراضِ أخرى إلى مساحات وأراضي دولة الخلافة المترامية الأطراف بعد الفتوحات المباركة، أو على الأقل منحهم ذات مساحة الدعم، فوقود المعركة، إلى جانب السلاح، الرجال والشباب الذين يتوجب تصحيح عقيدتهم وأفكارهم ليكونوا مؤهلين للإنخراط في صناعة مستقبل جديد لهذه الأمة، التي يُراد لها أن تهرم، بل ويعمل من سقتهم الذل يوماً على أن تشيخ، رغم إن الله قد كتب لها ديمومة الشباب والنَضْارَة، حتى تفنى الأرض ومن عليها، وتطوى السماء وما فيها.. ومهما كان عدد جيش الخلافة الذي يقاتل ويرابط على الثغور، فأعلموا أن الدولة الإسلامية بحاجة لجيشٍ آخر، يزيد هذا الجيش عدداً، وبأضعاف مضاعفة، لإعادة (هيكلة) كل هؤلاء الصبية، وتصحيح بوصلة هذا العدد من الشباب المنحرف صوب طريق الحق، طريق رب العباد..!

لكن، وقبل الخوض في آخر محطات سلسلة حلقات (هنا أرض الخلافة)، أود التنويه أن بعض الرسائل قد وصلتني، يستفسر أصحابها فيها عن قصة تحرير سجن بادوش، وأعداد المحررين له، متسائلين إنني كنت قد ذكرت إنهم كانوا ثلاثة مجاهدين فقط، في حين أن إصدار (فتح الموصل) أظهر، بحسب بعض المتسائلين، أن من حرر السجن أكثر من هذا العدد من المجاهدين!

لهذا وجب التوضيح إنني، بدايةً، أنقل عن الآخرين، ولست من يتحدث عن هذه المعلومات التي لم أكن شاهداً عليها، بل ناقلاً لها على لسان من عاشوها أو تعايشوا معها!

أما حكاية السجن الذي ظهر في الإصدار الجهادي (فتح الموصل) فقد كان التصوير لسجن (مكافحة إرهاب نينوى)، وليس لسجن (بادوش) المركزي الذي كنا نتحدث عنه، فسجن (بادوش) كان قد تحرر بعد أن يسر الله للمجاهدين هدم أسوار سجن (مكافحة إرهاب نينوى)، كما كان الشيعة والكرد والمرتدين يطلقون عليه..!

أعداد المجاهدين، الذين تم على أيديهم تحرير الموصل بجانبيها، تطرقت إليها بعض الرسائل كذلك، فلقد ذُكر على لسان (أبي عبدالله) إنهم كانوا خمساً وسبعين مجاهداً، في حين أن إصدار (فتح الموصل) قد أشار إلى ثلاثمائة مجاهد، ولا أعرف حقيقة الأمر إن كان (أبا عبدالله) كان يتحدث عن عموم محافظة نينوى، أم إلى مدينة الموصل فقط، لكنني، وبكل الأحوال، اُقدم رواية الدولة الإسلامية، ممثلة بإصدار (فتح الموصل) على رواية (أبي عبدالله)، وإن كنت أنا ناقلها، فهم أهل مكة، وهم أدرى بشعابها مني، ومن (أبي عبدالله)، الذي كان يقود محوراً واحداً من عدة محاور كانت تشرف عليها القيادة المركزية للمعركة الكبرى، لهذا فيقيناً أن الأصدار أدق مني، ومنه، في الحديث عن أعداد المجاهدين، الذين بارك الله جهادهم، حتى مكّنهم رب السماء من فتح الموصل، أو عموم نينوى على أيديهم!

ملاحظة ثالثة تناولتها بعض الرسائل، أخذ عليّ مرسلوها إنني كنت اُخفي سبب وجودي هناك، فأدعي بإنني متهم بهذه التهمة أو تلك، وهنا أود الإشارة إلى أن الدخول إلى هذه الأماكن، وبصفة صحفي، سيجعل مني شخصاً غير مرغوب الحديث إليه من قبل المعتقلين والسجناء، وهذا ما تعلمناه في دراساتنا الإعلامية حول كيفية الحصول على المعلومة، فحينما يُدرك الشخص المقابل أن من يتحدث إليه، كحاله، جاء بقضية ما، فإن ذلك سيجعله ينفتح بالحديث ويتوسع، لكن ما أن يعلم بإن محدثه صحافي، فإنه سينظر إليه، وكإنه القاضي والجلاد، فيهرب منه، كما تهرب الصحيحة من الجرباء، وحق لهم ذلك، بعد أن باتت مهنتنا الإعلامية لا تحوي إلا الجرباء، إلا من رحم ربي!

***

في هذا السجن رأيت العجب العجاب، رأيت اُسوداً جائعة تريد الخروج لتنهش من لحم الكلاب، رأيت مجاهدين مكبلين بقيود المخالفة، وآخرين حرمهم عدم التقيد بإصول وقواعد القتال من إكمال رحلة وطريق الجهاد، وجمع غفير أهلكتهم ذنوبهم ومعاصيهم، فجاءوا إلى هنا للقصاص منهم وفق شريعة الرحمن، كي يتم رد الحقوق لأهلها، فيتم الإنتصاف للمظلوم من ظلمته، وللمسروق من سارقيه، وللمقتول من قاتليه، بل لتطهير المسيء مما اكتسبت يديه، ومما سار إليه بقدميه، لعل الله يهديه، فيستقيم بعد توبة، أو يرأف بحاله يوم يكون بين يديه..!

لكن، وفي خضم هذا الكوكتيل، الذي يضم خليطاً غير متجانسٍ من المجاهدين والمذنبين واللصوص والمجرمين والقتلة والخاطفين، بقيّ سر وجود (أبو عبدالله) غامضاً بالنسبة لي، وكلما غاصَ أكثر في الحديث عن مآثر الجهاد التي شارك فيها، كلما تعمق لدي الشعور بضرورة إستكشاف سر وجوده هنا، فرجل مثله، كيف له أن يكون هنا، وكيف يستقيم الأمر إن كان هذا المجاهد الصنديد مجرماً!

كنت انتظر أن يُبادر هو إلى الحديث، دون أن اسأله أنا، لكني، وفي داخل نفسي، كنت أرجح نظرية وجوده هنا بسبب مخالفات جهادية، أو بسبب قضية مادية، كحال (أبي عمر)، أو ربما بسبب الفضول والبحث عن الحقيقة، كحالي أنا، لكن وقعُ الأمر عليّ كان أعظم من ذاك بكثير، فـ(أبو عمر)، قال لي، وهو يهمس باُذني:

دع الأمر الآن، حتى لا تثير المواجع..!

لكنني صحافي، وأحياناً أتجرد من المشاعر، وهذا ما تعلمته في دراستي الأكاديمية، لهذا لا يمكن أن أجعل الأمر يمر مرور الكرام هكذا دون أن أعرف، وهو ماجعلني، بعد همس (أبي عمر) لي بتجاوز الأمر، بسؤال (أبي عبدالله)، مقاطعاً أحاديثه عن بعض معارك لاحقة خاضها بعد فتح الموصل، إذ قلت له:

مثلك لا ينبغي له أن يكون هنا، فلماذا أنت هنا يا (أبو عبدالله)؟!

وهنا، وبدل أن يجيبني، صوّب نظراته نحو (أبي عمر)، وهو يحادثه، قائلاً له:

ماذا أقول له..!؟

ثم أضاف:

قل له أنت يا (أبا عمر)!!

وهنا أبتسم (أبو عمر)، بعد تمردي على كلامه، وهو يُجيبني:

ما من فائدة، فضولك الصحافي، سيُهلكك..! قالها هكذا، ثم اعقبها بضحكة بعد الإبتسامة!

لكنني لم اقتنع بتحويل الجواب إلى (أبي عمر)، فقلت له:

بل أريد سماع القصة منك أنت، لا نقلاً عن الآخرين!

قال لي:

سأحدُّثك، بشرط...!

قاطعته، قبل أن يكمل جملته:

أنا موافق!

فأستدار إلى (أبي عمر) وهو يقول له:

يبدو أن أخانا (حامي)!

صَمتُّ بدوري، حتى لا أحول الحديث إلى مناقشة الفضول الصحفي، منتظراً الإستماع إلى شروطه..!

قال (أبو عبدالله):

أنت صحافي، وحسبما علمت من (أبي عمر) إنك إعلامي معروف، وتستطيع أن تفعل الكثير، لهذا لن أتحدث حتى تعدني بإيصال صوتي إلى الخليفة..!

وعدته، بالكتابة عن قضيته يوماً، وأن أسعى أن يصل ما اكتبه إلى الخليفة نفسه، خصوصاً بعدما علمت عن جهاده ودوره في تحرير سجن (بادوش)، بمساعدة شقيقه، ومجاهد عربي، لا غير!

وافق على الحديث، بعدما وجد مني صدقاً في وعدي، أو ربما هذا ما توسمه بي، أن اَصْدِقَ في وعدي!

بدأ (أبو عبدالله) يتحدث أولاً عن دوره ودور أشقائه في المعارك الأولى، وعن تعاونه المثمر مع (أبو ليث)، الذي كان قد وصل في معركته بعد إنهيار قطعات البيشمركة الكردية إلى بوابة (كلك)، عند مدخل أربيل الغربي، والذي أشار (أبو عبدالله) إلى إنه لولا أن القيادة أمرته حينها بالتوقف عند حدود أربيل، بُغية إكمال السيطرة على نينوى، لكان للوضع اليوم شأن آخر، و(أبو ليث) هذا، كان قد تسلم إمارة ولاية نينوى، قبل أن يترجل عن فرس جهاده، ملتحقاُ بالرفيق الأعلى، مقبلاً غير مدبر، تقبله الله!

يواصل (أبو عبدالله) حديثه:

بعد الإنهيارات التي حصلت في صفوف القوات الشيعية والكردية، والمرتدين من الشرطة المحلية، فوجئت بعد فترة بإنه تم إستدعائي من قبل المحكمة الإسلامية، وبعد دخولي إلى السجن، قبل عرضي على القاضي، فوجئت بإثنين من إخوتي وهما يقبعان في السجن قبلي، دون أن أفهم السبب!

يضيف:

حينما سألتهما عن الأمر أنكرا معرفتهما بأي شيء وتهربا مني.. لكن وبعد عرضي على القاضي، وهي المرة الوحيدة التي وقفت فيها أمام القاضي، أخبرني أن إخوتي هؤلاء قاموا، وبمشاركة أربعة آخرين، وبلا أوامر جهادية، بنصب نقطة تفتيش على أحد الطرق الخارجية، وأقدموا على قتل منتسبين سابقين للشرطة والجيش، دون أوامر قضائية، مع أن الأمن قد استتب حينها في الموصل، وتشكلت المحكمة الشرعية، التي هي من تختص بالنظر في مصير كل من يقطن على أرض الخلافة، حتى وإن كان عميلاً، أو جاسوساً، أو مرتزقٍ سابق، وهو ما جعلني اَعيشُ لحظات جنون حقيقية، فطالبت القاضي، يقول (أبو عبدالله)، أن أتولى بنفسي تنفيذ العقوبة في إخوتي، أياً كان شكلها، ومهما علت درجتها..!

كان (أبو عبدالله) يتحدث والوجع يعتصر قلبه، فيظهر على تقاسيم وجهه وقعُ الألم، ليرسم علامات وملامح الموت، وطلب الثأر والإنتقام، ليس لإخوته، بل منهم!

أقدم (أبو عبدالله) على مقاطعة أخويه مقاطعة تامة، ورفض الحديث إليهما، رغم إنهما كانا في زنزانة واحدة معه، وهدد بإنه لن يتردد لحظة من قتلهما، في ما لو حاولا التقرب منه في السجن..!

ينتقل الحديث لـ(أبي عمر)، ليكمل قصة رفيق زنزانته، بعد توقف (أبو عبدالله) عن الكلام، بعدما نادى عليه حراس القاعة، لينشغل بأمر الطعام والإستعداد لإستقبال وجبة جديدة من السجناء بعد الإنتهاء من الطعام..

روى لي (أبو عمر) لحظاتٍ، كنت اتمنى لو أن (أبا عبدالله) نفسه هو من يرويها، لولا الرأفة بحاله، وربما كان ذلك خيار (أبو عمر) بتولي مهمة إكمال الحديث عن القصة، حتى لا ينتكس (أبو عبدالله) نفسياً من جديد، من هول وقع الأمر عليه، إذ يقول إنه، وكلما فُتحت هذه السيرة، فإن الأسى يصبح رفيقه لأيام، خصوصاً بعد أن طالت أيام سجنه، لتقترب من المائة يوم، فالقضية فيها دماء، وقتل، خصوصاً، إذا علمنا، أن القصاص سيكون فيها هو القتل (حرابة)، وهو بالفعل الحكم الذي أصدره القاضي بحق المجموعة، المكونة من ستة أشخاص، بضمنهم إخوة (أبو عبدالله)، الذي أصر بنفسه على تنفيذ الحكم بحق إخوته، وقتلهم بيده، لكن القاضي كان له كلاماً آخر، فتم تنفيذ الحكم، بالقتل، على مرأى من الناس في وسط الموصل.. مع ملاحظة إنني تعمدت إدغام بعض التفاصيل في هذه القضية لدواعٍ أمنية!

ويروي (أبو عمر) لحظات أخذ إخوة (أبو عبدالله) من أمامه، لتنفيذ الحكم (قتلاً) فيهم، حيث يصف تلك اللحظات بالقاسية جداً، قاسية على (أبي عبدالله)، الذي كان صلباً صلداً، كما يصفه (أبو عمر)، وهو يرفض حتى اللحظة الأخيرة الحديث إلى أخويه، أو وداعهما، وهما يسيران إلى الموت، مكتفياً بإلتزام الصمت، في حين أن دموع السجناء جميعهم قد أغرقت السجن، من شدة هول الموقف، لكنه الحق والعدل، الذي خضع له (أبو عبدالله)، راضياً بقضاء الله وحكم شرعه، فإن لم يطبق هذا الشرع على المجاهدين أنفسهم، فلا خير فيهم حينذاك، لكنهم إنما يسيرون على نهج سيد البشر، حينما كان على إستعداد أن يقطع يد ابنته فاطمة، لو إنها سرقت، بل ولن يبارك الله في تلك الخلافة، إن لم تقام أركان حكمها على العدل الإلهي، وتسير على منهاج النبوة..!

يقول (أبو عمر)، أن (أبا عبدالله) رفض أن يعزّيه أحد في إخوته، مصراً على إنهما يستحقان مصيرهما هذا، بعد الذي أرتكبوه، وخصوصاً في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الخلافة، وقد إجتمعت ملل الكفر عليها، ما يجعل أي خطأ يرتكبه أحد من الجند، أو من الأمراء، لا يُمكن أن يغتفر، لكن ما يحزُّ في نفس (أبي عبدالله)، كما يقول (أبو عمر) أن القاضي يرفض إطلاق سراح (أبو عبدالله)، رغم إنه لا علاقة له بما فعله أخويه، بل إنه كان في سوح الوغى والجهاد حين وصله أمر الإستدعاء، لكنه، والكلام لـ(أبي عمر)، يتفهم دوافع القاضي، فهو يخشى، والظن لـ(أبي عمر)، من تأثير الأمر على (أبي عبدالله)، فينتكس حاله بعد فجيعته بإخوته، لهذا أراد له أن يبقى في السجن هنا حتى يستقر حاله!

كان هذا تخميناً من أبي عمر لقرار القاضي بالتحفظ على (أبي عبدالله)، لكن (أبو عبدالله)، بعدما عاد لاحقاً ليروي لي ما تبقى من القصة، أكد أن ما يزعجه، ويجعله يكاد يفقد صوابه، ليس ما جرى لأخويه، بل لإنه لا علاقة له بالأمر، فيُؤخذ بجريرة أخوية، فيحرم من العودة إلى سوح الجهاد، التي لم يغادرها منذ سنين، حتى يوم كان الأميركان هم من يفرضون سيطرتهم على المدينة قبل أن يتم إستبدالهم بالأذناب من الشيعة وملاحدة الكرد والمرتدين..!

يقول (أبو عبدالله)، وهو يحدثني عن بعض مما قام به، وكإنه يريد مني إيصالها إلى القاضي، أو إلى الخليفة، أو من يهمه الأمر:

لقد كنت أمتلك معملاً ضخماً للحجر وللمواد الإنشائية، حولته إلى أكبر مخزن للأسلحة، فكنا نأتي بسيارات من الأسلحة ونكدسها في معملي، رغم أنه يجاور موقعاً عسكرياً، وهو ما كان يجعله بعيداً عن الشبهات، وكانت جرافاتي (شفلات)، وسياراتي، في خدمة المجاهدين، ومن بيتي تنطلق معظم العمليات الإستشهادية التي كانت تستهدف القوات الشيعية والكردية في الموصل، وذلك ليس منّاً مني، بل هو الواجب، لكن، أبعد هذا يتم حرماني من الجهاد، بجريرة إخوتي!!

قل للخليفة إن تمكنت من الوصول إليه، هل يجوز ذلك، وأي شرع يقبل بهذا!؟

كنت التزم الصمت، تعجباً ومستغرباً، هذا الرغبة الجامحة التي تجعله يصل لهذا المرحلة من التوسل لإطلاق سراحه للعودة إلى سوح الجهاد، فيما كان (أبو عمر) يحاول تهدئته، ويقول له:

إنه الإبتلاء يا (أبا عبدالله)، فهلا أريت الله منك الصبر والثبات.. فيرد عليه بغصة وحسرة وكلمات تخنقها عبرة:
ومن أين آتي بالصبر يا (أبا عمر)، تالله لو إني فعلت شيئا، أو ارتكبت إثماً فهذه رقبتي وليفصلوا رأسي عن جسدي، لكنني اُخذت بجريرة إخوة، لم يراعوا حق الله، فنالوا نصيبهم من العقاب والجزاء، واُشهد الله إني راضٍ بما حُكم عليهما، بل وتمنيت لو إنني من ينفذ فيهما الحكم، لكن أن اُحرم من الجهاد، فهذا والله أشد ما يُحزنني، بل ويجعلني أشعر بالجنون!

(أبو عبدالله)، هذا الذي جعلني أشعر بضآلة حالي، وحال أمثالي، ممن يحسبون أنفسهم إنهم قد قدموا شيئاً للمجاهدين، من دعم أو إسناد أو مناصرة، يضيف قائلاً:

نعم والله أشتاق لأبني الصغير، وأتمنى أن أضمه إلى صدري، وقد فاض بي الشوق إليه كثيراً كثيراً، لكنَ والله شوق الجهاد أكثر وأكثر، ويفوق حب أبني الذي لا أقوى على وصف حاجتي لإحتضانه الآن..!

بعد أن ختم (أبو عبدالله) قصته، والتي تكفل (أبو عمر) برواية أجزاءٍ وفصولٍ منها لي، إستئذنتهما، بعدما كانا يتحدثان إليّ في تلك الزاوية المنعزلة من ركن إدارة قاعة السجن، وغادرتهما متجهاً إلى حيث المغاسل، متذرعاً بنيتي الوضوء لإداء الصلاة، مع أن وقتها لا يزال بعيداً، لكني في حقيقة الأمر كنت بحاجة للبكاء، فلقد بقيت صامتاً طيلة سرد قصة (أبو عبدالله) لي، وتحاملت على نفسي، حتى لا يفوتني شيئا من تفاصيلها، وحينما انتهيت من الإستماع لهما، وبعد الإستئذان دخلت الحمام لأرتمي على الباب من الداخل وأجهش في البكاء لعدة دقائق، رغم سروري لما كنت أسمع، فإن تمتلك مثل هذه المعدن من الرجال المؤمنين، الذي يؤثرون على أنفسهم، وعلى أهليهم، حب الجهاد، كيف لعدو كافر، أو رافضي مشرك نجس، أو مرتد ضّال، أن يهزمك حينها.. كنت أتمنى على نفسي أن تحتمل سماع مثل هذه القصص والحكايات، لكن من أين لي قلب يحتمل كل هذا الإيثار الجهادي الذي أراه!!

يتبع

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأحد يونيو 28, 2015 3:37 pm

عدت من المغاسل، وبدل أن أتجه إلى (أبي عمر) و(أبي عبدالله)، كون لا تزال عيوني خارج سيطرتي، رغم كميات الماء التي رشقتها على وجهي، قررت أن أتجول في (ربوع) قاعتنا الطويلة العريضة، فأخترت الحديث إلى ذلك اللص الطريف، والذي سرق عمته، ممن كان يحمل، وللأسف، خير الأسماء، (محمد)، فلقد حدثني عن قضية الشابين الأخوين، ممن أفرج عنهما القاضي وكافأهما، بدل معاقبتها على سرقتهما، دون أن يحدثني عن قصته هو، والتي إكتفى بالقول عنها، إنها سرقة لدار عمته، ومحاولة قتل زوجها!

ناديت عليه، وأخرجته من بين زميليه، اللذان كانا يشكلان معه تعداد تلك العصابة التي إرتكبت الجريمة..!

سألته:

يسمونكم عصابة (الرّقة)، فما الذي جاء بكم إلى الموصل..!؟

قال لي:

أنا ومجموعتي من نينوى، ونسكن الموصل، لكن الشرطة الإسلامية إعتقلتنا في (الرقة)، حيث كنا في طريقنا إلى تركيا!

كررت سؤاله:

قلت إنك سرقت عمتك، وحاولت قتل زوجها.. لماذا!؟

قال لي:

لقد كنا نخطط لسرقة مبلغ خمسة ملايين دينار من دار عمتي، كوني كنت، وزملائي، بحاجة للمال، لتسديد دين علينا، وقد علمت أن لدى عمتي مبلغاً من المال، فقررت أن أسرقه بالإتفاق مع أصدقائي..!

كان حديث اللص معي مجرداً من أية أحاسيسٍ أو مشاعر، وكإنه يتحدث عن دار إمراة غريبة، لا عن شقيقة أبيه، وهو ما يرمز إلى الحال الذي وصل إليه شبابنا في ظل الاحتلال ومخلفات الاحتلال، ممن حكموا البلاد بالنار والحديد والفساد، فهذا الشاب العشريني حينما جاء المحتل لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة بعد، وزملائه أقل من هذا العمر..!

يواصل حديثه، في مجمل ردّه على تساؤلاتي:

لقد إتفقنا، أنا وزملائي، على مهاجمة دار عمتي، فأتجهنا إلى الدار، وطرقنا الباب، وحينما خرج زوج عمتي، سحبنا عليه السلاح، ثم قمنا بربط وثاقه، وكنت قد عزمتُ قتله، حينما حاول المقاومة، لكننا تمكنا من السيطرة عليه بعد ذلك، وكذلك فعلنا بعمتي التي ربطنا وثاقها، فيما أخذت أبحث أنا عن مكان المال المخبئ، حيث كنت على دراية بالموضع الذي تخبئ فيه عمتي المال، والذي وصلت إليه بيسر وسهولة، فكانت هنا المفاجئة، حيث تبين أن عمتي وزوجها يمتلكان مبلغَ خمسٍ وأربعين مليوناً من الدنانير العراقية، وهو مبلغ يعادل ما قيمته أكثر من أربعين ألف دولار أميركي تقريباً، فكان القرار أن لا نكتفي بما نحتاج إليه من مبلغ (زهيد)، بل أن نأخذ كل ما هو متوفر من مال، ثم نتجه بالمبلغ إلى تركيا، فهو مبلغ كبير يكفي لنرتب به أمورنا هناك، فاستأجرنا سيارة (تاكسي) واتجهنا إلى الحدود التركية..

قاطعته، مع إنه كان سيأتي على الجواب، لا محالة، لكني لم أطق الإنتظار حتى يتطرق إلى ما أريد معرفته.. إذ قلت له:

وكيف تم القبض عليكم، بعدما نجحتم من الخروج من الموصل!؟

فردّ عليّ:

بعدما وصلنا إلى مشارف (الرّقة)، تبين أن سائق السيارة الإجرة قد شك في أمرنا، وهو ما دعاه لإبلاغ إحدى نقاط التفتيش التابعة للدولة الإسلامية، التي قامت بتفتيشنا، فوجدت معنا المال، فأعترفنا مباشرة بالسرقة، وتم التحفظ علينا في (الرّقة)، لتوثيق إعترافاتنا هناك، قبل أن يتم إرسالنا إلى هنا..

وقبل أن يُكمل الحديث معي، نادى عليه، وعلى بقية زملائه، الحرس، طالباً منهم إستلام الملابس الجديدة المخصصة لهما، وهي عبارة عن بجامة، أو ما تسمى بالـ (تراكسوت) الرياضي، والإستعداد للمغادرة..!

شعر (محمد) بالرعب الشديد، بعدما تحول وجهه إلى ما يشبه الكركم الهندي، أو الطماطة الهولندية المتخشبة، التي يتوزع لونها بين الأحمر والأصفر، فكاد يفقد السيطرة على نفسه، وهو الذي كان يتحدث بكل برودٍ عن جريمته، فقال لي، وهو يرتدي الملابس التي استخرجها من الكيس النايلوني:

ماذا تتوقع.. هل يرحلونا إلى الرّقة ثانية، أما ماذا!؟

وكعادتي في مثل هذه المواقف، أذكر أسوأ الإحتمالات، مداراة للمشاعر، حتى لا تتم مفاجئتهم بما هو أسوأ، فقلت:

إما قطع يد، أو قطع رأس!

فأخذ يتحسس رقبته تارة، وتارة كف يده، وهو يرتجف من شدة الخوف..!
غادر (محمد)، وزملاء جريمته، القاعة، وما هي سوى ساعتين أو ثلاث، حتى عاد إلينا، ولحظات الخوف والرعب الذي خرج بهما قد إزدادت نسبتهما، حيث أخذ يُحدّث من استقبلوه عند الباب، وهم يتساءلون عما جرى، إنه تم توثيق إعترافاتهم، عبر التلفزيون، وما كان يقصده، إنه تم تصويرهم وهم يتحدثون عن كيفية إرتكابهم للجريمة.. وليس هذا ما كان يرعبه، بل ما كان يثير الهلع في نفسه إنه سيتم عرض التصوير على الخليفة، كما أخبروه بذلك، بحسب ما يزعم.. وكان يسأل كل من يقف معه، عن توقعه عن الحكم الذي سيصدره الخليفة بحقه، مع أن هذا الأمر كان من إختصاص القاضي، وليس الخليفة، لكن، وعلى ما يبدو، كان هناك من يريد إرهابه وإرعابه أكثر مني، أو ربما أن هذا هو بالفعل ما سيحدث، نتيجة طبيعة ونوع الجريمة التي إرتكبها هذا الشاب بحق عمته وزوجها، لا أدري!

قصة الشاب (عصام)، إنموذجاً آخر لإفرازات الاحتلال ورماده الذي خلفه، فهذا الشاب قد تورط في سرقة دار عديله، (زوج شقيقة زوجته)، كما هي تهمته، الذي كانت تنهمر دموعه بغزارة أمامي، وهو يحدثني عن ولادة زوجته لطفلةٍ، وهو في هذا السجن، طفلة اسمتها أمها (أميمة)، بعد أن دخل هو السجن قبل ولادتها بإسبوع..!

لكن (عصام)، والذي كنت اُناديه من بعيد بـ (حرامي عديله) كناية عن تهمته، كان يضحك وهو يقول لي:
كلما حاولت أن أنسى تهمتي تذكرني بها أنت فتحزنني..!

كان (أبو عمر) يكثر من الحديث إليه ناصحاً إياه بالإقلاع عن السرقة، فكان يؤكد له أنه، وبمجرد الخروج من هنا سيقوم بذبح خروفين لوجه الله تعالى، ما يجعلني أتدخل قائلاً: يبدو أنك سرقتك كانت دسمة من (عديلك) ما يجعلك تملك خروفين، فكان يضحك، ويقول:

لا والله، بل سأجعلها من مال حلال..!

كان (عصام) هذا، وقبل تحرير الموصل، قد تعرض للأختطاف على يد عصابة مدنية تابعة للآسايس (إستخبارات البيشمركة الكردية)، وأخذوه بعد الإختطاف إلى وكر سري، كي تتم مبادلته لاحقاً بمبلغ كبير من المال كفدية، كما يؤكد، لكنه، وبعد أيام من الإعتقال، وأثناء محاولة إطعامه من قبل سجانه، تمكن من مباغتة الحارس، فأخذ سلاحه (مسدس)، وأقدم على قتل الخاطف، الذي كان يتواجد لوحده في الدار، في ظل غياب الباقين، ليهرب بعد ذلك، حتى وجد نفسه في قرية جبلية، وحينما هب الناس لنجدته، بعدما رأوه في ذاك المنظر المرعب الذي كان عليه، كما يستطرد، سارعوا لإقتحام البيت الذي كان مختطفاً فيه، ليجدوا فيه العديد من الجثث، بعضها تم دفنه، وبعضها لم تدفن بعد، وليكون بذلك (عصام) سبباً في إكتشاف واحدة من أشهر جرائم الخطف التي كانت تنفذها فرق الموت التابعة إلى الآسايش الكردية..!

كان (عصام) يكثر من ترديد أنه بريء، رغم أن الأدلة الثبوتية والجرمية كلها أكدت إنه متورط في جريمة سرقة دار شقيقة زوجته، خصوصاً وأن (عديله) هو من وجّه له هذه التهمة، كما أن المسروقات وجدت في داره، لكن القاضي، الذي قابله خمس مرات، كان يرفض النطق بالحكم حتى يقرّ (عصام) بالتهمة، وهو ما جعل فترة حبسه قد تجاوزت الأربعين يوماً..!

(عصام) ظل يُردد، طيلة فترة وجوده في ذلك السجن، إنه ما أن يخرج من هذه الزنزانة حتى يسارع إلى التكفير عن ذنوبه السابقة، دون أن يحدد إن كانت سرقة (عديله) من بين تلك الذنوب أم لا، لكنه كان يُكثر من اُمنيته الإلتحاق بسوح الجهاد، فهي الطريقة الوحيدة، كما يقول، التي تجعل توبته مقبولة عند الله..!

كان (عصام) وهو يتحدث، يضغط كفيه بقوة على رأسي، وهو يقوم بعملية تدليك لرأسي، بعدما داهمني صداعاً متقطعاً لأيام، ألم حاول أن يمنع عليّ فضول معرفة قصة كل من كان يقبع في هذا السجن، لكن دون جدوى، فلا يمكن لصداع، أو وجع، أو توعك، مهما كان شكله، أن يمنعني من التطفل على خبايا وخفايا كل من دخل هذا المكان، وهم يحيطون بي، كما تحيط الإسوارة بالمعصم!

وما أن ينتهي (عصام)، من عملية المساج لرأسي، والذي يمتد أحياناً إلى أكتافي، يبدأ يمسك برأسه ويردد أن الألم إنتقل إلى رأسه هو، مؤكداً إنه وكلما عمل مساجاً لمن أصيب بالصداع، ينتقل الألم بالتالي إلى رأسه، فكنت أمازحه، بالقول:

إن إقتنع القاضي بإنك لست لصاً، فسأقتنع أنا بما تدعيه الآن..!

فكان يقسم بأغلظ الأيمان على صحة كلامه، وهو يضحك!

كان ثمن مساج (عصام)، الذي يقوم به لرأسي، جلوسه معي وإستماعه إلى الكثير من القصص الصحفية التي أرويها له، ولغيره ممن يشاركونه الإستماع لي، والتي تنتقل إلى الحديث عن أوربا التي قدمت منها، وكيف يعيش الناس فيها، وكيف يفكرون، وكيف ينظرون إلى الإسلام، وسرعان ما ينتقل الحديث بعد ذلك إلى ربط ذلك بالمجتمع المسلم، لأبدأ من خلال ذلك مهاجمة الجالسين وإنتقادهم، ومطالبتي كل واحد منهم بذكر قصته، كي أدعم بها دقة كلامي، مع أن حقيقة الهدف الرئيسي من هذا الأسلوب كان لمعرفة قضايا هؤلاء الذين يجلسون قربي مستمتعين بحكاياتي، والذين كانت تتبدل وجوههم مع كل جلسة جديدة، إلا (عصام) الذي يبدو لي إنه كان يستخدم نوعاً من الصمغ الذي يستعمله حكام المنطقة الخضراء الجدد، أو حكام البلدان العربية، ممن لا يفارقون كرسي الحكم والعرش إلا إلى القبر، إلا أنني وجدت طريقة مبتكرة لجعل (عصام) يهرب، كالغزال، من أمامي، كلما أكثر من أسئلته التي تستفزني، فلا فضول أريد له أن يتفوق على فضولي على ما يبدو، لهذا كنت أقطع الحديث فجأة، لأقول لـ(عصام):

ما شاء الله، لقد ذهب الألم من رأسي مباشرة بعد دقائق من قيامك بالمساج!

فيفرح لذلك (عصام)، كوني أثبت للجالسين إنه بارع في عمله هذا، لكني سرعان ما أعقبها بالقول:

أتدري إن خيرة السحرة لا يستطيع عمل هذا، أنت ساحر من الطراز الرفيع!

وهنا يبدأ (عصام) يتلفت شمالاً ويميناً، وعلامات الرعب بادية في وجهه، وهو يقول:

يبدو أنك لا تريد للقاضي أن يكتفي بقطع يدي على تهمة السرقة التي جاءت بي إلى هنا، بل تريد له أن يضرب رأسي بالسيف ويقطع عنقي بتهمة السحر.. ثم ينهض، من فوره، من الجلسة ليغادر، ويده تمسك برقبته، مردداً:

الله يسامحك أبو قسورة!

بعض قضايا المعتقلين، والتي يكون فيها الخصم هو الدولة الإسلامية سرعان ما تنتهي، ويغادر صاحبها هذا السجن، وهذا ما شدّ إنتباهي.. فأكثر من قضية كانت تحت هذا البند، أي أن تكون الدولة الإسلامية هي الخصم، فيتم حسمها بسرعة، ولا اُبالغ إن قلت أن بعض المعتقلين كان يتمنى أن تكون الدولة الإسلامية هي خصمه في قضيته حتى يتم حسمها بسرعة، لكن يا ترى كيف يكون الحكم في مثل هذه المسائل، وكيف تأخذ الدولة الإسلامية حقوقها في مثل هذه الحالات، خصوصاً حينما تكون هي الخصم، وهي القاضي، وبيدها سوط الجلاد!؟

مداهمة لدار أحد المشتبه بهم، تمت في ظلام أحد الليالي، تسببت في مقتل أحد رجال الدولة الإسلامية، بعدما ظنه صاحب الدار لصاً يحاول سرقة الدار، فأطلق النار عليه، ليرديه قتيلاً في الحال، فوجد الفاعل نفسه معنا في هذا السجن، وبعد عرض متكرر على القاضي أفرج عنه، وأخلي سبيله، فالتهمة الإولى (الإشتباه) أثبتت إنه بريء، وتهمة القتل، تم العفو فيها عنه، كونه قتلاً غير متعمد، وأشبه ما يكون بدفاع عن النفس، نتيجة الظلام الذي كان يلف المكان، والذي لم يتعرف فيه القاتل على هوية المهاجم، فتم إطلاق سراح القاتل، ليغادر السجن إلى داره!

وفي ذات السياق، لفت إنتباهي تهمة أخرى وجهت لإمام وخطيب جامع عثمان بن عفان، وكان رجلاً في الأربعينات من العمر.. فالإمام والخطيب تم إتهامه بالوشاية بمجاهدين من الدولة الإسلامية، كان يعرفهم، فمنح اسماؤهم وعناوينهم للجيش الشيعي وللشرطة المرتدة، قبل أن يتم تحرير الموصل وفتحها، وقد حصلت الدولة الإسلامية على الوثائق التي تدين هذا الإمام والخطيب من ملفات الجيش الشيعي والشرطة المرتدة التي عثرت عليها في مقراتهم، بعد هزيمتهم من الموصل..!

كان هذا الإمام يُكثر من الجلوس إلى (أبي عمر) ليحدثه عن قصته، وتفصيلاتها، والسبب الذي اضطره لتسليم عناصر الدولة الإسلامية إلى الشيعة وإلى المرتدين، حيث كان يبرر ذلك بالتعذيب العنيف الذي تعرض له على أيديهم، حتى إنه ما عاد يحتمل طرق تعذيبهم البشعة، خصوصاً بعدما قاموا بكسر عدد من أضلعه، بل إن آثار التعذيب على جسده كانت كوشم استبدل لونه الأخضر بالأزرق، وإن ما جرى كان خارج عن إرادته نتيجة ما واجهه من ألم مميت!

مثل هذا الشخص كنت أتوقع أن تكون نهايته ضربة بالسيف، كما هو متعارف، كحكم شرعي لمرتكب مثل هذه الجريمة، لكن القاضي كان له رأي آخر، فهو قد وجده مكرهاً على هذا الفعل، خصوصاً، أن التقارير الطبية أكدت صدق كلامه بخصوص التعذيب العنيف الذي تعرض له، فتم إطلاق سراحه، وعاد إلى منبره في ذلك الجامع، بل وما وصل إلى أسماعي لاحقاً إنه بايع الدولة الإسلامية بعد خروجه من سجنها!

شابان من الموصل، كان أحدهما يرتدي معطفاً، أسود اللون، يكاد يصل إلى أخمص قدميه، فوق (شروال) كردي، أشبه ما يكون بالسروال الفضفاض، لمن لا يعرف معنى الـ(شروال)، في حين أن الشاب الثاني كان يرتدي بنطلوناً من الجينز، تم إعتقالهما، حينما كانا يقومان بالتصوير من سيارتيهما في شوارع الموصل..!

لا أعرف، حقيقة، ما تكون تسمية تهمتهما، وقد اهتممت بالأمر، كون الموضوع يتعلق بالتصوير، خصوصاً وإنني أحمل معي كاميرتين، بدل الواحدة!

كان الشاب الأول ذو صوت شجي، فكان يطلب من (أبو عمر)، أن يرفع الآذان بين الحين والحين، بل وزاد على ذلك أن أبدى إستعداده لإستضافة (سليمان) الذي كان أزيدياً، والذي إعتنق الإسلام داخل السجن قبل وصولي بأيام..!

و(سليمان) هذا، هجر أهله في سنجار، ولجأ إلى الموصل، وكان يرفض مغادرة السجن، حتى يتعلم أمور دينه الإسلامي بشكل جيد، كما يقول، لكني ورغم ذاك لم أعرف سبب وجوده بيننا، وعدم حديثه باللغة العربية أو الكردية كان هو العائق لي لمعرفة تفاصيل قصته، لعدم وجود مترجم، لكنه كان يُكثر، وكلما توقفت معه، من ترديد: الحمدلله.. الله كريم!

الشابان المتهمان بتصوير شوارع الموصل، وبعد عرضهما على المحكمة، وبعد جمع المعلومات عنهما، تبين إنهما يديران صفحة على الفيس بوك، والغاية من التصوير كانت لرفد صفحتهم ببعض الصور والفيديوهات، رغم أن هناك حظراً على التصوير، كي لا يتم إستغلال هذا الأمر من قبل أعداء دولة الخلافة، من المتربصين بها، فتم تعزيرهما بعد أربعة أيام من إعتقالهما، ثم غادرا السجن بعد ذلك!

هناك في تلك البقعة التي كنت فيها، تجد الساعات تمر سريعة كأرتال شيعية أو كردية تلاحقها لعنات السماء، قبل رصاص وعبوات الدولة الإسلامية، وتارة، تجدها ثقيلة، كالسير في وحل مستنقع غاصت فيه أميركا، فما عادت قادرة أن تبقى فيه أو تتركه، خصوصاً حينما تنتهي روايات السجناء، فتجلس لتبحث عما تشغل به نفسك، فلا تجد سوى الهرب إلى الصلاة، أو اللجوء إلى النوم، أو الدعاء أن يرزقك الله سجيناً جديداً لتحصل منه على قصة مستجدة وحكاية أخرى..!

وبما أن الشر والخير يسيران جنباً إلى جنب، كسكة قطار لا يتلقي فيها طرفاها، أو يتقاطعا، مهما اَستمر تتابع محطات الحياة، لهذا فالأمل بدخول مزيدٍ من الزوار إلى هذا السجن لا يزال قائماً، ولن ينتهي حتى نهاية الشر، ولن ينتهي!

زائر جديد جاءنا للتو، اسمه (سعد)، شاب في ريعان الشباب، فهو في عقده الثاني لا غير، نحيل، نحيف، طويل..

جلس يتلفت يميناً وشمالاً بعد دخوله، وكالعادة، كنت له الراصد.. حتى أتوصل إلى سبب دخوله هذا المكان، وخشيتي أن اُصدم بقصة مخزية أخرى، ككثير من التي وجدتها دين للكثير من الداخلين إلى هنا..!

سألته عن تهمته، حتى قبل سؤال عن اسمه..

وضع رأسه بين ركبتيه، ثم نطقها بخجل:

أنا من (الإخوة، ولكن..)!

ولكن.. اُدرك أن هذه الـ(لكن) تخفي وراءها الكثير الكثير، فكم من (لكن) غير مسارات ووجهات، وكسرت سيقان ورقاب، وقبضت اُمنيات وآمال، بل وحطمت صروح وقلاع!

طلبت أن يكمل ما بعد الـ(لكن)، ومما زاد من فضولي قوله إنه من الإخوة، أي من المجاهدين!!

تلفت يميناً وشمالاً، فما كان يريد لأحد أن يعرف ما الذي جاء به إلى هنا..

تردد من الحديث، بل وتوقف، لولا أن تدخل (أبو عمر) الذي سأله عن مكان عمله الجهادي، ومن المشرف عليه، وغيرها من الأسئلة التي حصل (أبو عمر) على إجاباتها بيسر وسهولة، عكسي أنا، فلقد تجاوب (سعد) مع (أبو عمر)، خصوصاً بعدما أخذ يسأله عن هذا المجاهد وذاك القيادي، وهو يرد، وكإنه في قاعة إمتحانية، لا يقل تأثيرها على (سعد) من قاعة المحكمة، التي جاء منها الآن، والتي سيعرض عليها لاحقاً مرة أخرى، ليبت في أمره على يد القاضي..!

إستفزني (أبو عمر) بحديثه معه، فـ(أبو عمر) بدأ يأخذ في الحديث معه ويعطي، دون أن يتطرق إلى تهمته التي جاءت به إلى هنا، ربما لإنه يدرك إن الكثير من التهم التي تأتي بالمجاهدين إلى هنا، إما تكون مخالفة أوامر أو قضايا تتعلق بأمور مدنية أو مادية، كالقضية التي جاءت به إلى زنزانة هذه القاعة، وهو ما جعلني أتدخل، بعدما أطاح الفضول بعروشي، فسألته ثانية:

أي مصيبة جاءت بك إلى هنا؟!

قلتها بعصبية، وكإنني محقق أنابتني المحكمة لسؤاله والتحقيق معه، حتى أن سؤالي أضحك (أبا عمر)، الذي تراجع للخلف قليلاً، وهو يقول:

هو لك!!

أدرك (سعد) عصبيتي المفرطة، فراح يوزع النظرات بيني وبين (أبي عمر)، وكإنه يسأله عن هويتي، ما دعا (أبي عمر) ليخاطبه بالقول:

لقد أوقعك الله بيد صحافي!

كانت الإجابة وحدها كفيلة لتجعل من (سعد) ينفر مني، وينهض مباشرة، ليغادرني متذرعاً بالبحث عن صديق يعرفه، فيما تمدد (أبو عمر) على ظهره، واضعاً رأسه على وسادته ويغطي رأسه بالبطانية، لينفجر ضاحكاً بقوة، بعدما (طفش) زبوناً، كنت سأضم قصته إلى خزينة قصصي التي بدأت تتزاحم في رأسي، حتى شككت لحظة، من عددها وكثرتها، إنني سأنساها جميعها!

اعتدلت وجلست في مكاني بعد مغادرة الشاب (سعد) لي دون أن أحصل منه على ما يسيل له لعاب أي صحافي.. لكنني لم أستسلم، وكيف لي أن أستسلم، فقد بقيت اتعقبه ساعات وأيام، حتى عاد إلى مضاربي، ليقتع أخيراً بالحديث إليّ، ولكن بشرط أن لا يعلم أحد بحقيقة ما جاء به إلى هنا، إلا أنا، و(أبو عمر)، ورفيق ثالث، لم أتطرق إليه في سلسلة الحلقات هذه، فقد كان ثالثنا أنا و(أبو عمر)، لكن لدواعٍ وإعتبارات كُثر، لم أتطرق إلى هويته أو سيرته أو قصته!

بدأ (سعد) يتحدث لي، ولـ (أبي عمر) عن حكاياته، والسبب الذي جعله يأتي إلى هذا السجن..

قال( سعد):

تطوعت للعمل الجهادي بعد الفتح المبارك، أي بعد فتح وتحرير الموصل، ودخلت معسكر التدريب، وقضيت فيه ستة أسابيع، تخللها دورات شرعية، إلى جانب التدريب البدني والعسكري، وكنا نأوي إلى فراشنا بعد يوم مثقل بالتعب، وكان يجلس بجانبي شاب آخر، وكنا نتحدث عن حياتنا السابقة، وكيف كنا نمارسها بضلالها وظلامها..!

وفي أحد الأيام، ارسل عليّ أميري في المعسكر، الذي علم، بطريقته، إنني كنت أتحدث عن ماضيي، دون أن يبدو لمن كنت اتحدث إليه، إنني نادم، بل أن الحديث ظهر وكإنه تفاخر بما كنت أفعل، ما جعل الأمير يوقفني عن التدريب في المعسكر، ويحيلني إلى القاضي، كي يبت في أمري، حول الإستمرار في التدريب، ومواصلة مشواري، أو الطرد من العمل الجهادي!

سألته عن عرضه على المحكمة، وبماذا أخبره القاضي حول مستقبله مع المجاهدين، فقال لي، وحسرة تنافس شهيقه، وخيبة تعلو وجهه:

(رزّلني) القاضي، كما يقال بالعراقي.. أي وبخه..!

ثم أضاف:

قال لي القاضي:

كيف سننتصر بأمثالك!

ومع إنه لم يحسم ملفي بعد، لكنني أظنه سيقوم بطردي من العمل الجهادي..!

قالها (سعد)، وكان يريد أن يبكي، كما أحسست، لولا خشيته من أن يتكشف أمر تهمته أمام بقية السجناء الآخرين، الذين أخبرهم على ما يبدو بقصة أخرى، أقل سوءاً وعاراً من قصته، كما ينظر إليها هو!

ثم ختم بالقول:

والله إني كنت أمزح مع زملائي حينما تحدثت عن هذا الأمر، ما جعل (أبو عمر) يلقي له محاضرة كاملة عن الأخلاق، وشروط التوبة، وأهمية نقاء سريرة المجاهد، حتى يتقبل الله جهاده، أو يرزقه النصر!

كان (سعد) بارعاً هو الآخر في التدليك، حتى أن كثير من السجناء، ممن يعرفونه أو لا يعرف، كانوا يلجأون إليه لمساعدتهم في التخلص من آلالام الرقبة والظهر وأوجاع الرأس وصداعه، كحالي أنا، بعد أن وجدتها فرصة للتقليل من حاجتي إلى (عصام سارق عديله)، كما اُسميه، والذي يشترط عليّ الإستماع إلى قصة من أرشيفي الصحفي، أو إلى حكاية من أوربا التي قدمت منها، وهو ما كان يزعجني، لوجود من ينافسني في مسألة التلصص والبحث عن القصص والحكايات، فكان كمن يحاول أن يُعلّم الحزينة على البكاء، كما يقول المثل العراقي!

مخالفة (سعد) الشرعية، التي تسببت بتهديد مستقبل جهاده، هي ليست الأولى بالتأكيد، مثلما لن تكون الأخيرة يقيناً، فهناك ابصرت شاباً عشرينياً آخر، رصدته ينزوي وحيداً طيلة الوقت، مرتدياً بزة القتال السوداء، لكنه يجلس بعيداً عن حلقات المجاهدين، رغم إنه ينام بجوارهم، مكتفياً بحمل مصحفاً بيده طوال الوقت، حتى إنني بقيت أجهل اسمه، أو كنيته لغاية الساعة، لكني تمكنت من معرفة قصته..!

فلقد أتجهت إليه وجالسته، بعدما سلمت عليه، ودون عناء، أدلى لي ما بجعبته مما جاء به إلى هنا..

تحدث لي وهو يبتسم، لكن الإبتسامة لم تكن كاذبة فقط، فقد كانت تخفي ورائها ما هو أشد إيلاماً من الألم ذاته..

كان يمسك بخيوط من ذلك الفراش الذي كان يجلس عليها، ليكشف عن حجم قلقه من مصيره الذي ينتظره بحكمٍ من القاضي، وهو أشد ما يرعب المجاهد، حينما يصبح مستقبل جهاده على كف عفريت، نتيجة نزوة عابرة، أو ذنب عابر، أو معصية، قد يراها البعض بسيطة لا تستحق الوقوف عندها، لكنها في حسابات جيش الخلافة، قد تتسبب بتأخير النصر، أو تورث الهزيمة، لا سمح الله..!

قال صاحبي، الذي خفي عني اسمه، ولم أكلف نفسي عبء السؤال، وحتى لا أعرف سبب تهاوني في هذا الأمر لحظتها، بعدما اعتدت أن يكون أول غيث اسئلتي التعرف على اسم محدثي:

إن حكمي الطرد من العمل الجهادي، لا محالة!

تساءلت عن السبب، فذكر لي أنه إرتكب فاحشتين في آن واحد، وكل واحدة منهما أشد فحشاً من الثانية، بل إن إحداهما لهي كافية لأن تضع حداً لجهاده..

زادتني مقدمته هذه لمعرفة طبيعة الجريمتين اللتين أرتكبهما، ما دفعني للقول له:

أوضح، لقد طفح كيل صبري؟!

فازدادت مساحة إبتسامته الكاذبة، لكني احسستها هذه المرة أكثر صدقاً من الأولى.. قبل أن يقول:

أنا من بغداد، وقد دخلت العمل الجهادي بعد الفتح، وكانت لي علاقة تواصل مع فتاة، مذ كنت في بغداد قبل الفتح، بهدف الزواج منها، وقد بقي تواصلي مع تلك الفتاة بعد إلتحاقي بالعمل الجهادي ومبايعتي لدولة الخلافة الإسلامية، وفي أحد الأيام علم أميري إنني أحمل هاتفاً في المعارك، فتمت مصادرته مني، وإحالتي إلى لجنة تحقيقية، فأكتشفت اللجنة، وهي تطلع على الهاتف ومحتواه، قيامي بإرسال رسالة (مسج) إلى هذه الفتاة، قلت لها فيها: (أحبك يا حبيبتي)، وحينما تمت مواجهتي بالرسالة أخبرتهم إنني أنوي الزواج من هذه الفتاة، بعدما سألوني عن شكل العلاقة التي تجمعني بها، وإن كانت شرعية أم لا، وحينما أخبرتهم إنني لم أرتبط بها بعد، ولم يتم مفاتحة أهلها لغاية الساعة، تمت إحالتي إلى القاضي، وأوقفت عن عملي الجهادي بتهمتين، حتى يتخذ القاضي قراراً بحقي!

وحينما سألته عن سر تخمينه، أن الطرد من العمل الجهادي هو الحكم، كما يعتقد، أجاببني:

لقد قابلت القاضي، وسألني عن مخالفتي في حمل الهاتف أثناء المعارك، وقد بدى ممتعضاً، ثم عاد ليسألني عن التواصل المحرم مع فتاة، وكتابة كلمات الغرام والحب في رسالتي لمن لا تربطني بها علاقة شرعية بعد، فأعترفت له بالذنب، لكنه بقي غاضباً جداً من فعلي هذا، ورغم ذلك لم يحكم بعد، بإنتظار عرضي عليه ثانية، رغم إنه قال لي في المرة الأولى، إنه لا ينبغي لأمثالي أن يستمروا في الجهاد، فيتسببون في إنتكاسات لإخوتهم المجاهدين، بسبب ذنوبهم، فيدفع المجاهد ثمن معاصي غيره!

وما دام الحديث عن المجاهدين، وعن بعض الأخطاء التي يرتكبونها، فسأتطرق هنا إلى أولئك المجاهدين الثلاثة، الذين دخلوا علينا مرة واحدة، بلباس (قندهاري)، صحراوي اللون.. فهؤلاء الثلاثة، قصتهم عجيبة، وجريمتهم غريبة، بل تجعل كل من يستمع لتفاصيلها يتمنى أن يكون هو من يرتكبها، لولا عواقبها الوخيمة!

الفتية الثلاثة كان أحدهما بعمر الزهور، فهو لم يتجاوز الخامسة عشرة أو السادسة عشرة بعد، إلى جانب إثنين آخرين كانا برفقته، يكبرونه عمراً ويزيدونه طولاً..

(أبو الحارث) هي كُنية ذلك الشاب الصغير، الذي ما أن وصل مع زملائه، وأبصر طبيعة التقسيم للقاعة، وتوقف عند (ركن المجاهدين) الذي يتقدمه (أبو عمر) ويكاد يصل لمنتصف القاعة طولاً، حتى جاء ليجلس بجانب (أبو عبدالله)، والذي كنت أتوسط النوم، بدوري، بينه وبين (أبو عمر)، فناديت على الفتى (أبو الحارث) وأنا مندهش من صغر سنه، وطبيعة شخصيته، حتى بدى لي إنه هو من يقود الشابين الآخرين، اللذان يفوقانه ببضعة سنين..

أرجعت جسدي وأحنيت رأسي قليلاً إلى الوراء لأكلم ذلك المجاهد الصغير، من خلف ظهر (أبو عبدالله)، الذي كان يجلس متلزماً الصمت، فقلت له:

من أي قاطع جئت وأصحابك، حياكم الله !؟

وكنت أظن أنه من أحد قواطع ولاية نينوى، ما جعلني أذكر اسم قاطع، وليس ولاية، خصوصاً أن هذه المحكمة مختصة بالنظر في قضايا ولاية نينوى حصراً، إذ إن لكل ولاية قضاتها ومحكمتها..

ردّ عليّ بالقول:


من الشام!

فأستغربت لرده، واستغرب معي (أبو عبدالله)، وهو ما جعل (أبو عمر)، هو الآخر، ينتبه للسؤال، وللجواب..!

فنهضت من فوري، واجتزت عقبة (أبو عبدالله)، وشاركت (أبو حارث) الجلوس، وبدأت الأسئلة، كالمعتاد تنهال عليه، وهو يرد بخجل تارة، دون أن الحظ أي من علامات الندم بادية على محياه، أو على تقاسيم وجهه!!

الشاب الصغير المجاهد (أبو الحارث)، ورفيقاه، وجدوا أن قاطعهم في الشام في ذلك الوقت، يلتزم المرابطة فقط، دون أن يشهد معارك ساخنة، كالتي كانوا يشاهدون لهيبها في الموصل، والتي يزداد أوارها مع الأيام، سواء مع البيشمركة وملاحدة البككا، أو مع غيرها من مليشيات النصارى والرافضة المتحالفة معهم، فما كان من الشباب الثلاثة إلا أن يقرروا التوجه إلى الموصل للإشتراك في المعارك الجارية هناك، وهذا والله قمة الإندفاع الجهادي، فالرغبة في الإثخان في العدو حاضرة عند كل مجاهد، بغض النظر عن عمره، أو موقعه، أو منصبه، لكن هؤلاء الشبان الثلاثة ينتمون إلى جيش، وكل فرد في هذا الجيش له دوره، وله مكانه، وله ثغره، وإن جرى تقسيم الأدوار بناءاً على رغبات كل مجاهد، فلن يحوز جيش الخلافة النصر، فإلتزام الأوامر والمرابطة على الثغور في القواطع، سواء المتلهبة منها أو الخامدة، هو سر النصر، بعد توفيق الله وتسديده الرمي، وهو ما جعل هؤلاء الفتية الثلاثة تحت طائلة الحجز، وربما العقوبة الجسيمة..!

القصص الغريبة والحكايات العجيبة للمجاهدين لا تنتهي عند هذا الحد في هذا السجن، الذي اطلعت على بعض جوانبه وأسراره، فهذا (أبو نعيمة)، الذي ينتسب إلى قاطع (الگيارة) جنوب الموصل، والذي سرد لي بطولات، لو لم اسمعها بنفسي من مجاهد، لما صدقت أحداثها، وما كان يؤكدها لي أنها ذات المعلومات التي كنت أحصل عليها من المجاهد الثاني (أبو صفية العفري)، الذي ينتسب لمدينة (تلعفر)، والذي زُج به في السجن نتيجة مخالفة له في عدد أيام الإجازة الدورية..!

تحدث لي (أبو نعيمة) عن معجزات إلهية أثناء عمليات تحرير مدن (مخمور) و(الكوير) التي شارك فيها، والتي تتبادل الدولة الإسلامية والبيشمركة الكردية عمليات السيطرة عليها، حتى أن بعض المدن تم تحريرها بالرعب، وبعضها الآخر، بآليتي همر، وسيارة (دوسرية) فقط، لكن (أبو نعيمة) طلب مني عدم الحديث عن تفاصيل ما أخبرني به، خصوصاً وأن التهمة التي هو بسببها هنا هي (إفشاء الأسرار الجهادية)، فقلت له وأنا اُمازحه حين طلب مني ذلك:

إطمئنن، سرك في مقهى!

فردّ عليّ:

يبدو إنني لا أتعظ، والمصيبة إني استودعتها صحفياً!!

نافلة قيام الليل، صلاة كان يحرص أن يؤديها مجموعة من المعتقلين بشكل جماعي، فيقوم أحدهم بقراءة القرآن همساً، حتى لا يوقظوا النائمين، ويستمروا في صلاتهم حتى إقتراب موعد آذان الفجر، لينتهوا بدعاء ودموع وبكاء، ليبدأوا بعدها في إيقاظ كافة المصلين، الذين يتسابقوا إلى أماكن الوضوء قبل التزاحم، إستعداداً لصلاة الفجر، فيما يقوم فريق آخر برفع الأفرشة والأغطية من وسط القاعة، وتفرش بعد ذلك سجادات من النايلون، كبيرة الحجم، يتم إعادة لفها ودرجها لتوضع بجانب الباب، بعد إنقضاء الصلاة، كونها خاصة بهذه المهمة حصراً، فيما يتم فرش البطانيات والشراشف في المساحات المتبقة، وكان الحال، كالعادة، لا يوجد من هو متخلف عن الصلاة، مهما كانت جريمته أو تهمته!

يتبع


_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأحد يونيو 28, 2015 3:43 pm

نافلة أخرى كان كثير من المعتقلين والسجناء والمحجوزين يحرصون على تأديتها، ألا وهي صيام الإثنين والخميس، فضلاً عن الأيام البيض، فيما يتجاوز بعضهم إلى صيام كل الأيام، ما خلا السبت.. أما إدارة السجن فكانت تحرص على أن يكون للصائمين طعام خاص، حيث يتم أخذ أعداد الصائمين منذ الصباح، في كل يوم، ليتم تجهيز طعام الإفطار لهم عند آذان المغرب.. فيما كان بعض المعتقلين يتسابق أيهم يُفطّر الصائمين أولاً، وكان من بينهم رجل في عقده الرابع، مصاب بقدمه برصاصة، وكان دائم العرض على طبيب السجن لعلاج قدمه، وتغيير ضمادها، والذي لم اسأل، أول الأمر، عن تهمته، لكن وحينما جاءني يوماً وهو يحمل بيده طبقاً من فصوص البرتقال، بعد تقشيره، على أمل أن تكون بديلة للتمر عند الإفطار، توجهت إلى (أبو عبدالله) وسألته عن تهمة هذا الذي يريد أن يحصل على أجر كل صائم، من دون أن ينقص من أجورهم شيء، فأكد لي أن هذا الشخص، المدعو (لؤي)، متهم بخطف وبيع الأطفال!

وبلا إرادة، ودون شعور، ألقيت بفصوص البرتقال من يدي، ورميتها على الأرض، في ردة فعل مفاجئة مني، أنا نفسي لم أكن أتوقعها، حتى إنني تمنيت أن هذه الرصاصة التي جاءت في قدمه، بعد مطاردة شرطة الدولة الإسلامية له، لو إنها استقرت في رأسه!

والحق أقول إنني عجزت عن هضم تهمته، أو تقبل أي شيء منه، فكنت أنظر إليه وكإنه خطف طفلي من بين أحضاني، وباعه لغيري، رغم أن حاله اليوم يشير إلى توبته وصلاحه، فالقرآن لا يفارق يديه، ويكاد يقضي أغلب وقته في الصلاة!

أربعة أشخاص فوجئت بوجودهم في الصباح، ولا أدري متى دخلوا إلى سجننا، سألت (أبو عمر) عن هويتهم ونحن نستيقظ في الصباح، فأكد لي إنهم وصلوا في وقت متأخر من الليل، لكنه لا يدري بعد ما هي تهمتهم، قائلاً لي، وهو يبتسم:

هذه مهمتك، وأنت أهل لها.. ثم نهض متجهاً إلى الحمام ليغسل وجهه بعد نومة ليست بطويلة تعقب صلاة الفجر!

لم أفزع وأتجه إليهم مباشرة، كعادتي، ربما لإني وجدت في تلك الوجوه الكالحة ما يجعلني أتردد، فقد كانوا يكثرون من الضحك فيما بينهم، وتارة من الهمس، فعرفت أن ورائهم أمراً لا يسر، خصوصاً أن ملابسهم التي يرتدونها تتحدث بالنيابة عن هويتهم..

تأنيت قليلاً في التوجه إليهم، فأمامنا الفطور، وما بعده نهار طويل، يكفي لسرد قصص ألف ليلة وليلة، لكن وقبيل الظهر نادى عليهم الحارس، طالباً منهم الإستعداد والتجهز، وهو ما جعلني أنهض من فوري وأتجه إليهم، لعلي أحظى بمعرفة تهمهم قبل المغادرة، فوجدتهم يتهربون مني، ومن الإجابة، وهنا قال لي أحد السجناء، وكان ينظر إليهم بإحتقار:

(تعال أخونة، حكايتهم عندي)!

فأطمئنت نفسي إنهم لن (يفلتوا) من معرفتي بفعلتهم، ولن يخيب ظن فضولي بي، بعدما سخّر الله لي من يُعرّفني بتهمتهم، وقبل أن يخرجوا، وفي غضون دقائق، كانت كل تفاصيلهم المخزية عندي، عن طريق شخص كان يجاورهم في المنام، وتمكن من معرفة القصة من أولها إلى آخرها، كيف، ومتى، وأين، لا أدري!

عدت إلى (أبو عمر)، وأنا أحث الخُطى، بعدما رمقتهم بنظرات، فهموا من خلالها إنني تمنيت لو إنني من ينفذ فيهم النحر، إن كان هذا حكمهم، ما جعل (أبو عمر)، يتمنى ذات الشيء حينما أخبرته بالقصة..!

أما القصة فإنها، بإختصار، أن هذه الشلة، كانوا في زمن ما قبل فتح الموصل وتحريرها يمارسون مهنة الدعارة والدياثة لمصلحة القوات الشيعية الرافضية، التي كانت تحرص على نشر العهر والدعارة في كل ركن وشارع، وإنهم وعائلاتهم جيء بهم من مدينة تلعفر، التي كانت تقطنها عائلات شيعية رافضية كثيرة، ليصبحوا زبائن جنس ودعارة للقوات الأمنية الشيعية، متخفين داخل المجتمع الموصلي، منكرين أصلهم الخسيس، خصوصاً أن المجتمع الموصلّي بات خليطاً غير متجانس وغير متعارف بعد الاحتلال الأميركي وأثناء السيطرة (الشيعة – الكردية) على كل مفاصل الحياة في نينوى، وعموم العراق!

لم يتدخل الحراس هذه المرة ليضعوا عصابة الأعين على عيونهم، بل جاءت قوة خاصة، رجالها يرتدون الزي الأسود، ومدججين بالسلاح، أجسادهم ضخمة، زادتها تجهيزاتهم التي يرتدونها ضخامة، حتى أن السجين المذنب ليرتعد من هيأتهم خوفاً، مع أن أمثالي، ممن لا تهمة لهم، لا ينبغي إلا أن يزداد، بمنظرهم وهيأتهم، عزةً وزهواً وسروراً، لكني لن أخفي عليكم ما أصابني، وأنا أرى تلك العيون من خلف اللثام، وهي تقتاد أولئك (القوّادين) الأربعة إلى حيث لا أدري، فلقد أخذوهم من هذه القاعة، ولا أعلم إلى أين، أو ما سيكون عليه مصيرهم، وأترك لكم التّخمين!

في أحد أيام ذلك السجن إقترب مني أحد المعتقلين، فسألني إن كنت الصحافي (حسين المعاضيدي) بنفسه أم لا.. ثم راح يؤكد إنه سمع باسمي ومهنتي عبر بقية المعتقلين..!

سألته، قبل أن أجيبه، عن هويته أولاً واسمه قبل تهمته، فأكد لي أنه يعمل صحفياً حاله، حالي، وقبل أن يذكر لي اسمه، أدركت أنه شقيق ذلك المصور التلفزيوني لقناة نينوى الغد، وزميله مقدم البرامج، ممن إلتقيتهم في القاعة الثانية، والتي خرجا منها إلى داريهما، فيما تم التحفظ على هذا الصحافي الذي يقف معي الآن، والذي اسمه (محمد إبراهيم) ويعمل مع شبكة (الأسوشيتدبرس)، كمراسل لهم في نينوى، قبل عملية تحرير وفتح الموصل..!

قال لي:

أنت زميل لي لمرتين!

لم أفهم معنى قوله، وفهم ذلك من تقطيب حاجباي، فأستدرك موضحاً:

أنت زميل لي في الصحافة، وبذات الوقت زميل لي في شبكة (الآسوشيتدبرس)!

سألته عن كيفية معرفته إنني كنت مراسلاً لشبكة (الآسوشيتدبرسس) في غرب العراق، أول سنوات الاحتلال، يوم كنت اُزودهم بالكثير من العمليات المسلحة النوعية التي كانت تستهدف قوات الاحتلال الأميركي والجيش الشيعي على يد الفصائل الجهادية آنذاك!

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي K_small

فأكد لي إنه كان يسمع بي عن طريق مكتب بغداد، الذي كان يتردد عليه طيلة فترة عمله معهم..

سألته ايضاًعن تهمته، فأشار إلى إنه وبعد الفتح جلس في بيته ولم يعمل مع تلك الشبكة التي تخلى عن العمل معها، إلتزاماً بتوجيهات الدولة الإسلامية بمنع التعامل مع كافة الوسائل الإعلامية، ما جعله يعود لمهنته السابقة، ألا وهي الخياطة، بل إنه تخصص الآن في خياطة البدلات الجهادية (القندهارية)، لكنه كما يقول فوجئ بإنه تم إعتقاله بناء على معلومات غير صحيحة، تفيد بإنه كان يراسل الجهات الإعلامية، ويزودهم بما يجري داخل الموصل سراً..!

أكدت له أن شقيقه وصاحبه قد تم الإفراج عنهما، رغم إنهما يحملان نفس الإتهام، فسألته عن سبب إستثنائه من حكم الأفراج، وهو قد جاء معهم بذات القضية، وذات الإتهام، فألتزم الصمت، مبدياً إستغرابه هو الآخر من عدم الإفراج عنه..!

لم يكن ذلك اللقاء التعارفي هو الآول، بل أكثر الرجل من زيارتي والجلوس معي لفترات طويلة، على إعتبار إننا زملاء، ومن صنف واحد، كما يقال، لكني والحق يقال، ورغم فارق السن بيني وبينه، فقد كنت أنتقده بشدة، فهو كان ينظر إلى الإعلام من زاوية قاصرة، فهو يعدّها مهنة لكسب لقمة عيش، لا أكثر، ما جعلني استشيط غضباً، فأخذت اُحدثه عن أهمية الإعلام ودور الكلمة في الإنتصار للحق، لا لتغليب الباطل، وأخذت أتهجم بقسوة على زملائنا، ممن أدمنوا بيع أعراضهم، قبل أقلامهم، بدراهم ودنانير وريالات وتومانات ودولارات بخيسة، فكان يؤيدني في كثير من طرحي..

تعمقت أكثر في الحديث مع زميلي عن سبب إستثنائه من عملية إطلاق السراح التي شملت بقية الإعلاميين، من بينهم شقيقه الأصغر، فلقد كنت أدرك إنه يخفي شيئاً ما، وبعد أيام كشف لي حقيقة التهمة، وسبب تواصل حبسه عكس بقية زملائه، ممن غادروا إلى عائلاتهم، بعد أيام من إعتقالهم، أو ساعات، إذ أكد لي إنه تم العثور في بيته على كيس من الكتب، هي عبارة عن هدايا من رجال دين شيعة، وكتب دينية أخرى، جاءته كهدايا، كذلك، من مؤسسات شيعية كانت تمارس عملية (التبشير) الرافضي الشيعي في مناطق ومدن محافظة نينوى، وراح يؤكد إنه كان يأخذها ويحتفظ بها، دون أن يقرأها، كما يقول..

ومما زاد من سوء وضعه، العثور على العديد من الصور التي تجمعه باللواء الركن، أداة المجوس، (ناصر الغنام)، وصور أخرى له مع شخصيات عسكرية شيعية وكردية، برر إلتقاطها بحكم عمله الإعلامي، الذي يجعله يستقي أخباره من هذه المصادر العسكرية والسياسية، ثم راح يسألني عن توقعي للحكم الذي سيطبق عليه، فما كان مني، وكالعادة إلا أن أطرق على مسامعه أقسى وأسوأ التوقعات.. وأهونها كان توقعي له بقص اللسان!

تواردت الأخبار عن وصول عفو من الخليفة (أبو بكر البغدادي)، فبدأت التكبيرات والشكر لرب العالمين، فيما أجهش البعض بالبكاء، فلو صح الخبر، فإن كثير من هؤلاء المذنبين، خصوصاً المهددين بالقصاص عبرإلقائهم من أعالي العمارات، كمرتكبي فعلة قوم لوط، أو ممن ينتظرون بتر أطرافهم، أو ممن ينتظرون القتل حرابة، وغيرهم، سيكونون، بالتأكيد، كمن ولد من جديد..!

العفو الذي وصل خبره عن طريق معتقلين جدد، سمعوا بعض تفاصيله في قاعة المحكمة، جعلنا نستفسر من الحراس، حول صحة الأمر، لكنهم لم يؤكدوا، ولم ينفوا كذلك، مكتفين بالدعاء لنا بالفرج القريب، لكن قائمة جديدة طلب الحراس من أصحابها الإستعداد للمغادرة إلى القاعة الصغيرة الخاصة بالمحكمة جعلتنا نتأكد أن البشائر الواردة لها أساس من الصحة، خصوصاً أن أعداد السجناء التي تم إذاعة اسمائهم كانت بالعشرات، بل واستمر الحال على هذا المنوال على مدى ما يقرب من الخمسة أيام، حيث تبين أن لجنة قد شكلها الخليفة للنظر في قضايا المدنيين وأمره بحسمها خلال إسبوع واحد فقط، وأن اللجنة المشكلة جاءت من الشام، وتضم عدة قضاة..!

كانت القوائم تتوالى يومياً، وتم استثناء النظر في قضايا المجاهدين، فالألولية كانت للمدنيين والمواطنين العاديين، وهو ما أثر سلباً على نفسية كثير من المجاهدين داخل السجن، فيما تقبلها البعض برحابة صدر، على الأقل باللسان، فيما القلب، يقيناً، يحوي غصة كبرى، خصوصاً أن كثير من هذه الاُسود المقيدة بالسلاسل هنا، جائعة للحم الشيعة وللحم ملاحدة بيشمركة الكرد، الذين أوغلوا في دماء المسلمين!

جاءني الدور في إحدى قوائم العرض على القاضي، فسارعت للإستعداد، كحال غيري، مع تأكدي من العودة إلى هنا، فكل من ذهب عاد إلى هنا، لكن بعضهم تم حسم ملفه بإنتظار إطلاق السراح، وبعضهم نال عقوبة (الجلد)، أو (التعزير)، ثم عاد إلى هنا، منتظراً المغادرة، بعدما تم تنفيذ العقوبة، فاللجنة أرتأت على ما يبدو حسم كافة القضايا، ثم التفرغ لإخلاء سبيل من يتم غلق قضيته أو ينال عقوبته..!

كثير من الأمور كانت خافية عليّ، حتى وصلت إلى القاعة الثانية، فحينما وصلت هناك، وجدت بعض المعتقلين يتألمون ويتوجعون من تأثير السياط على جلودهم، لكنهم كانوا في سعادة غامرة، فالعفو، الذي يتضمن تعطيل بعض الحدود، كما يتحدث عن ذلك السجناء، يشمل من أرتكب الفعل للمرة الأولى، أما من كانت لديه سابقة جرم، وكرر فعلته، فيتم تنفيذ الحد عليه..!

ما شدّ إنتباهي، حال وصولنا إلى تلك القاعة، التي كانت أولى محطاتي في هذا السجن، هو وجود رجل كهل، بلحية بيضاء طويلة، هو من يشرف على الحراس، وهو من يتولى إخراجهم، وكان تعامله مع المعتقلين ينبأ عن طبيعة أخلاق هذا الرجل، كان السجناء ينادونه بـ(الشيخ السوري)، فقد كان من أرض الشام، ولهجته الجميلة توضح ذلك، قبل قسمات وجهه، رغم محاولته الحديث باللغة الفصحى أحياناً!

كان كثير التبسم في وجه السجناء، صارم التعامل مع الحراس..!

تمت المناداة على الوجبة الأولى، حيث يتم سحب كل عشرة سجناء، دفعة واحدة، إلى قاعة المحكمة، ثم سرعان ما يتم سحب مثل عددهم بعد عودتهم والإنتهاء من حسم ملفاتهم.. لكن ما كان يشعر الجميع بالرعب، وأولهم أنا، صوت (الجلد)، و(التعزير)، الذي كان يجري في ذلك الممر الذي يربط قاعة السجناء بقاعة المحكمة، والتي لا تبعد سوى أمتار ليس إلا، حيث كان يتم تنفيذ العقوبة حال الخروج من قاعة المحكمة، فيعود إلينا المعتقل بوجه أحمر ودموع، وظهر يتوجع صاحبه من آثار السياط!

كان صوت السوط يحدد ما إذا كان الحكم جلّداً، أم تعزيراً، فالجلّد كان يرفع الجلاد فيه يده إلى الأعلى، فيما يقوم المُعزِّر بوضع مصحف تحت أبطه، وهو يمسك بالسوط، حتى لا ترتفع اليد إلى الأعلى، وهي الطريقة الشرعية في الجلد..!

كانت أصوات من يتم جلدهم تصل أعنان السماء، فيزداد السجناء، ممن لا يزالون بداخل القاعة، رعباً على رعبهم، حتى أن بعضهم اُغمي عليه داخل القاعة، حتى قبل أن يصل إلى القاضي، مع أن الجلّد، أو التعزير كان يتم من فوق القميص، ويتم خلع الملابس الثقيلة، كالمعطف، أو الـ (جاكيت)، أو الـ (قمصلة) فقط..!

حان الدور عليّ، ورغم إنني لم أرتكب جناية، أو جنحة، أو ما يجعل السياط تتراقص على ظهري، صعوداً ونزول، لكني، والحق يقال، كنت أشعر أن أقدامي لا تحملني، فلربما يخطأ القاضي في ملفي، ويقاضيني بتهمة غيري، وربما وربما، وأفكار مجنونة أخرى بدأت تداهمني، قبل الوصول إلى قاعة المحكمة..

حينما جلست على المصطبة الطويلة بإنتظار العرض على القاضي كنت آخر الجالسين، وقد علمت ذلك من أعداد من دخلوا قبلي إلى قاعة المحكمة، وكذلك من خلال كوني آخر من تمت المناداة عليه في تلك الوجبة التي كنت من ضمنها!

جلست على المصطبة، وكانت هناك يد تطلب مني التقرب أكثر، كلما دخل سجين إلى القاضي، فيما كان السياط تنهال من هنا وهناك على ظهور السجناء المذنبين، والتي كنت أشعر بالهواء الذي تحدثه قبل الألم الذي توقعه، حتى إنني كنت أخشى أن يلفحني سوط بالخطأ، فقد كان هناك أكثر من جلاد، وأكثر من مُعزّر، وكان على رأسهم الشيخ السوري الذي يناديه الحراس بـ(الحاج)، والذي تذكرته لاحقاً بعدما رأيت له عشرات الصور، التي تظهره وهو ينفذ عقوبات المحكمة الإسلامية أمام جموع الناس في بعض إصدارات الدولة الإسلامية..!

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي 54fee928611e9bc2428b45af_small


كان الشيخ السوري، ذو الصوت المميز، والحال نفسه ينطبق على بقية الجلاّدين والمُعزّرين، يطلبون ممن يتم تنفيذ العقوبة بحقهم، أن يذكروا الله، ويُكبّروا، ويوحدوا الخالق، حينما تنهال السياط على الظهور، ليُعينهم الله على تحملها، ثم كانوا يقولون له: تحمل، ففي البداية سيؤلمك، لكن بعدها، بإذن الله، لن تشعر بها..!

كان بعض الجلاّدين والمُعزّرين يتناوبون على الجلّد والتعزير، فالتعب كان بادياً وظاهراً على الجميع، كما أحسست بذلك، خصوصاً أن بعض المجرمين يصل حكمه لسبعمائة جلدة، كذاك الرجل الخمسيني الذي كان يرتدي لباساً رياضياً (تراكسوت) نيلي اللون، وأطال لحيته، حتى أن الناظر إلى هيأته يظن فيه الوقار، دون أن يدري إن كل شعرة في لحيته يجلس تحتها شيطان رجيم!

هذا الرجل، الذي لم أتقرب منه، مكتفياً بمعرفة قصته من (أبو عمر)، ومن بقية المعتقلين، كان سارقاً، يحترف التزوير كمهنة له، فقد باع الكثير من عقارات الناس وأشتراها، عبر تزوير الوثائق والمستمسكات، حتى أوقعت به الشرطة الإسلامية متلبساً بالجرم المشهود، وها هو صوته بجانبي يصل إلى القمر، ويقفز من هناك إلى الكواكب بتأثير السياط التي ينالها، جزاء نصبه وإحتياله على الناس..!

وهذا صوت آخر، أول ما نطق: (يا الله)، وهو يستقبل أول سوط من خمسمائة جلدة تم الحكم فيها عليه، نتيجة إرتكابه فاحشة قوم لوط، والحال نفسه ينطبق على أربعة آخرين كانوا قد دخلوا السجن لذات التهمة، ، في حين تم الحكم على أحدهم، والذي يقترب عمره من الخامسة والعشرين، بالرمي من أعلى شاهق في الموصل، بعدما كان يُجبرُ أحد الصبية، ممن كان بعمر المراهقة، على ممارسة الفاحشة معه، حيث كان يهدده بخطف وسرقة أخواته الصغيرات، وإغتصابهن، إن امتنع عن الخضوع لرغباته الدنئية، ولأن الشاب الصغير كان يتيماً، ومن شدة خوفه على أخواته خضع لنزوات ذاك المنحرف، الذي كان الجميع يحتقره في السجن، حتى وصل الحال مبلغه بالشاب المراهق الصغير، أن لجأ لبعض أصدقائه، كاشفاً لهم عما يتعرض له من إبتزاز، لا أخلاقي، على يد ذلك المجرم، فطلبوا منه مسايرته في المرة القادمة، متوعدين بمهاجمته حينذاك، حينما يبلغهم بالزمان والمكان المعيّنين، ليضعوا حداً لما كان يقوم به، من فعل مخل وفاحش وبذيء، وهو ما حصل بالفعل، حيث وافق الشاب الصغير، الذي كان يتعرض للإبتزاز، إلى الموافقة على طلب ذلك (الشّاذ)، بحسب نصيحة أصدقائه، فهاجموه بعد ذاك، حينما كان يستعد لفعل فاحشة قوم لوط مع صديقهم الصغير، فما كان منه إلا أن أخرج سكيناً، محاولاً أن يطعنهم بها، لكنه وجد أن كثرتهم ستجعل السكين، في نهاية المطاف، تستقر في صدره، ما جعله يسارع إلى الهرب نحو الشارع، ثم لجأ إلى دورية الشرطة الإسلامية التي كانت تتوقف على مسافة ليست بعيدة من المكان الذي هرب إليه، طالباً منهم التدخل لحمايته من مطارديه، ما حدا بالشرطة الإسلامية على القيام بإعتقالهم جميعاً، بضمنهم المشتكي، وضحيته.. وبعد التحقيقات الأولية التي اُجريت، ثم التحفظ على المجرم، الذي إعترف بفعلته، فيما تم الإفراج عن أصدقاء الشاب الصغير (اُسامة)، والذي تّفهم القاضي حاله، وتضحيته بنفسه في سبيل حماية أخواته الصغيرات، فأطلق سراحه هو الآخر، بعدما رافقنا في السجن لعدة أيام!

صاحب اليد، التي تطلب مني التحرك والتقرب بإستمرار من باب المحكمة على تلك المصطبة الخشبية، سألته عن الموضوع، وما الذي يحدث، فقال لي، وهو يُسقيني من ذات كأس الرعب الذي كنت أسقيه لبعض المعتقلين، ممن كانوا يسألوني عن توقعي للحكم الذي سينالونه:

لا شيء يا حاج، فقط جهز ظهرك لخمسمائة جلدة!

شعرت برعب حقيقي، لم أشعر به قبل ذاك الوقت، فسارعت للقول:

(كاتل، بايگ، ناهب)، كما يقال بالعراقي، أي وهل قتلت أحداً أو سرقت شيئاً أو خطفت طفلاً لأنال مثل هذا الحكم!!

فضحك، وعاد ليصلح قوله، بعدما وجد أن لحظات الرعب قد تذهب بي قبل أن أدخل على القاضي، حيث قال:

حجي، أنت قضيتك (هيّنة)، لكن أنتم الصحفيون مشاكلكم كثيرة، ثم أخذ يضحك، معتقداً إنه خفف من حدّة توتري، مع أنه، غفر الله له، زاد طيني بلّة!

قال لي الحارس الذي كان برفقتي:

تفضل يا حاج، وأخلع حذائك من فضلك.. فخلعت ما كنت أنتعل، ثم أمسك بيدي، وأدخلني على قاعة المحكمة، حتى جلست على الكرسي..

كان هناك أكثر من شخص، فقد كان يتحدث جمع من الجالسين بينهم، وحينما دخلت، وما أن استقر جلوسي على الكرسي حتى عم الهدوء!

أطلقت السلام، فردّ أكثر من واحد سلامي، وهو ما يعني أن وجود لجنة، ومجموعة من القضاة، هو أمر صحيح، كما سمعنا..

بقيت صامتاً، وأنا استمع إلى تقليب أوراق، خمنت أن القاضي يقلب في صفحات ملفي..
بعدها بوقت أمتد لقرابة النصف دقيقة من الصمت، أو يزيد بقليل، خاطبني صوت، غير صوت القاضي، أو صوت المحقق اللذين تحدثت إليهما أول وصولي إلى قاعة المحكمة هذه، ورغم القول أن اللجنة من الشام، إلا أن صوت القاضي الذي حادثني كان عراقياً بنبرته، رغم محاولة إستخدامه للغة العربية الفصحى في الحديث..!

قال لي:

أنت الصحافي الذي جاء من أوربا..!؟

أجبته:

نعم يا شيخ..

ثم أضاف، وأنا أستمع إلى تقليب الأوراق يعود من جديد بين يديه، والذي يرافق زاوية وجهة الصوت التي يأتيني منها صوت القاضي:

للأسف، قضيتك ليست من إختصاصي!

ثم طلب من الحارس أن يعيدني، فشعرت بخيبة أمل كبرى، بعدما أحسست أن الفرج قد إقترب..!

أخرجني الحارس من القاعة، وهو يقول لي، وكإنه على علم بقضيتي، خصوصاً إنه كان يستمع، بالتأكيد، لتفاصيل القضية، سواء في عرضي على القاضي في المرة السابقة،أو في هذه المرة:

لم يبقَ إلا القليل يا حاج، وكل ذلك في ميزان حسناتك إن شاء الله!

أجبته بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله)، مكتفياً بها!

ثم أعادني إلى القاعة، عبر ذلك الممر، الذي كانت تحاصرني فيه السياط من كل جوانبه، فيما صرخات تتعالى أول الجلد، ثم تخفت قليلاً في وسطه وآخره!

سألني بعض المعتقلين، عن قضيتي، ما أن رُفعت العصابة عن عيني، فأجبتهم:

يبدو أن (الشغلة) ستطول.. دون أن أزيد!

وفي المساء، كنا في قافلة طويلة، تم فيها إعادة الجميع إلى القاعة الكبيرة، سواء من حُسمت ملفاتهم، أو ممن عُوقبوا، أو ممن عادوا خالي الوفاض، كحالي أنا!

إستقبلني (أبو عمر) بالترحاب ثانية، وهو يطلب مني الصبر، وأن أنظر إلى حال غيري، كي يهون عليّ حالي، وهو ما كان يحدث بالفعل، فمن يرى ذلك الجلّد، وتلك السياط، يرضى بالتأخير، فمن يرى الموت يرتضي الحُمّى، كما يقال!

بعدها بأيام أرسل القاضي إلى (أبو عمر)، وجلس معه، ورفع الغطاء عن عينيه، كما ذكر لي، وأعتذر له عن هذا الحال، وأكد له إنه لو يسمح له الشرع لكفله هو بنفسه، ولما تركه لحظة هنا، لكنه القضاء وشرع الله.. تفهم (أبو عمر) الحال، فعاد وهو يتأمل خيراً في قادم الأيام كما قال له القاضي..!

وبعد يوم من لقاء القاضي بـ(أبي عمر) أبلغه الحراس بوجود زيارة خاصة له، ظن (أبو عمر)، إنه ربما تم تأمين المال من قبل عائلته، وإنه سيخرج وينال حريته ويعود إلى ساحة جهاده، لكنه، وحينما عاد بعد ما يقرب من الساعة، كانت الإبتسامة قد غابت، ثم سرعان ما عادت، لتختفي من جديد، وهكذا وجه توزعت قسماته بين الإبتسام والفرح، رغم الدموع التي كانت تغرق بها عيناه..!

استقبلته عند الباب، والسؤال المعتاد:

بشّر!؟

فقال لي:

أبني جاءني زائراً من أرض المعركة، وسيعود إليها الآن!

قلت:

ما شاء الله.. وما الأخبار؟!

أجابني:

لا أدري ما أقول لك.. البشائر كثيرة، والحزن يتعمق!

إبدأ لي بالبشائر، هداك الله يا (أبا عمر).. هكذا عاجلّته!

فرد عليّ:

البشائر أن المجاهدين يصولون في بيجي وتكريت ويجولون، والإنتصارات، بفضل الله تعالى، تثلج الصدر..

وماذا أيضاً يا (أبا عمر)، قل يرحمك الله؟!

فأجابني، بين ضاحك ومتأثر:

أبني!

ما به، قل يا (أبو عمر).. هكذا تساءلت؟!

فرد! عليّ:

اُصيب في المعارك في رأسه، وقد جاءني والضماد يغطي رأسه، لكنه بخير، والحمدلله..

اكتفيت بالقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهو يواصل حديثه معي، قائلاً:

حالي لا يسر، فإبني لا وقت لديه ليتفرغ لجمع مبلغ الدّين، ولا أمل في بيع قطعة الأرض التي أمتلكها نتيجة طبيعة الوضع في مدينة بيجي، حيث قطعة أرضي هناك!

سألته عن أخبار أبنه الثاني الذي يجاهد في قاطع آخر، فأكد لي أن لا معلومات لأبنه الذي زاره عن أخيه، ثم قال، وبكل هدوء، وثقة بالله:

إن كان لا يزال حياً فليبارك الله في جهاده، وإن كان قد قُتل، فاسأل الله أن يتقبله، ويتقبل جهاده!

خجلت من نفسي، فيالعظمة الأيمان بالله المكتنز في صدر هذا الرجل، وعجبت لهذا الصدق مع الله، ولهذا الثبات والصبر، حتى إنني بكيت وأنا استمع له، ولا أعرف إن كان بكائي خجلاً من نفسي، أم رحمة على حال هذا المجاهد، الراضي بقدره، والثابت كجبل أحد في سجنه، رغم كم ما فيه!

كانت هناك مجموعتان من الحراس يتناوبون على الحراسة وعلى إدارة شؤون السجن، لم نكن نعرفهم بإسمائهم، بإستثناء عددٍ قليلٍ جداً، كالمسؤول الأول (أبو أحمد) الذي كان غالبية المعتقلين، إن لم يكن جميعهم يعانون من شدته وحزمه معهم، في حين كان الآخرين يتعاملون مع الجميع وكإنهم إخوة لهم، رغم إن بين السجناء الكثير من المجرمين والفاسقين والمذنبين، لكنهم كانوا يتعاملون مع الجميع على إنهم أمانة لديهم حتى حين!

(أبو أحمد)، كان يطبق التعليمات بحذافيرها بحق المعتقلين، وكما هو متعارف، أن القانون حينما يُطبق، مهما كان شكله، دون أن يكون فيه حيزاً للإنسانية، فإنه يصبح حينذاك كابوساً، لا قانون، مهما علت درجة عدله، فالله سبحانه وتعالى، ذو الآلهي، لن يحاسبنا يوم القيامة بعدله، بل برحمته، وإلا فلن يدخل أحد منا جنانه أبداً، بل وسنكون على بُعد ملايين السنين الضوئية منها!

كانت لدى (أبو أحمد) كذلك، إضافة إلى تطبيقه الحازم للقانون، بعض المخالفات، فهو، مثلاً، يرفض ويرد طلبات المعتقلين الراغبين بالحصول على العلاج في غير وقته، مشترطاً أن يكون ذلك في وقت زيارة الطبيب حصراً، والتي تكون ليلية فقط، فيما عدا الحالات الطارئة، ويهدد كذلك بحلاقة شعر جميع المعتقلين، وفي ذلك مخالفة للأوامر، التي لا تجيز حلاقة الشعر لمن ليست لديه تهمة قد ثبتت عليه، وهو يطلب من الجميع الإستيقاظ في الوقت المحدد للإستيقاظ، ولا استثناءات في ذلك، ككبار السن، الذين عادة ما يتم معاملتهم معاملة خاصة، مهما كانت طبيعة قضاياهم، بحكم السن، فضلاً عن عدم السماح لأي شخص بالدخول إلى المحاجر، التي كان كثير من المعتقلين يتسابقون إليها بحثاً عن الهدوء التام والنوم العميق، وأحيانا ممارسة بعض الألعاب، كلعبة (المحيبس) الشهيرة، التي كان المعتقلون يمارسونها في داخل القاعة، وبأعداد كبيرة، حيث تنقسم القاعة إلى فريقين ليتنافسوا أيهم يفوز بالخاتم (المحبس)، وهو ما كان (أبو أحمد) يعترض عليه، خصوصاً إنه يجري في وقت من المفترض فيه أن يبدأ وقت النوم.. بإختصار، كان السجناء يشعرون أن مسؤول الحرس (أبو أحمد) يتعامل معهم، وكإنه يسقيهم ويطعمهم من بيته، لا بأموال الدولة الإسلامية، ويرد بإسلوب جاف على كل من يسأله عن شيء، أو يطلب منه إستيضاح، أو طلب شيءٍ ما من طلبات المعتقلين التي لا تنتهي، حتى أن (أبو عبدالله) كان حانقاً عليه بشدة، لإنه كان لا يستجيب لطلبات وإحتياجات السجناء، التي غالباً ما تمر من خلاله، بإعتباره مسؤول القاعة الإداري، وكونه حلقة الربط بين السجناء والحراس، بتفويض من (أبو عمر)، الذي إلتزم الصمت حيال هذا الأمر، متخوفاً من إنفجاره بوجهه، كما يقول، فيحصل ما لا يحمد عقباه!

كان بعض المعتقلين، إن لم يكن جُلّهم، يشعرون بالراحة، حينما تنتهي وجبة الحراسة، التي يديرها (أبو أحمد)، رغم أن بقية الحراس ممن كانوا تحت إمرته لم يرَ منهم السجناء إلا كل تعاون وطيب محيا، لكن مجرد ذهاب (أبو أحمد) كان يزيل التوتر الذي يخيم على السجناء طيلة اليومين اللذين يتولى فيهما إدارة السجن بالتناوب مع مسؤول الحرس الثاني، الذي كنا نناديه بـ(الحجي) فقط، دون أن نعرف اسمه، لكن المعتقلين كانوا يشعرون إنه واحداً منهم، بلسانه الطيب الذكر، واُسلوبه الحسن في التعامل مع الجميع..!

هذا الحال أوصل المعتقلين إلى حافة الإنفجار، فقرروا في صباح ذات يوم إعلان إضراب جماعي، ورفض تناول الطعام، ورفض الوصول إلى الباب، لا من من قبل مسؤول القاعة الإداري (أبو عبدالله)، ولا من قبل بقية المعتقلين، وتم إعادة طعام الفطور، المكون من البيض المسلوق، والجبن، والخبز، والطحينية، أو الراشي، وأباريق الشاي الكبيرة الحجم، إلى الحراس، الذين سرعان ما نادوا على (أبو أحمد)، وأبلغوه بالأمر، وحينما سأل عن السبب لم يكلف أحد نفسه بالإجابة أو الرد عليه، فالإضراب ارتفع مستواه ليشمل مقاطعة تامة للحراس، حتى بالكلام، ولم يجد الحراس آذاناً صاغية، من السجناء للرد عليهم، فترك الحراس الطعام المعاد بجانب الباب داخل القاعة، عسى ولعل أن يتراجع السجناء عن موقفهم، أو هذا ما تأمله الحراس ربما..!

ظن الحراس أن المشكلة ستنتهي مع وصول الغداء، أو مع تصاعد وتيرة زقزقة عصافير البطن حينما يفتك بها جوع النهار، لكن السجناء أصرّوا أن يستمر الإضراب والتمسك بموقفهم، ويستمروا في المقاطعة التامة، لكن ما هي طلباتهم، وما الغاية، وما الهدف من هذا الإضراب، وعلام هذا الإحتجاج، لا أحد يدري من الحراس، فلا أحد يجيبهم على أسئلتهم أو إستفساراتهم..!

جاء موعد الغداء، وعادت مناسف الرز والبرغل، كما دخلت، بل الأدق إنها رُصفت بجانب طعام الصباح، فتكدست الأواني والمناسف والخبز وأباريق الشاي، واُضيفت إليها سلال البرتقال..!

رفض الجميع الحديث إلى الحراس ومسؤولهم (أبو أحمد)، الذي راح أول الأمر يتوعد بإجراءات أكثر صرامة، وأنه سيطبق قوانين المعتقل بشكل أكثر تشدداً، وهو ما يعني تصاعد حدة الموقف، إذ اعتبر السجناء كلام أمر مفرزة الحراس تهديداً لهم، خصوصاً بعدما أقدم على وصف أحد السجناء المتهمين بالسرقة بـ (اللص)، حينما نادى عليه، ورفض الرد عليه، إلتزاماً بإتفاق الإضراب..!

المعتقلون كانوا مجمعون كافتهم على عدم الحديث إلى أيٍ من هؤلاء الحراس، والمطالبة بالحديث إلى مسؤول كبير، دون أن يتم تحديد شخصية بعينها!

كلما تجاهل الحراس طلبات المعتقلين والسجناء، كلما تأزم الوضع أكثر، وبدأ الوقت يمضي ثقيلاً على السجناء، حتى بدى كسباحة سمكة في صحراء رملية، فهم ينتظرون أن تتم تلبية مطالبهم في الحديث مع أي مسؤول في السجن، أعلى سلطة من آمر مفرزة الحراس، في حين كان الوقت يمر سريعاً على الحراس ومسؤولهم (أبو أحمد)، فإقتراب موعد العشاء، وعودة الطعام دون أن تمسه أيادي المعتقلين، يعني أن الأمور ستتطور أكثر وأكثر، وحينها سيتحمل الحراس نتيجة أي تدهور في وضع المعتقلين الصحي والبدني، وهو ما يعني بالتالي أن الحراس سيكونون في نهاية المطاف بجانب المعتقلين في ذات السجن للقصاص منهم، لعدم إيصالهم صوت المعتقلين إلى من يهمهم الأمر..!

إقترب المغرب، ولا حديث بين المعتقلين، غير حديث الصمود والثبات حتى آخر لحظة، فالمعتقلون يدركون أن الإضراب إن مرّ مرور الكرام وفشل، فهذا يعني إن آمر مفرزة الحرس (سيتفرعن)، كما يقال، ويصبح هاجساً آخر سيعاني منه المعتقلون، إلى جانب معاناة السجن الذي لن نستطيع أن نصفه إلا بـ(السجن)، حتى لو كان قصراً مطلياً من الذهب، ومفروشاً بالحرير، ومما زاد من خشية السجناء، أن آمر الحراس بدأ يضيف أقفالاً إضافية على باب القاعة الكبير، تحسباً من أي تمرد قد يحصل، كما كان يظن!

وفجأة، وإذا بالباب يُفتح، ليدخل منه رجلاً، ظنناه أول الأمر سجيناً جديداً، لولا ذلك اللثام الذي كان يضعه، والذي كان عبارة عن (يشماغ) يعلوه عقال على الرأس..

كان الرجل يرتدي دشداشة (جلابية) بيضاء اللون، وعليها (جاكيت)، وينتعل حذاءاً أسود اللون..

أطلق السلام، فرد الجميع عليه ببرود، فنحن لا نعرف هوية القادم، وهو لم يُعّرف بنفسه بعد، لكنه حينما نادى على الحراس، وأمرهم بالحضور كلهم، وطلب منهم بالإصطفاف إلى جانب الباب، أدركنا أن زائرنا شخصية من الوزن الثقيل، رغم بساطة هيأته وهندامه..!

طلب زائرنا من جميع المعتقلين الجلوس على شكل مربع ناقص ضلع، ليكمل هو بدوره الضلع الرابع، فبدأ أولاً حديثه إلينا بالحمد والثناء على الله، ثم صلى على النبي الأكرم محمد، صلى الله عليه وسلم، ثم تلاها بـ (أما بعد)!
كان أول حديثه، وكإنه يلقي خطبة في مسجد، سرعان ما أنتقل، بعد مقدمتها، في الحديث عن الذل والخنوع والفقر والجوع الذي كان يعانيه المسلمون تحت سيطرة وحكم الشيعة وملاحدة الكرد، والطواغيت، وما كان يريده اليهود والصلبان ويتربصوا به لهذه الأمة، حتى ظهرت الدولة الإسلامية، التي تريد تحكيم شرع الله في الأرض، وتعيد للمسلمين عزّهم ومجدهم وكرامتهم المفقودة، وتنتصر لكل من عانى ويعاني من الحكم الطاغوتي والشيعي والعلماني، وكيف أن هدفها الأول والأخير هو المسلم نفسه.. ثم راح الرجل يُبشر بما ينتظر هذه الأمة من خير عميم وفتوحات ربانية ستعيد لكل مسلم حقه المغتصب..!

ثم توقف قليلاً، ثم عاد ليكمل:
لقد اُبلغت بإن المعتقلين قد عملوا إضراباً، ولقد ساءني ذلك والله، فأنتم تنظرون كيف إننا نعمل الليل والنهار، ونُسابق الوقت والزمن، حتى في أيام العطل، كي ننهي قضايا المعتقلين بأسرع ما يكون..!

ثم أردف:

أو تظنون إننا سعداء بوجودكم هنا، كلا والله، إننا لنتـألم، حتى على حال العاصي والمذنب منكم، ونسأل الله أن يصلحنا وإياكم..

والله يا إخوة، يضيف المتحدث، إننا لنعاني من وجودكم هنا أشد من معاناتكم أنتم، فأنتم أمانة ثقيلة في رقابنا، في رقبتي، وفي رقبة هؤلاء الحراس، بل وفي رقبة الخليفة نفسه، والله إننا سُنُسأل عنكم يوم القيامة واحداً واحداً، وإن الخليفة، والله، لا يكف عن التوصية بالسجناء، وتوفير كافة متطلباتهم المعيشية داخل السجون، والعدل والإنصاف معهم، إنه يشعر بمعاناتكم، وكذلك نحن، وما التأخير الذي يحصل في بعض القضايا إلا من حرصنا على دمائكم، وحتى لا يتعرض أحد منكم للظلم، وترون إننا، وفي غضون يومين أو ثلاثة، قد حسمنا ما يقرب من المائتي قضية، ويشهد الله علينا إن إخوتكم في دولة الخلافة الإسلامية يتمنون لو أن كل واحد منكم يغادر الآن من هذا المكان، فتحملوا أيها الإخوة..!

كنت استمع وأتأمل الصوت، فالصوت أعرفه، وهذه النبرة، حفظتها عن ظهر قلب، نعم إنه صوت القاضي، الذي تحدث إليّ في قاعة المحكمة.. الآن تيقنت بعد هذه الخطبة!

إنتهى القاضي من الحديث، ثم طلب أن يستوضح عن المشكلة، وعن طلبات المعتقلين وعن أسباب هذه الإضراب..

تنفّس المعتقلون الصُّعداء، فكلمات القاضي كانت مُطمئنة للكثير منهم، فطلب منهم ترشيح من يتحدث نيابة عنهم بالطلبات وأسباب هذا الإضراب..

أجمع الكل على ترشيح (أبو عمر) و(أبو عبدالله) للحديث باسمهم، فتحدث أولاً (أبو عبدالله)، الذي لم يتطرق إلى قضيته الشخصية، أو لأي شيء آخر يخصه، رغم أنه كان يتمنى لقاء القاضي، كما أعرف، ليشكو إليه ما يتعرض إليه من ظلم وإجحاف، فقال (أبو عبدالله):

يا شيخ، سأتحدث، وإن قلت شيئاً غير صحيح، أو غير دقيق، فليرد عليّ أحد من المعتقلين أو من الحراس أنفسهم..

ما يحدث أيها الشيخ أن مسؤول الحرس (أبو أحمد) لا يتقِ الله فينا، ويعاملنا وكإننا نعمل في مزرعته، بل وكإنه يطعمنا من بيته، بل إنه جعل من نفسه قاضياً، فتجاوز حدود عمله ووصف أحد السجناء باللص، ويتعامل مع جميع المعتقلين بتعالي وجفاء، وهو يمثل واجهة للمجاهدين، وواجهة للدولة الإسلامية في نظر المعتقلين..!

كان (أبو أحمد)، يقف بجانب القاضي، حين بدأ الحديث عنه، لكنه سرعان ما خرج ووقف خارجاً، وذلك كي يتحدث المعتقلون بلا قيود، ودون أية ضغوطات من وجوده، لكن (أبو عبدالله) كان يردد إنه يتمنى أن يكون الحديث أمام (أبو أحمد)، حتى لا يعتبر ذلك طعناً فيه، وحتى يكون الكلام أمامه وجهاً لوجه..!

إلتفت القاضي إلى من هم في جواره من الحراس، فقال:
من هو (أبو أحمد)، فأكدوا له إنه أمير مفرزة الحراس على السجن..!

ثم عاد القاضي ليلتفت إلينا، متسائلاً:

من يؤيد كلام الأخ المتحدث، فرفع الجميع أيديهم كدلالة على دعم قول (أبو عبدالله)، وأضافوا عليها بالكلام:

كل ما قاله صحيح!

وهنا علا صوت من بين المعتقلين، قائلاً:

يا شيخ، هل تسمح لي بالحديث؟!

فردّ عليه القاضي:

تفضل وتحدث بما تريد!

قال المعتقل، وكان هو نفسه الذي وصفه أبو أحمد بـ (اللص):
يا شيخ، نعم والله لقد إرتكبت ذنباً ومعصية، وقد أعلنت توبتي أمام الله، وسأتحمل ما يتم الحكم به عليّ، سواء أكان قطع يد، أو حتى قتل، لكن يا شيخ، والله لقد آذاني قوله ذلك بحقي، وحتى القاضي لا يعاملنا بهذه الطريقة!

كان هذا الشخص يتحدث دون أن يدري، على ما يبدو، أن من يتحدث إليه إنما هو القاضي، فبعض السجناء لم يعرضوا بعد على هذا القاضي، وبعضهم تم عرضه على القاضي الذي سبقه، عكسي أنا الذي قابلت قاضيين إثنين..

وهنا قال القاضي، مخاطباً الجميع:

من اليوم، بإذن الله، لن تروا ولن تسمعوا بـ (أبو أحمد) ثانية، ومن يتجاوز على معتقل، حتى لو كان مذنباً، إنما يتجاوز على الخليفة نفسه، ولن نسمح بأن يتم التعامل بهذه الطريقة مع إخواننا حتى لو إرتكبوا فعلاً، فما هم هنا إلا للتكفير عما ارتكبوه!

كان يتحدث مخاطباً الحراس، الذين أصطفوا كالأقلام أمام كلماته المدوية..

ثم ألتفت إلى (أبو عمر)، وقال له:

تحدث أنت كذلك يا أخينا، فقد أوكل إليك الإخوة مهمة الحديث عنهم كذلك!

وقف (أبو عمر)، وقال:

جزاك الله خيراً يا شيخنا على تلبية نداء المعتقلين، ومسارعتك لمواجهتهم بنفسك، دون واسطة..

كان كلام (أبي عمر) يوحي إنه يدرك تماماً هوية هذا الشخص، وأنه القاضي بالفعل، كما خمنت، فهو يعرفه تمام المعرفة، وليس كما أنا، عبر الصوت فقط!

ثم أضاف (أبا عمر):

أن ما تحدث به الإخوة هنا هو حقاً، فالأخ (أبو أحمد)، أصلحه الله، تجاوز بعض الخطوط، ونحن ليس لنا إلا السمع والطاعة، حتى وإن كنا داخل السجن، وإن كان هناك بين هذا الجمع من هو مسيء، فهذا لا يعني أن تتم معاملته معاملة غير إنسانية، أو غير لائقة، فالدولة الإسلامية إنما تطبق شرع الله، وهذا الشرع يجب أن نطبقه على أنفسنا قبل غيرنا..!

ثم أضاف:

هل تعلم يا شيخ، إنني الآن استطيع تشكيل كتيبة جهادية كاملة من هؤلاء السجناء، وأدخل بهم أشرس المعارك، وكلي ثقة فيهم، فحتى المسيئين الان يتمنون أن يكفروا عن سيئاتهم وعن أخطائهم عبر الجهاد في سبيل الله، وحينما أقول لك كتيبة، فإنما كتيبة إستشهادية، وأنا مسؤول عن كلامي هذا أمامكم، وقبل ذلك أمام الله، لهذا فلا يجوز أن تتم معاملة السجناء بهذا الشكل، فما السجن إلا لرد الحقوق لأهلها، ولإصلاح المسيئين..!

قال القاضي:

ما شاء الله، والله إن لكلامكم يفرح القلب ويثلجه، وأقول لكم، وليسمع مني الحراس:

كل من يتجرأ ويتعامل مع أي سجين، مهما كانت تهمته، بأي شكل من أشكال الإهانة أو الإساءة، فسيكون عقابه قاسياً عندنا، ولا يلومن إلا نفسه، أياً كان موقعه او منصبه..1

ثم إتجه إلى المعتقلين، وأخذ يخاطبهم هذه المرة:

أيها الإخوة، كل من يُسيء لكم، وبأي شكل من الأشكال، فسيكون تحت طائلة شرع الله، وأي شيء تحتّجون عليه اُطلبوا من الحراس أن يوصلوه لنا، وإن رفضوا فنحن من سيحاسبهم!

تعالت تكبيرات المعتقلين وصيحاتهم، ثم بدأوا في الترديد:

دولة الإسلام باقية.. دولة الإسلام باقية..

حتى ارتجت لها جنبات السجن، بل وأحياء الموصل على ما أظن، من شدة حماسة السجناء والمعتقلين وهم يرددونها وقتذاك!

بعد نشوة الفرح والسعادة الغامرة التي غرق في بحر عذوبتها السجناء، نتيجة موقف القاضي الإيجابي، وإنتصافه لهم من الحراس، وتهديد كل من يمس لهم شعرة، رغم إن كثير منهم بلا شعر رأس، عاد القاضي ليطلب منهم المزيد.. فقد أخذ يطلب كل من لديه مشكلة أو إعتراض أو ملاحظة، مهما كانت أن يخاطبه الآن بشكل مباشر!

فبدأ ينصت للمعتقلين واحداً واحداً بتأني، وهو يمسك بورقة وقلم، مدوّناً الملاحظات أثناء إستماعه إليهم، فكان لا يقاطهم حتى ينتهي الواحد من حديثه إليه ويفرغ!

ومن أطرف ما حصل حينها، أن أحد المعتقلين رفع القيود، وتجاوز كل الحدود مع القاضي، حتى شعرنا جميعنا بالحرج من طريقة حديثه مع القاضي، الذي إلتزم الصمت حتى أنتهى ذلك السجين من حديثه..

قال ذلك المعتقل:

أيها القاضي، هل تستطيع أن تنكر إنك لم ترتكب سيئة أو ذنباً او معصية طوال حياتك.. ها !؟

ذكرها بهذه الطريقة، ثم صمت بإنتظار أن يرد عليه القاضي، الذي إلتزم الصمت بدوره، دون أن نعرف إن كان غاضباً من طريقة حديث السجين معه، أم إنه كان يبتسم في سره، كحال كثير من المعتقلين على فطرة السؤال لدى ذلك السجين، لكن وحينما طال توقف السجين بإنتظار إجابة لسؤال، لا أحد يعرف إلى أين يريد أن يصل به صاحبه، قال القاضي:

تفضل أخي أكمل حديثك!

فواصل ذلك المعتقل حديثه بالقول:

جلّ من لا يُخطئ، ونحن هنا جاءت بنا ذنوبنا، فعجّلوا بحسم قضايانا وإلا فإننا سنستوقفكم أمام الله!

فردّ القاضي:

هذا من حقكم علينا وعلى محكمة دولة الخلافة الإسلامية، ونحن نعمل على حسم جميع القضايا، بلا إستثناء، بإذن الله تعالى.

رفع (أبو عمر) يده للقاضي، وأشار بذات الوقت إليّ، وكإن، صاحبي (أبا عمر) أدرك خجلي من الحديث إلى القاضي، فلقد تحدثت إليه قبل بضعة أيام، وأجابني بإن الأمر ليس من إختصاصه، لكن، وبعدما إلتفت إليّ القاضي، الذي طلب مني الحديث، استأذنته بالحديث إليه همساً، إذ لم أشأ أن يعلم أحد من بقية المعتقلين لمّ أنا هنا، خصوصاً أن ما في جعبتي لا يمكن البوح به كله أمامهم!

فقال القاضي:

تفضل أخينا هنا!

إتجهت إليه، فسلمت عليه من جديد، ثم قلت له:

أعلم يا شيخ أن قضيتي ليست من إختصاصك، كما ذكرت لي قبل أيام..

وهنا رفع عينه بإتجاهي، بعدما كان يعطيني اُذنه، فما فاجئه ربما إنني حدثته، وكإني أعلم أنه القاضي، خصوصاً إنه لم يقدم لنا هويته حين دخل إلينا، ثم قال لي:

أنت الصحافي، أليس كذلك!؟

رددت عليه بالإيجاب، قبل أن يعيد منحي اُذنه للإستماع من جديد دون أن يعلق على أي تفصيل حتى انتهيت.. فقال لي:

طلبنا بعض المعلومات عنك، وستصلنا قريباً، إن شاء الله تعالى، ولن يطول وجودك هنا، واحتسبها في سبيل الله..

شكرته وغادرته، دون أن يدوّن أي شيء مما تحدثت به إليه، وهو ما أخافني، حقيقةً، أول الأمر، لولا تطمين (أبو عمر) لي بإن ذلك يعني إنه يعرف تماماً بقضيتي، وهو ملمٌ بها، فزادني ذلك إطمئناناً..!

إنتهى القاضي من الإستماع للجميع، وأخذت التكبيرات تتعالى لحظة خروجه، وهو يودعنا، بعدما وعدنا بالخير كل الخير، سواء في حُسن التعامل داخل السجن، أو في سرعة حسم القضايا، فيما إتجه السجناء، بعدما اجتاز القاضي عتبة الباب، إلى الطعام المكدس بجانب الباب مباشرة، من شدة الجوع الذي أصابهم، لينتهي بذلك ذلك الإضراب بـ(نصر) للمعتقلين، إذ استردوا حقوقهم كاملة غير منقوصة، بعدما تدخّل القاضي بنفسه لوضع حدٍ للمشاكل التي كانوا يعانون منها، ومنذ ذلك اليوم لم يرَ أحد بعدها آمر مفرزة الحراس (أبو أحمد)، ولم يعلم أحد ما كان مصيره!
يتبع

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي Empty رد: هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي

مُساهمة  عاشقة السماء في الأحد يونيو 28, 2015 3:46 pm

في اليوم التالي كان (أبو عبدالله)، يتحدث لنا، أنا و(أبو عمر)، في ركن القاعة ذاك، عن مزرعة (النجيفيان) للخيول، وكيف أن محافظ نينوى السابق (أثيل النجيفي) كان يقضي وقتاً في مزرعته، مع الخيول، أكثر من الوقت الذي يقضيه في محافظته، وكيف أن (اُسامة النجيفي)، رئيس مجلس النواب السابق، أو كما يسمى إصطلاحاً بـ (مجلس الدواب)، كان يسرق أموال أهل السُنّة والجماعة، ليضيف من خلالها مزيداً من الخيول إلى تلك التي يمتلكها، والتي تجاوزت السبعمائة حصان، بينها ذلك الذي إستعرض به والي الموصل السابق، (أبو ليث)، تقبله الله، في شوارع الموصل بعد الفتح والتحرير، والذي يعتبر أحب الخيول إلى قلب محافظ نينوى المخلوع (أثيل)!

هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي __________________________________________________________________________________________________________________small


تحدث (أبو عبدالله) عن أن هذه المزرعة تحوي وتضم أفخر أنواع الخيول العربية الأصيلة، وراح يؤكد أن الدولة الإسلامية قد صادرتها وضمتها إلى أموال المسلمين..

وقبل أن يكمل حديثه عن تفاصيل المزرعة، طرق الباب أحد حراس المعتقل، وهو يحمل بيده مجموعة أوراق، طالباً من (أبو عبدالله)، بإعتباره المسؤول الإداري للقاعة، أن يجعل المعتقلين جميعهم في النصف الثاني من القاعة، وهو ما أثار إستغرابنا، إذ لم نكن نعرف الغاية من هذا الأمر، قبل أن يتبين أن وجبة إطلاق سراح كبيرة ستغادرنا، وهو ما علمه (أبو عبدالله) من الحراس، فراحت البشائر تهل، والتكبيرات تتعالى، بعدما كان كل معتقل يُؤمّل نفسه أن يكون من بين المفرج عنهم، ومن بينهم بالتأكيد أنا، مع علمي أن وقت مغادرتي لهذا المكان لم يحن بعد، فلقد كنت أرجح لقاء القاضي قبل أن يحدث ذلك!

كان عدد المعتقلين، حينها، يقترب من المائتين، بعد عمليات خروج ودخول متباينة بشكل شبه يومي..!

بدأ أحد الحراس ينادي على اسماء المفرج عنهم، فلاحظت أن جميع من تم إذاعة اسمائهم، إما ممن تم جلّده، أو تعزّيره، أو ممن حُسم ملفه، ما يعني أن هذه القائمة إنما هي قائمة إفراج بالفعل، وليس نقل إلى القاعة الصغيرة الخاصة بالمحكمة..

كان السجناء يحتضنون كل من تتم إذاعة اسمه، ويأخذون في تهنئته، فيما تبقى كل اُذن تترقب أن يكون اسم صاحبها هو التالي..!

نادى الحارس اسم (أبو عبدالله)، فضجّت القاعة بالتكبيرات، بشكل عنيف، لم نألفه من قبل، وكإن كل معتقل يرى نفسه هو من تم إطلاق سراحه، فراح (أبو عبدالله) يقفز في الهواء تارة، وتارة يَخرُّ على الأرض ساجداً لله شكراً..

أخذ (أبوعبدالله) يُقبّل جميع المعتقلين واحداً واحداً، وحينما وصل إلى (أبو عمر) إنفجر الإثنان بكياً، فلقد عاشا سوية هنا لفترة طويلة، أحدهما يخفف ويهوّن على الثاني مصيبته، متعاهدين على اللقاء، خارج جدران هذا المكان، فيما أقسم عليّ (أبو عبدالله) كذلك أن ازوره في بيته بعد الخروج، فوعدته بالزيارة، وبالكتابة عنه يوماً!

بقينا ما يقرب المائة معتقل وسجين في هذه القاعة، التي باتت شبه فارغة، ورحنا أنا و(أبو عمر) أحدنا يواسي الآخر ويُصبّره، ونسلي بعضنا بالقصص، فيما كنت استغل لحظات نوم (أبي عمر)، أو أوقات إنشغاله بتعليم بعض السجناء لبعض أمور دينهم، بالتنقل بين هذه المجموعة وتلك، بحثاً عن صيدٍ جديد، أو قصة لم اسمعها من قبل، أو حكاية جريمة يسيل لها لعاب أي صحفي!

مرت الآيام ثقيلة بعد عملية إطلاق السراح تلك، بعدما شعر كل من بقي هنا بخيبة أمل، أولهم أنا، حتى فوجئنا بوصول وجبة جديدة من المعتقلين والسجناء، وصل عددهم قرابة الثلاثين معتقلاً، بينهم عدد كبير من المجاهدين، بدلالة ملابسهم (القندهارية) وشعر بعضهم الطويل..!

دخلوا أولاً إلى المغاسل، ليضعوا أحذيتهم هناك أولاً، ثم اغتسلوا، وراح كل واحد منهم يبحث له عن مكان ومجموعة ينتمي إليها، وكالعادة كان المجاهدون يكملون الصف الذي يبتدأ بـ(أبي عمر) ليصل إلى منتصف القاعة..

كان السؤال، كالعادة، لمن تكون هيأته جهادية:

أنت من الإخوة؟! ثم، تفضل مكانك هنا، ليبدأ الشطر الثاني من الأسئلة: (أين، ومتى، وكيف، وما السبب، ولماذا)!

إثنان من الداخلين أثارا انتباهي، فقد كانا يختلفان عن غيرهما من الداخلين، فغبار المعارك لا يزال على ملبسهما الجهادي، ثم أن (أبا عمر) استقبلهما بحفاوة، فتبين إنه يعرفهما عز المعرفة، أو على الأقل أحدهما، حيث طلب منهما أن يكونا من ضمن مجموعتنا، ليصبحا مكانهما الجديد بجانبي، حيث كنت ملاصقاً لـ(أبي عمر)، ثم ضيفنا الجديد، (أبا عبدالله)، ثم الضيف الآخر، (أبو عمر)..

ضحكت بدوري بعد الترحيب بهما، فحينما أخذ (أبو عمر)، يعرفني بالضيوف الجدد، ذكر أن كنية أحدهما (أبو عبدالله)، وكُنية الثاني (أبو عمر)، فقلت ممازحاً (أبو عمر):

خرج (أبو عبدالله) فاكرمنا الله بـ(أبي عبدالله) جديد، وبات لدينا بدل (أبو عمر) واحد، إثنان!

فضحكنا جميعنا على هذه المفارقة..

إلتفت إليّ (أبو عمر)، وقال لي:
الشيخ (أبو عبدالله) من قُدامى المجاهدين، وله صولات وجولات..!

قلت بدوري:


ماشاء الله، ثم رحبت به من جديد..

وقبل أن يشير إلى الضيف الثاني، ادرك أبو (عبدالله) أن (أبو عمر) القديم، لا يعرف عن (أبي عمر) الجديد شيئاً، فتطوع هو ليعرفنا به، حيث قال:

أخونا (أبو عمر) تم إعتقاله بالغلط، وقد يخرج اليوم أو غداً!

ثم رد (أبو عمر الجديد):

لن أخرج، بإذن الله!

قالها مع إبتسامة، ضحك لها (أبو عبدالله) و(أبو عمر)، قبل أن يطلبا منه أن يتقِ الله، فرد عليهما، لا أريد أن أخرج قبل أن أرى كل هذه الوجوه في هذه القاعة خارج السجن، ففهما منه مغزى الدعاء على نفسه..

ثم التفت صاحبي (أبو عمر) إلى (أبو عبدالله)، وسأله إن كان يعرف اسمي، بنية التعريف بي، وتقديمي إليهما، فحاول أن يستذكر، فقال:

والله لا أتذكر!

فردّ عليه (أبو عمر) بالقول:

حسين المعاضيدي صحافي، وهو كاتب المجاهدين، وهذا هو، مشيراً إليّ..

فرحب بي الإثنان، ترحيباً طيباً، لكني تيقنت إنهما لم يسمعا بي، فأنا على يقين أن المجاهد في سوح الوغى ليس لديه الوقت ليسمع أو يقرأ أو يتابع، إلا ما ندر..!

وقبل أن نبدأ في أحاديثنا، والإستماع إلى قصص بعضنا، شرعنا في التعرف على أسباب الوصول إلى هنا، كما هو الحال دائماً، فمن معرفة التهم يكون المدخل لكل حكاية وقصة!

لم يتحدث (أبو عبدالله) بالكثير، فكل ما قاله، أن القاضي أرسل إليه إلى الشام، طالباً منه المثول أمامه، ودون أن يسأل عن السبب لبى الطلب في الحال، رغم شراسة المعارك حيث كان!

زاد (أبو عمر) قليلاً فسأله عن السبب برأيه، فأكد له ربما إنه بسبب سوء تفاهم قد حصل بينه وبين أحد الإخوة، فشكاه ربما إلى القاضي، وعاد ليؤكد عدم معرفته بالتحديد، لكنه يتوقع هذا الأمر..!

أما (أبو عمر) الجديد، فقصته قصة كما يقال، فهو من الداعمين للدولة الإسلامية بالمال والنفس، وهو يقاتل في صفوفها، دون أن يعلن البيعة بعد، وقد تبرع بكل ما يمتلكه من أموال وسيارات، إلى المجاهدين في الدولة الإسلامية، ومنذ فترة ما قبل فتح وتحرير الموصل، ولم يبق لنفسه إلا سيارة ذات موديل قديم، تبرع بها وحول ملكيتها إلى الدولة الإسلامية، لكنه طلب من المجاهدين أن يستخدمها حين يحتاجها، فلم يمانعوا..!

وفي أحد الأيام طلبها منهم، وسار بها، فمرّ على حاجز تفتيش للدولة الإسلامية، فسألوه عن عائدية السيارة، فقال:

إنها من أموال المسلمين، وحينما طالبه رجال نقطة التفتيش بالموافقة الخطية على قيادتها، وبإنه في واجب جهادي، قاموا بإعتقاله، حينما لم يبرز لهم أي من الأوراق المطلوبة، ليصل بالتالي إلى هذا المكان!

عاد (أبو عبدالله) ليكمل القصة عن (أبو عمر) الجديد، مؤكداً ان المقام لن يطول به هنا، إن شاء الله، لأن (الإخوة) وصلهم خبر هذا الأمر، كما يصف الحال (أبو عبدالله)!

كل هذه الأحاديث كانت تدور حولي، لكني كنت في وادٍ آخر، فالرجل الجديد، (أبو عبدالله) أعرفه تمام المعرفة.. حاولت استرجاع بعض من ذاكرتي، كي أعرف أين التقيته، فأنا متيقن من هذا الشيء، وليس من عادتي أن أنسى الوجوه، لكن أين، أين يا حسين.. لا أدري!

لم احتمل هذا الجنون الذي يكاد يطيح برأسي، فقررت أن اسأله..!

(أبو عبدالله)، أنا أعرفك، وأظننا التقينا سابقاً يا شيخ، لكن لا أدري أين.. هكذا سألته!

فتبسم، ثم قال، وهو يمسح على لحيته الطويلة:

أنتم الصحافيون تخوفون.. ثم سألني:

هل عملت في الإعلام المركزي للدولة الإسلامية!؟

أجبته بالنفي!

فقال: ربما تشابه وجوه!

لم أقتنع بإجابته لإن حدسي لا يخيب، فكيف بذاكرتي، لكني توقفت عند سبب سؤاله عن الإعلام المركزي للدولة الإسلامية، وإن كنت عملت معهم أم لا، فأدركت حينها أن محدثي له علاقة بهذا الأمر..

وبعد عصارة ذاكرة تكاد تكون منهكة تمكنت من تذكر أن هذا الوجه المبتسم دائماً، دون أن يكشف عن الأسنان، إنما هو أحد الوجوه التي تظهر في إصدارات الدولة الإسلامية، فكتمتها في نفسي، ولم أذكرها أمامه، مكتفياً بذكرها لصاحبي (أبو عمر) الذي ضحك، وقال لي لاحقاً:

نعم، هو بعينه!
هنا أرض الخلافة! حسين المعاضيدي ___________________________small

وفي اليوم التالي، وقبل إنتصاف النهار، جاء الحرس، ونادى على ضيفنا الجديد (أبو عمر)، طالباً منه الإستعداد للخروج، فضحكنا جميعنا، خصوصاً أن (أبا عمر) الجديد كان يكثر من الدعاء في عدم الخروج، حتى يرانا نخرج جميعنا من هنا، وأن يكون هو آخر المغادرين، ففضّله الله علينا، فخرج هو، وبقينا نحن!

وفي لحظات أصبح خارج القاعة، بعدما ودّعنا بحرارة، وخصوصاً رفيقه (أبو عبدالله) الذي جاء برفقته، دون أن يسمح لي الوقت للإستماع إلى حكاياته وقصصه، التي كنت أخطط لأستخراجها من جعبته، لكنه درسٌ تعلمته في إقتناص الفرص، وعدم تأجيل (فضول) اليوم إلى الغد!

بعد خروج (أبو عبدالله)، صاحبنا القديم، تحولت إدارة القاعة (إدارياً)، إلى أحد المجاهدين، وهو (أبو نعيمة)، الذي أوكل إليه المهمة (أبو عمر)، خلفاً لـ (أبي عبدالله)، وحينما وصل الشيخ (أبو عبدالله)الجديد، طلب منه (أبو عمر) أن يتولى بنفسه أمور القاعة بدلاً عنه، لإنه تعب على مدى أشهر من هذا الأمر، فرفض (أبو عبدالله) أن يحل بمكانه، من باب الإحترام، مكتفياً بإلتأكيد بإنه سيساعده في مهامه..!

طلب (أبو عبدالله) أن يتعرف على طبيعة المعتقلينن وعلى نوعية الجرائم التي جاءت بهم، فما كان مني إلا أن أضعه في الصورة الكاملة، كوني أصبحت مرجعاً متخصصاً في هذا الأمر، لدرجة بت فيها أتفوق حتى على مراجع النجف وكربلاء، وعلى رأسهم (السزّتاني) اللعين، بل وحتى على خُمينيهم الدّجال!

ولما أصبحت الصورة متكاملة لدى (أبو عبدالله) كاد أن يُصاب بالجنون، بعدما تفاجئ بطبيعة الجرائم المخزية التي سمع بها هنا، كالزّنا، وأفعال قوم لوط، وتجارة الحبوب المخدرة، والسرقة، والخطف، وغيرها من الجرائم، التي جعلت وجهه يتعمر غضباً، فطلب من (أبو نعيمة)، المسوؤل الإداري، أن يطلب من الجميع التجمع في وسط القاعة ليلقي لهم محاضرة، فيما استثنى كبار السن، طالباً منهم لزم أماكنهم والإستماع من هناك إليه!

ثم نادى على الحرس وطلب منهم كرسياً، ليجلس عليه أثناء محاضرته، وما هي سوى دقائق حتى تجهز السجناء، وجيء بالكرسي، لتبدأ واحدة من أكثر المحاضرات تأثيراً في السجن..!

إنهال (أبو عبدالله) على السجناء، بعد مقدمة على طريقة خطبة الجمعة، بالكلام القاسي، وهم يرتكبون الفواحش، في حين أن الأمة تمر بظرف ووقت عصيب..

كان الصمت يدب بشكل غريب.. وصوت (أبو عبدالله) جعل حتى الحراس يدخلون إلى القاعة ليستمعوا إلى خطبته أو محاضرته!

كانت الوجوه تنظر إلى الأرض، بعدما أخذ يتحدث إليهم بطريقة تجعل كل واحد منهم يخجل من نفسه على فعلته، مذكراً إياهم بالعقاب تارة، ومستدركاً، تارة، التوبة وملحقاتها!

تحدث (أبو عبدالله) بعصبية بالغة، وكان كل سجين يظن نفسه هو المقصود من كلامه، مع إنه لم يحدد شخصاً باسمه، أو تهمة بعينها، فقد كان ذكياً، إلى جانب كونه خطيباً متمكناً ومفوهاً!

نعم هذه هي الميزات القيادية التي يجب أن تتوفر في رجال الدولة الإسلامية.. هكذا كنت أقول لنفسي.. كنت استمع، ورغم بلاغة الخطبة، لكنني كنت منشغلاً في تحليل شخصية هذا المجاهد، الذي كان يتحدث، حتى في جلساتنا الخاصة، وكإنه لم يترك كتاباً شرعياً، أو علمياً، أو أدبياً إلا وحفظه عن ظهر قلب، إضافة إلى حفظه لكتاب الله..
حينما كان يتحدث (أبو عبدالله)، أكثر أحدهم من المقاطعة، والحديث عن موعد الطعام، وكان قد دخل قبيل ساعات إلى هذا السجن، وكانت هيأته توحي وكإنه، قد تناول شريطين من الحبوب المخدرة، كما يلمح إلى ذلك بعض أهل الإختصاص، من تجار الحبوب المخدرة المتواجدين في السجن، فما كان من (أبو عبدالله) إلا أن انهال عليه بعصبية، طالباً منه السكوت، وإلا فإنه سيجعل الحرس يعاقبونه، ما جعله يلتزم الصمت، ثم سرعان ما عاد ليعلو صوته، وسط تزايد حدة كلام (أبو عبدالله) معه..!

وحينما إنتهى (أبو عبدالله) من محاضرته، التي ساد الصمت أرجاء القاعة في أعقابها، وعاد ليجلس في مكانه بيننا، سألني عن سّرِ ذلك الرجل، الذي كان يُكثر من مقاطعته، فأبلغته أن البعض (من ذوي الإختصاص)، يؤكدون إن نشوة الحبوب المخدرة لا تزال تضرب في رأسه، فما كان من (أبو عبدالله) إلا أن يرسل إليه، فجاء وجلس أمامنا..!

كان الرجل في الأربعينات من العمر، أو يكاد يناطح الخمسين، ذو بشرة سمراء، وشارب خفيف، وذقن حليق، ويرتدي بنطالاً وقميصاً!

سأله عن تهمته أولاً، فأكد له إن أخوته شكوه إلى المحكمة، على إثر خصومة بينهم!

سأله كذلك عن قصة الحبوب المخدرة التي يتجرع سُمها، فنفى التهمة عن نفسه، جملةُ وتفصيلا، وأقسم إنه لا يتعاطى المخدرات، وأنه تركها منذ الفتح، معترفاً بذلك على أنه كان يتعاطها ويتاجر بها يوم كان جندياً في الجيش الشيعي، قبل فتح الموصل وتحريرها..!

كان هذا الشخص يتحدث، وأنا اُنصت، وبذات الوقت، أحاول أستذكر شيئاً.. فالرجل، الذي يشبه خالي الأصغر، قد رأيته قبل اليوم، وقد حفظته بشدة، نتيجة ذلك الشبه الذي يجمعه بذاك الخال، وكالعادة لا أتذكر متى وأين.. لكنه يقيناً ليس بخالي..!

وبخ (أبو عبدالله) هذا الشخص الذي بقينا ليومين نظن إنه تحت تأثير المخدرات، حتى صحوت من نومي في اليوم التالي، لاُخبر (أبو عبدالله)، و(أبو عمر) بما توصلت إليه، ولا أدري إن كان ذلك قد حصل معي في رؤية بمنامي، أم إنني توصلت إليه بعد طول تفكير في الأمر وأنا نائم، إذ إختلط عليّ حينها الحال، فالرجل شاهدته يوماً في مقطع فيديو، تم تداوله على مواقع التواصل الإجتماعي قبل سنين، يظهر فيه هذا الرجل، ومعه شخص شيعي آخر، يتم الحديث إليهم في غرفة تحوي ضباط شيعة ومرتدين، في الموصل، وكان موضوع الحديث يدور حول (السمسرة) وبيع وتجارة الحبوب المخدرة، وكان ذلك الشخص يتحدث وكإنه تحت تأثير المخدر، وكان الضباط الذين يحققون معه في التسجيل يضحكون عليه، من طريقة حديثه معهم، بل وأتذكر إنه طلب منهم ان يشرب الماء، فأعطوه زجاجة ماء، فراح يدور عليهم طالباً منهم أن يشربوا قبله، فيما كانوا يقهقهون بقوة على طريقته في الكلام، ثم عرض أحد عليه الضباط (السمسرة) لهم، وكان يؤكد لهم إنه إختصاص حبوب مخدرة فقط، وأن فلاناً وفلان هم المتخصصين بـ(السمسرة)، وكان صاحبه الذي كان يشاركه الفعل ذو لهجة شيعية جنوبية!

سألني (أبو عبدالله) إن كنت متاكداً من هذا الموضوع، لأنه شاهد، كما يقول، تسجيلاً مشابهاً، لكنه لا يشبهه، لكني أكدت له أن التسجيل الذي أعنيه، متيقن منه مليون من المائة، ولا يمكن أن اُخطأ في هذه الأمر، لإنني كنت حينها مندهشاً لأي مستوى قبيح ووضيع وصل إليه الجيش الشيعي المسخ، ولإنني لا يمكن أن أنسى طريقة حديث هذا الشخص، الذي ظننت حينها بالفعل إنه تحت تأثير المخدرات!

وما هي سوى لحظات حتى عاد هذا الشخص إلى (أبو عمر) هذه المرة، وهو يسأله عن نيته الإنتقام من إخوته عن طريق كشف جريمتهم!

سأله (أبو عمر) عن جريمة إخوته، الذين كان على خصام معهم، فأكد إن إخوته أقدموا على قتل إختٍ لهم، وقاموا بدفنها سراً، وإنهم لفقوا لها تهمة الزنا، ليشرّعنوا قتلها أمام الناس والقانون، في زمن حكم الشيعة، وذلك لإنها رفضت الزواج من رجل إختاروه لها، وأكد أن الأم، كانت على دراية بالأمر، لكنها خضعت للأمر الواقع، وألتزمت الصمت حيال جريمة أبنائها.. طالباً رأي (أبو عمر) حول إبلاغ القاضي بهذه التفاصيل من عدمه..!

سأله (أبو عمر) عن الأدلة، فأكد له إنه بإمكان المحكمة إخراج جثة الفتاة وإعادة فحص جثتها، ليتأكدوا إنها قتلت وهي باكر، وليس كما يدعي إخوته، فضلاً عن أن الأم إن تم مواجهتها بهذه الحقائق، فلن تستطيع أن تنكر فعلة أبنائها بإختهم البريئة، فاكتفى (أبو عمر) بالقول:

سيسألك الله عن ذلك يوم القيامة، وستكون مشتركاً في الجرم إن سكت على هذا الأمر، فنهض من عندنا وهو يتوعد بكشف تفاصيل هذه الجريمة أمام القاضي نكاية بإخوته، الذين سرقوا حقوقه، كما يقول!

من بين من حلّ ضيفاً جديداً علينا، رجلٌ تجاوز الثمانين عاماً، حتى أظنه قد إقترب من التسعين..!
كان رجلاً ضخم الهيئة، فلو تم تقسيمه لأجزاء، لأمّن عشرة أجساد، كجسدي، بشحمي ولحمي..

كان الرجل يسير على عكاز، ويرتدي فوق دشداشته الصيفية (الجلابية)، التي كان يرتديها في هذا الشتاء، (فروة)، لا تكاد تصل إلى ركبتيه، من فرط طوله، وضخامته، وتم حجز مكان له قرب الباب الكبير، ليدخل إلى المغاسل بلا عوائق، وكذلك ليقوم الحراس على تأديه طلباته بيسر وسهولة، ووجوده قرب الباب يسهل لهم أمر ذلك..!

كانت قدما الرجل كبيرتا الحجم، لدرجة أنه لا يستطيع إنتعال أي من أحذية المغاسل التي توفرها إدارة السجن للمعتقلين، ما اضطره لإستخدام الحذاء الذي جاء به من الخارج، والذي يكاد يقترب من حجم قارب نهري.. كما وطلب أبو عمر من بعض الشباب الذين يجاورونه، الحرص على خدمته في الصغيرة والكبيرة..!

لكن ليس عمر هذا الرجل، أو هيأته هي من كانت تُميّزه فقط، بل أموراً أخرى كذلك، بينها صوته الجهوري، الذي إن همس همساً، أرتجت له قاعة السجن بجدرانها الأربع، كما أن تهمته ترسم أكثر من علامة إستفهام مقارنة بسنه، فلقد أخذ يتحدث ذلك الرجل الكهل عن تهمته لجاره الشاب الصغير، الذي سأله عن تهمته على ما يبدو، فبُعد المسافة يمنعنا من سماع السؤال، لكن الإجابة بذلك الصوت المدوّي كشفت لنا عن هوية السؤال..!

تحدث الرجل الثمانيني، أو التسعيني العمر، عن مشاكل كانت دائمة الحدوث بين ابنته وبين زوجها، كحال أية عائلة أخرى، لا تخلو منها هذه المشاكل، لكن هذا الحال لم يكن يعجب هذا الأب، الذي كان الجميع ينادونه بالـ(حجي) حتى حراس السجن، ما جعله يمنع ابنته من العودة إلى زوجها في إحدى المرات، رغم محاولات الزوج إسترضاء عمه، والد زوجته، بكل الطرق والوسائل، لكن الوالد رفض عودة ابنته، مع إنها كانت ترغب هي في العودة إلى زوجها، بعدما تصالحت معه، لكن الحال وصل بالرجل الكبير السن، أن احتجز ابنته في إحدى غرف الدار، وأغلق عليها الباب، حتى لا تعود برفقة زوجها، ما دفعها، بعدما اُصيبت بحالة من الهستيريا، إلى محاولة الإنتحار بالكهرباء، لكنها نجت بإعجوبة من الموت، فما كان من الزوج إلا أن لجأ إلى الشرطة والمحكمة الإسلامية بهدف حماية زوجته من تسلط والدها، وإعادتها إلى أحضان أسرتها وأطفالها، فما كان من المحكمة إلا أن تُرسل دورية إلى دار والد الزوجة، لتستوضح من الحقائق، وما أن أبصر الأب الثمانيني، أو التسعيني، زوج أبنته برفقة رجال الشرطة الإسلامية حتى أنهال عليه بعكازه ضرباً، وبصعوبة بالغة تمكن من الإفلات من قبضته وضرباته المتوالية بعد تدخل رجال الشرطة الإسلامية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن الرجل الكهل الطاعن في السن، سارع إلى محاولة سحب البندقية من أحد أفراد الشرطة الإسلامية كي يطلق النار بواسطتها على زوج ابنته، ولولا ردة فعل شرطي الدورية، لكان (نسيب) الرجل الكبير في السن وزوج ابنته الآن في خبر كان وكان وكان!

بعد هذه الحادثة تم إحضار الأب، الطاعن في السن، والذي يعمل في التجارة، لغاية الساعة، إلى هذا السجن، بإنتظار أن يتم التنازل عنه من قبل زوج ابنته، في حين كان جميع المعتقلين، صغيرهم وكبيرهم، يتحاشون التقرب منه، لشراسته، بحسب ما ورد في قصته، لكنه كان يسعدنا بقصصه المتعددة، التي كان يرويها لصاحبه الذي ينام بجانبه فنستمع نحن لتفاصيلها كاملة، بفضل صوته ذو الصدى العالي، دون الحاجة للتقرب منه، قصص كانت تستمر حتى ساعات الصباح الأولى، دون أن يتجرأ أحد على الطلب منه أن يخفض صوته، كما هو معتاد في مثل هذه الحالات، بل أن بعض السجناء، وحينما يبدأون في المزاح، يقول أحدهم للأخر، اُسكت، وإلا ناديت عليك (الحجي)!

كانت إدارة السجن تحرصُ على تأمين الكثير من متطلبات السجناء، فقد كانت هناك ملابس داخلية كاملة توزع على المعتقلين بشكل شهري، كما فهمت من ذلك، ومثلما رأيت في إحدى الوجبات الخاصة بشهر كانون الثاني الذي كنا فيه، إلى جانب توزيع فُرش أسنان مع معجونها بشكل دوري ومستمر، إلى جانب المطويات والكتب الدعوية والمصاحف، والسواكات، والأحذية الخفيفة..

لكن ليس هذا ماكان يبحث عنه السجناء، فكل ما يهمهم هو أن تُحسم قضاياهم، ويخرجوا من هاهنا بأخف الأضرار، وأبسط الأحكام، وأقل الخسائر..!

كنا نجلس، كعادتنا، كل يوم في حلقات، أو نسير في وسط القاعة، حين يتم رفع الأفرشة في النهار، حيث يتم توفير مساحة مناسبة لتحريك الأقدام والأرجل، في رياضة يومية، سألني عنها يوماً أحد المعتقلين الجدد، حينما قال:

لماذا يدور السجناء هكذا في وسط القاعة، فأخبرته أن هذا من أوامر السجن، التي يجب على كل معتقل أن يقوم بها!

ففتح عينيه ورفع حاجبيه!

فأضفت على قولي قولاً آخر:

هل (أفتريت)، ودُرتَ أنت، أم ليس بعد !؟

فقال لي، مستغرباً الموضوع:

لا لم أفعل.. ولكن لماذا أفعل ذلك..!؟

فأخبرته أن من لا يقوم بفعل ذلك يومياً، يتم إستدعائه من قبل الحراس، ليتم جلده..!

فنهض الشاب الصغير من فوره، بعدما أكدت عليه أن يقوم بذلك، قبل أن يتم أخذ اسمه ليعطى للحراس لتتم معاقبته، وفي نيته التوجه إلى وسط القاعة ليلتحق بعشرات المعتقلين ممن يدورون في وسطها، وكإنهم يدوسون زرعاُ وسُنبلاً لإستخراج حبه!

لكني، وقبل مغادرته، أستوقفته وقلت له:

لا يجوز أن تدور عكس عقارب الساعة، بل يجب أن تسلك إتجاه الجميع، وإلا فإنه سيتم جلدك..!
وكان بقية المعتقلين، الذين يمشون بخطى متباينة السرعة، يسيرون بإتجاه واحد في مركز القاعة، وليس بينهم من يعاكسهم، كي لا يكون هناك حالة تصادم وتقاطع في السيرن ما جعل الشاب يسألني عن سبب سيرهم في إتجاه واحد، ولإي سبب يتعرض المخالف للجلد، فقلت له:

إنها الأوامر!

فذهب ليتلحق بجمع الدئرين، وعيناه صوب باب القاعة، لعل أحد الحراس يراه، فيعرف إنه نفذ الأوامر، في حين اكتشفت أن (أبو عمر) كان يستمع لهذا المقلب، الذي جعله يضحك ملء فمه، حينما غادرنا الشاب الجديد، الذي كانت تهمته بيع الحبوب المخدرة!

فجأة، وإذا بالحراس يحملون بأيديهم ورقة فيها مجموعة أسماء، وراحوا يؤكدوا لنا أن هذه الأسماء سيعرض أصحابها على القاضي، وكان اسمي من بين هؤلاء، فكبّرت الله وحمدته، ودعا لي (أبو عمر)، و(أبو عبدالله)، أن تكون هذه هي المقابلة الأخيرة، ودعتهما خشية عدم رؤيتهما ثانية، وأتفقنا أن نلتقي بعد الخروج من هذا السجن، ثم غادرت، بعدما تم وضع عصابة على نصف وجهي، فضلاً عن عيناي!

كنا قرابة الأربعين معتقلاً، حينما غادرنا قاعة السجن الكبير، إلى قاعة سجن المحكمة الصغير.. وبذات الطريقة الذي نذهب فيها بكل مرّة، ذهبنا هذه المرّة كذلك، حتى أستقر بنا الحال في القاعة الصغيرة، التي وجدنا فيها بضعة عشرات من المعتقلين، بعضهم لم التقِ به مسبقاً..

جلسنا نترقب أن يتم عرضنا على القاضي، بعدما تناولنا طعام العشاء لتلك الليلة، التي تم أخذنا فيها قبيل مغرب شمس نهار يومها بقليل..

أحد المعتقلين، ويدعى (حسين)، كان يتنقل من مجموعة لأخرى، وكان يطلب من الجميع أن يدعوا له، فإنه في ضيق وكرب، لا يعلمه إلا الله، مع أن الجميع كان كذلك..!

وصل إلينا، وبدأ يطلب منا أن ندعو له، وكعادتي، سألته عن تهمته، فتحدث، بين الإبتسامة والخوف، قائلاً:

كانت هناك مداهمة لدار في منطقتنا، حيث كانت الشرطة الإسلامية تبحث عن لص هارب، فتوقفت سيارة الشرطة الإسلامية أمامي في الشارع، وسألوني عن دار المشتبه فيه، فلما أخبرتهم، عاد أحد عناصر الشرطة الإسلامية ليسألني عن عملي، فإخبرته بإنني أعمل في (الصحوات)!

يقول (حسين): فما كان من أفراد الدورية إلا أن قاموا بإعتقالي وإصطحابي معهم في السيارة، وهم في حيرة من أمري لإنني أخبرتهم بذلك!

سألته وماذا كنت تنتظر أن يفعلوا مع (صحوجي) مثلك.. ما جعله يرد عليّ:

ليس الآن، لكن في العام ألفين وستة، حيث كنت في محافظة صلاح الدين، وقد تبت بعد أشهر من ذلك العام، وجئت إلى الموصل هرباً من متابعة الصحوات لي!

ثم سألته:


ولماذا قلت لهم إنك في الصحوات!؟

فأجابني:

والله أخي النجاة في الصدق!

فانفجرت ضاحكاً، وأنا أقول له:

أي نجاة، وأي صدق، وأنت قد تبت، وتركت الصحوات، مثلما تقول، منذ تسع سنين!؟

فرد عليّ، وهو يضع يده التي يحمل بها مصحفاً، على ركبته:

ما حدث قد حدث!

قلت له: وماذا قال لك القاضي في المقابلة الأولى؟!

فأكد إنه لم يلتقِ به بعد، وإنه سيتم عرضه بعد قليل على القاضي، وقبل أن يُتم كلامه، نادى الحارس عليه، مع مجموعة أخرى، فغادرنا، وهو يتوسلنا أن لا ننساه في الدعاء، وأن يفرج عنه الله هذه الليلة، ويعيده لأهله!

لم تمض أكثر من ساعة واحدة أو يزيد عليها بقليل، حتى عاد الباب ليفتح، ولتدخل منه المجموعة التي غادرتنا إلى قاعة المحكمة قبل سويعة، أو يزيد.. وكان ممن يتقافزون فرحاً ،(حسين)، الصحوجي السابق، الذي راح يُخبر الجميع أن الله استجاب دعواتهم، وأن القاضي ضحك كثيراً معه، وقرر إطلاق سراحه، بل وشكره على قوله الصدق!

وراح يروي للجميع المقابلة مع القاضي، بكل تفاصيلها الدقيقة، واصفاً ضحكة القاضي بالعريضة جداً، وأن القاضي وعده بأن ينام الليل في داره، وهو ماكان، حيث تم إطلاق سراحه قبيل منتصف تلك الليلة بقليل!

حالة أخرى شدتني، تمثلت في أبٍ وأبنه، فالأب كان يتحدث إلى أبنه، وسط لامبالاة من الصبي المراهق، الذي كان بعمر الخامسة عشر.. فالأبن يرفض أن يتناول الطعام برفقة والده السبعيني، بل يبحث لنفسه عن مجموعة أخرى، والوالد ينظر إليه بعين الحسرة والشفقة، حتى أن الأب كان يأخذ نصيبه من اللحم في طعام العشاء، والفاكهة، ليعطيها لولده، الذي يتناولها، ثم يعود ليتعامل مع والده، وكإن أباه لم يقدم له شيئاً..!

استغربت لوجود الرجل وأبنه سوية هنا، وحينما سألت عن قصتهما، تبين أن الأبن كان يكثر من الخروج من البيت، وسط إصرار الأب على تقليل ساعات وجوده خارج الدار، ومساعدته في أمور العمل، خصوصاً أن العائلة تسكن في إحدى المناطق شبه الريفية المحيطة بالموصل، فما كان من الإبن الذي امتعظ من إسلوب والده معه، إلا أن يلجأ إلى الشرطة الإسلامية في المنطقة التي يسكن فيها، متهماً والده بسب الذات الآلهية، وإنه يكثر من ذلك في قيامه وقعوده، فما كان من رجال الشرطة الإسلامية إلا أن استدعوا الوالد للتحقيق، ليتم عرضه على القاضي، ليبت في أمره..!

ذهب الأب وأبنه مع مجموعة أخرى، وما أن عادا، حتى أحسسنا أن الأبن تعرض إلى نقد شديد من القاضي، بل تهديد ووعيد منه، إن أقدم على عدم إطاعة أباه، حيث تكشفت للقاضي أكاذيب الصبي، فيما أكد الأب أن الأبن فعل ما فعل لينتقم منه على عدم السماح له بالخروج، دون أن يعي خطورة مثل هذا الأمر، نتيجة صغر سنه، وطبيعة تربيته، وقد تيقن القاضي من هذا الأمر، ما جعله يتخد موقفاً حازماً من الصبي، فضلاً عن تأكيده على الأب بضروره تربيته بصورة حسنة، وإلحاقه بالمساجد لتنشئته على الكتاب والسُنّة، ليكون نبتة صالحة، وقد أجل القاضي عملية إطلاق سراحهما إلى الصباح، كونهما من مناطق خارج الموصل..!

جاء الدور عليّ، والحق أقول إنني لم أكن متحمساً للنتيجة، فمقابلة القاضي المرة الماضية تركت في داخلي شعوراً كئيباً، لا يوحي بقرب الإفراج عني..!

سرت مع مجموعة من المعتقلين، ونحن معصوبي الأعين، كالعادة، إلى قاعة المحكمة، وجلسنا على ذات المصطبة، التي حفظت مساحتها، وموقعها، وعدد إستيعابها، بل وحتى برودتها، أكثر من أي شيء آخر، فكنت أول الداخلين إلى القاضي هذه المرة، عكس المرات السابقة، وهو ما أحدث فرقاً إيجابياً عندي!

سألني القاضي، أول الأمر، عن سبب عودتي من الخارج ودخولي إلى أرض الخلافة!؟

كان صوت المتحدث هو ذات الصوت الذي قابلني أول مرة، وهو ما شجعني على الحديث، لإنني أيقنت أن مصيري، بعد الله، بيد هذا القاضي..!

قلت له:

هل تسمح لي بالحديث، وبالبعض من الأسئلة!؟

فقال:

تفضل!

بادرت بالقول:

يا شيخ، أولم يدعو الخليفة جميع المسلمين للتوجه إلى أرض الخلافة، بلا إستثناء؟!

قال:

بلى!

قلت:

أوليس جواز المرور إلى هذه الأرض هو شهادة أن (لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)!؟

قال:

بلى!

قلت:

أولم يوجه الخليفة دعوة لأصحاب الكفاءات والإمكانيات والمهن كالأطباء والمهندسين والقضاة والتدريسين والإعلاميين وغيرهم للنفير إلى أرض الخلافة!؟

قال القاضي:

بلى!

قلت هل يستوجب أن يبايع كل من يرغب في النفير إلى أرض الخلافة، أم أن الأمر بالإمكان أن يقتصر على العيش في ظل حكم إسلامي لا غير، يحكم بشرع الله؟!

ردّ القاضي:

الدولة الإسلامية لا تجبر أحداً على بيعتها، ومن يرغب أن يعيش تحت حكمنا من المسلمين، فسيعيش معززاً مكرماً، مصان الحقوق والكرامة!

قلت له:

فهل الهجرة واجبة على كل مسلم إلى أراضي الدولة الإسلامية !؟

قال بلى!

قلت:

أوليس أهل البلاد أولى من غيرهم بالهجرة والعودة إلى ديارهم، خصوصاً إنهم المشردون في جنبات الأرض!؟

قال:

بلى!

قلت:

فكيف بي وأنا المسلم، وأنا المشرد، وأنا ابن هذه الأرض!!

إلتزم القاضي الصمت، ما دعاني للمواصلة:

أيها الشيخ:

إن عدت لكتاباتي ستجد إنني اُناصر المجاهدين منذ أول سني الاحتلال، ولم أتردد يوماً عن نطق الحق والجهر به، حتى إنني خسرت في سبيل ذلك أقرب المقربين، أهلي، وناسي، وداري، وأرضي، وبلدي، وقبل ذلك مهنتي، كل هذا حتى لا أسمح لقلمي أن ينثلم، وكي أبقى اُناصر المجاهدين حتى يعيدوا لنا الخلافة من جديد بعدما غادرتنا منذ سنين مجد غابرة..!

أيها الشيخ:

يطلقون عليّ، تسمية (كاتب المجاهدين) لإني ناصرتهم في سرائهم وضرائهم، مثلما ناصرتهم في سرائي وضرائي، حتى اُقيمت الخلافة، وأرتفعت رايتها، وعلا صرحها، بفضل الله، فتأخرت عن الحضور عنها خمسة أشهر بعد إعلان قيامها، لكني أخيراً وصلت أرضها، وأنا أول من يجب أن يطأ قدمه أرضها، وإلا ما قيمة كلماتي التي كنت اُجاهر بها، واُناصر، بصداها، جنود الرحمن ، أولم تكن كتاباتي بحثاً عن خلافة تعيد لنا أمجاد وفتوحات الصحابة، فما أقول لربي يوم أقف بين يديه، إن كنت من المتأخرين عن ركبها اليوم..!!

أيها الشيخ:

لقد جئت هنا لأستبين إن كانت هذه الخلافة التي نبحث عنها، وأدركت أن أول وسيلة لأعرف نصاع بياضها من خلال أسوء بقعة فيها وأكثرها سواداً، من السجن، فدخلت السجن بإرداتي، رغم إنه قرارك، كي اكتشف الحقيقة!

قال لي القاضي:

وهل اكتشفتها!؟

نعم أيها الشيخ، إكتشفت واقع الحال، وبناءً عليه إتخذت قراري، رغم كوني في هذا السجن!

تساءل القاضي:

هل غير السجن قرارك !؟

قلت:

أيها الشيخ، لقد مررت بفترات عصيبة في سجني، وتعرضت لوعكة، بل وعكات وإنتكاسات صحية، كنت أحياناً من شدة ما بي من وجع وألم وصداع، أسقط على الأرض في طريقي إلى المغاسل، لكني لم أطلب مقابلتك، ولم أطلب التعجيل بقضيتي وحسم ملفي..!

سألني:

ولماذا ؟!

قلت:

لإنني كنت أشعر أن الله يريد أن يختبر مدى جديتي وثباتي وصدقي، كنت أخجل يا شيخ أن أرفع أكفي إلى السماء، كي اسأل الله الفرج، لإن محنتي هذا ليست شيئاً أمام مجاهدين، وجدتهم في سجني يبكون ويتوسلون الله ليخرجوا كي يعودوا إلى ساحات جهادهم، فعلى أي شيء أتوسل الله، وأنا الذي لم أناصر إلا بالقلم!

عاد ليسالني:

وما الذي قررته الآن بخصوصك، هل ستبقى في أرض الخلافة، أم تعود من حيث أتيت!

صَمتُّ لبُرهة، قبل أن اُجيبه:

أيها الشيخ:

هل تعرف معنى أن اجتاز بحار ومحيطات، ويتم إعتقالي في هذه الحدود وتلك، ولا أخرج من بين أيديهم إلا أشبه ما يكون بمعجزات، وقطعت عملي في الخارج، وحملت على كتفي أطفالي، وأصطحبت زوجتي لنصل إلى أرض الخلافة، ورميت كل متاعي وآثاثي، وتخليت عن جنة دنيا، تالله إنها لمغرية مغرية مغرية، حد الشبع، وأستطيع أن اعيش في ديار الكفر عيشة الملوك والإمراء، أضمن فيها مستقبلي، ومستقبل أطفالي من بعدي، لكني والله لا أشتري دنياي بآخرتي..!

أيها الشيخ:

حفنة تراب من أرض الخلافة تعدل عندي سموات الدنيا السبع وأراضيها، فكيف أحرم نفسي وأطفالي وزوجتي، وأحفادي من بعدي، من العيش في ظلالها..!!

توقفت عن الكلام، فالأحرف ما عدت قادراً على نطقها، ولا الكلمات باتت تخرج منتظمة، بعدما نافستها دموع وحشرجة في الصوت كادت تودي بحياتي لحظتها..!

بقي القاضي صامتاً حتى انتهيت من نوبة البكاء التي مررت بها من هول ما طرح عليّ، ومما جال في داخلي لحظتها، بعدما شعرت إنني الأن في المكان الذي كنت أبحث عنه منذ مئات السنين، مذ قبل ما أولد وأبصر الحياة طعم الحياة، مكان كنت اكتب عنه، ولم أراه، كنت أقرأ عنه في كتب التاريخ والسير، كنت أبحث عنه وسط الركام، ولم أجده إلا الآن، مكاناً يُحكم بشرع الله حقاً وصدقا، مكاناً لا يعلوه دستور طاغوت ومرتد ومشرك على دستور الله، مكاناً أحلم أن أموت على ثراها، واُدفن في جوفها، واُبعث من رحمها يوم يقوم الأشهاد، أرض إن الحكم فيها إلا لله، لا لحاكم وديكتاتور ينصبه علينا النصارى واليهود والرافضة والملحدين!

قال القاضي، بعد فترة توقف، لم تكن بالقصيرة في حسابات المحاكم:

أخبرني، ما الذي تريده الآن؟!

قلت أن أصل إلى عائلتي، وأن أحضرهم بسرعة البرق، ليعيشوا تحت ظل الخلافة..!

عاد القاضي ليستفزني ضاحكاً بالقول:

قد تذهب بعد هذه التجربة ولا تعود أبداً!

قلت له، وأنا أستخدم عصابة عيني لأنشف بها دموعي، التي تمردت عليّ، لهول الموقف في حساباتي:

أيها الشيخ:

إن عدت إلى حيث كنت، فقدت عدت، فلن يضركم شيئاً، فما كان حضوري أو غيابي ليضيف لدولة الخلافة شيئاً، وإن عقبت، وإنتكست، وهربت، فقد كشف الله زيفي، وفضحني، وخلصكم من قلمٍ منافق لا يفعل ما يقول، وخلاصكم مني حينها خير لكم من تواجدي بينكم!

عاد ليسألني:

كنت تبحث عن شيء حين وصلت إلى هنا !؟

قلت له:

نعم، وقد وجدته!

ماهو.. سألني؟!

فقلت، مُختصِراً تجربة كاملة مررت بها وعشتها بنفسي:

العدل!

ثم أردفت، حتى لا يظن، إنني كنت استجدي إطلاق السراح:

لا أقيس الأمور بناءاً على ما جرى معي، بل من خلال ما رأيته بعيني، واطّلعت عليه بنفسي، ولن تتغير قناعاتي، حتى لو أبقيتني هنا الدهر كله..!

قال لي:

هل من شيء أخير تود قوله ؟!

أجبته:

سأعيش على ظهر أرض الخلافة، كمواطن، حالي حال أي مسلم آخر، وإن احتجتم لجهودي وخبرتي الإعلامية، فلن أرتدد في وضعها تحت خدمة المسلمين، ومن يتولى أمر المسلمين!

سألني إن كنت بحاجة لورقة للتنقل، خصوصاً لنقاط التفتيش الحدودية، إن حاولت مغادرة أرض الخلافة، ثم ختم معي بالقول:

سنختم الآن جلستنا، إن لم يكن لديك شيء آخر تود قوله:

قلت له:

اُريد أن أسجد لله شكراً!

فتبسم وهو يقول، أو هكذا تصورته:

سيكون لديك الليل بطوله لتسجد.. ثم قريباً جداً.. ثم اعقبها بصمت لثوان، قبل أن يكمل:
جداً، ستغادر!

نهضت من مكاني، بعدما مدّ الحارس يده إليّ، كي يأخذني إلى خارج القاعة، التي غادرتها، بعدما سلمت على القاضي من خلف عصابة العين، فأصطحبني، بعد أن ساعدني على وضع الحذاء في قدماي، وسار بي نحو القاعة، التي ينتظر فيها زملائي النتيجة، وستكون، يقيناً، جميع تلك الأبصار شاخصة نحوي..!

توقفت فجأة، فقال الحارس لي:

خيراً حجي!؟

قلت له:

استئذنك أخي لمسح وجهي بعصابة عيني، وساُغمض عيني، إلى أن اُعيد العصابة عليها، فتبسم وهو يقول لي:

لا عليك إرفعها حجي، وأمسح وجهك وعينك مفتوحة، أنت حبيبنا!

شكرته، فتوقفت لألتقط انفاسي إستعداداً لمقابلة أخرى مع اسئلة المعتقلين والسجناء، والتي لن تقل ضراوتها عن أسئلة القاضي وإستفزازاته لي!

ما أن دخلت، حتى سارعت إلى المغاسل لأغسل وجهي، لعلي أستعيد بعض من وضعي الطبيعي، بعدها بدأت الأسئلة تنهال عليّ، فبدأت أروي لهم بعض التلفيقات عن قصتي، التي لم أخبر بها سوى المقربين كـ(أبي عمر)، و(أبو عبدالله) الأول والثاني، وثلة من المجاهدين، ممكن كانوا يشكلون محل ثقة بالنسبة لي في ذلك السجن، وقبل أن استكمل الحديث، طلب الحراس من الجميع الإستعداد، فتم تقسيمهم إلى فرقتين، الأولى إلى الخارج، حيث تم إطلاق سراحهم، مباشرة من هناك، والفرقة الأخرى إلى سجن القاعة الكبيرة، وأنا على رأسهم!

وصلنا إلى القاعة الكبيرة، وكالعادة استقبلني (أبو عمر)، و(أبو عبدالله) وهم ينتظرون مني البشائر، فحدثتهم بكل التفاصيل، حتى إنهم تأثروا كثيراً مما قلته للقاضي، بل (أبو عمر) فاضت دموعه، خصوصاً وأنا أتحدث عن حلم الخلافة الذي بات اليوم حقيقة!

أما (أبا عبدالله)، فقال لي وهو يبتسم:

سنترقب، كم هو الـ (قريب جداً جداً) في حسابات أخونا القاضي!

مرّ ذلك الخميس، بكل ثقله عليّ، وبقيت أترقب موعد مغادرتي لذاك المكان، رغم عدم تحمسي، بوجود إخوة لي فيه، يشاركوني لحظات قد لا تتكرر، كـ(أبي عمر)، و(أبو عبدالله)، وآخرين، بعدما أخذت توقعات رفاق سجني أن يكون السبت أو الأحد هو موعد إطلاق سراحي، كون الجمعة من أيام العطل، لكن وما أن حل صباح الجمعة، ومع إنتصاف النهار، طرق باب القاعة الكبيرة حراس السجن، وهم ينادون على إسمي مطالبين إياي بالإستعداد للمغادرة..

فنهض جميع المعتقلين والسجناء ليتوافدوا عليّ مهنئين، فيما أخذ (أبو عمر) يتنقل بين دموع فرح، ودموع حزن على الفراق، في حين أن (أبو عبدالله) أطلق ضحكة خفيفة، وهو يقول:

صدق شيخنا القاضي، فلقد كان (قريباً جداً جداً)، وأوفى بالوعد!

سجدت لله شكراً وودعت الجميع بالأحضان، وبالكاد كانت تخرج الكلمات من بين أسناني ولساني، بعدما وصل الحال بنا أن أصبحنا أكثر من الإخوة في هذه البقعة، التي لن أفلح في رسم ما كان يجري فيها، مهما إمتلكت من قلم سيال، فما كان يجري، تعجز الأفكار عن نسج فصوله وحكاياته، وتخرس الألسن إن حاولت إحصاء فوارقه أو ضبط نصوصه، فرغم كونه سجناً، إلا إنني كنت أجده، أجمل وأطهر بقعة أرض وطئتها قدمي على ظهر هذه البسيطة!

ودعت الجميع، وتم وضع العصابة على عيني خارج باب السجن، وسار بي الحراس بين هذه البناية وتلك، حتى أوقفوني في مكانٍ، ثم رفعوا العصابة عن عيني، لأجد نفسي في ذات المكان الذي وصلته أول يوم لي هنا، وإذا وبوجوه الحراس هي نفسها، تلك التي قابلتها أول مرة، فبدأنا في العناق، وكإننا نعرف بعضنا منذ سنين وسنين، فراح بعضهم يتأسف على ما جرى، وبعضهم يؤكد أن هذه الإجراءات مهمة لحماية أمن هذه الأرض، وأخذوا في إحضار (أماناتي)، بينها الحقيبة، التي لم تفتح على الإطلاق، إذا كانت كما تركتها، والكاميرا، و(اللابتوب)، وهاتفي الخلوي، ومحفظة الجيب، وطلبوا مني التأكد مما تحويه من أموال.. لكني إفتقدت شيئاً واحداً، وهو حزام البنطال، فسارع أحد الحراس، وكان بمثل قياس خصري، على خلع حزام بنطاله الجهادي، وناولني إياه، فلم أتردد في أخذه، وما هي سوى لحظات حتى عاد الحارس الثاني، الذي ذهب باحثاً ليستكشف مصير حزامي، وكان يحمله في يده، قائلاً، لقد كان في خزانة الامانات، ولم انتبه له، فناولني إياه، فقلت للمجاهد الأول، الذي ناولني حزامه:

لا تنتظر مني أن أعيد حزامك، فسأحتفظ به للذكرى، فضحك، وقال هو لك يا أخي!

ثم خرج المسؤول الأول الذي كان أول من إلتقى بي في هذا المكان، وهو يسلمني بعض الأوراق التي أحتاجها في جولتي، وهو يقول لي:

اُعذرنا أخي، من التأخير، لكنها الإجراءات، وحياك الله في أرض الخلافة.. ثم أخبرني أن أحد الإخوة سيقوم بنقلي بالسيارة، وكان يقف بجانبي، وهو يحمل حقيبتي وبقية أغراضي نيابة عني، فقلت لهم:

أعلم إنني لم اُخطأ المكان، ويوماً ساكتب عن كل هذا!

فرد عليّ ذلك المجاهد، الذي كان يحمل لي حقيبتي وأغراضي:

ونحن لا نريد منك إلا أن تنقل وتكتب عن الحقيقة المغيبة، وعما رأيت فقط!

أخيراً أؤكد لكم، وقبل أن أفارقكم في محطتي الأخيرة هذه، إنني لم أجد نفسي لحظة في حضرة دولة فتية، ولم أجد نفسي بين جدران سجن، كتلك السجون التي دخلتها من قبل، بل لم أجد نفسي في حضرة سجانين عاديين..!

ففي ذلك السجن الذي غادرته، كنت أزداد يقيناً، كلما مرّ علي الوقت، أن وجودي هناك لم يكن إعتباطاً، ولم يأتِ من صدفة، لا أؤمن بها، بل بتقدير إلهي، وبإرادة ربانية، كي تتكشف لي الكثير من خفايا (عدل دولة الخلافة الإسلامية)، وأنا الذي كنت أحسب نفسي، حتى وقت قريب، قريباً منها، حد القرب ذاته، لكن الحق الحق، إنني لم أتعرف على ماهية الولاء والبراء، إلا حينما عشته واقعاً مع المجاهد (أبو عبدالله)، الذي كان يريد أن يكون هو من ينفذ القتل بإخوته حينما شذا عن الطريق.. لم أعش معنى التضحية بكل شيء، بكل شيء، من أجل لحظة جهاد في هذه الدنيا، إلا بعدما قابلت شخص (أبو عمر)، الذي دفع ثمن السير على طريق الجهاد زوجته وأبنته وأبنه فضلاً عن ولديه، اللذان يرابطان في هذا القاطع الجهادي وذاك، رغم إصابة أحدهما البالغة، ذلك الرجل، (أبو عمر)، الذي بقي خلفي يُمنّي النفس بأن ييسر الله له أمره فيلتحق ببقية أبنائه، ليكون معهم، مجاهدين في سبيل الله، فمن يا ترى ياتيني بأقوام، كهؤلاء، لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها!

تباً، من هذا الذي يظن أن طريق الجهاد محفوفاً بالورود والياسمين والأزهار.. ومعبداً بالمرمر والحلان والصوان، كلا وربي، إنه لطريق أشواك وسَّجوار وصبار!


الخاتمة


رسالة، ومثلها كثير، وصلتني، يقول لي فيها من أرسلها:

(أردت أن أعبر لك، كغيري، عن خيبة أملي الكبيرة بتوقف الحلقات)!!

فوجدت نفسي ملزماً بالقول:


توقفي عن الكتابة، أيها الأحبة، ليس عن بطرٍ، ولا من كِبرٍ، لا وربي، كلا وحاشا، فمثلي يدرك عظمة قول الحق في زمن الفجور، أو في حضرة سلاطين وطغاة العروش، ومن هو على شاكلتي، لا ينبغي له أن يضع القلم جانباً، وهو ابن القضية، قضية يعيش من أجلها، وسيموت في ظلها، بإذن ربي، سائلا إياه الثبات، لكن، وبإذن واحد أحد، فرد صمد، ستعقب هذه السلسلة سلسلة أخرى، سأضع أولى حلقاتها على الورق، ما أن انتهي من تجاوز آخر مفرداتها على الأرض، إن أبقى لي الله عمراً حينها، فلا أريد أن أكتب بالحبر، وبين يداي محبرة دماء!

_________________
أيا أمتي عودي لتسودي
عاشقة السماء
عاشقة السماء
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ

عدد المساهمات : 4735
تاريخ التسجيل : 08/02/2013

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى